الرأي

أحمد شيخو يكتب: العلمانية والإسلام السياسي في تركيا (3)

كان للإصلاحات السياسية التي أقدم عليها تورغوت أوزال خلال فترة حكمه رئيسًا للوزراء(1883_1989) ثم رئيسًا للبلاد (1989_1993) دور مساعد في فتح الطريق أمام تأكيد الإسلاميين لحضورهم في الساحة، وكان لسياسة تخفيف سطوة الدولة على الاقتصاد دور في ظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال في المناطق المهمشة، هذه الطبقة البرجوزاية الصاعدة وخصوصًا في الأناضول التي عبرت عن أرتياحها لليبرالية الإقتصادية والتي اصبحت النواة في حزب الرفاه التركي.

وكان أوزال نفسه من أحد المقربين لأربكان قبل أن يوسس 1983 حزب الوطن الأم، وكان أوزال من الرموز التركية التي جمع المحافظة وهو أحد أعضاء الطريقة النقشبندية وبين أنفتاحه على الغرب.

وحزب الوطن الأم تم حله بعد اقل من سنة لمخالفته قيم العلمانية حسب المؤسسة العلمانية، وعاد أربكان واسس حزب الإنقاذ الوطني عام 1972، وكان يجمع بين التوجهات القومية والإسلامية.وتيارات يمينية مختلفة، وقد شارك في حكومة رأسها بولند أجاويد، وعين أربكان نائباص له، بعد ان حصل حزب أربكان على المرتبة الثالثة في الأنتخابات، وأنضم حزب أربكان بين عامي 1975 و1977 إلى حكومة سليمان ديميريل، قبل أن تغلقه المؤسسة العسكرية من جديد في العام 1980 بعد الأنقلاب.

ومع سقوط الشاه 1979 زادت المخاوف من قبل أمريكا وكذالك العديد من القوى في تركيا وخصوصًا مع الأحداث المروعة التي ربما تكون بفعل فاعل حيث من بداية عام 1979 شهد 1126 عملية اغتيال سياسي ووصل زروتها في عام 1980، وعززت المخاوف أكثر بعد التصريحات التي أدلى بها الخميني، التي رأي أن تركيا تمثل تهديدًا للإسلام أكثر من الويلات المتحدة بسبب التحول العلماني.

وفي خضم هذه الأزمة حشد حزب الخلاص الوطني بزعامة أربكان حوالي 40 ألف شخص للاحتجاج على الأوضاع الإجتماعية المتردية رافعين شعارات ضد الكمالية، ومنوهًا بالنموذج الإيراني.

عندها تحرك العسكر مدعومًا من القوى الغربية وحلوا البرلمان وتم حظر جميع الأحزاب السياسية ومنعت الإضرابات والتظاهرات في الشوارع، وشهدت البلاد اعتقال عشرات الآلاف من المعارضيين السياسين من مختلف الإنتماءات وحظرت مئات الجمعيات والمنظمات الأهلية، وقد حرم أربكان وحزبه من العمل لمدة عشرة أعوام، بيد أن الحزب عاد في العام 1983 تحت مسمى حزب الرفاه داعيًا للإنفتاح على العالم الإسلامي وإلى العدالة الإجتماعية داخليًا.

وخاض حزب الرفاه أنتخابات عام 1987 وحصل على 7 % أي أقل من 10% الذي يخوله لدخول البرلمان، مما دفع الكثير من حزبه للإلتحاق بحزب الطريق الأم الذي يتزعمه أوزال والذي يعبر عن توليفة فريدة بين الثقافة الإسلامية من جهة والليبرالية العلمانية من جهة أخرى.

ولعله من المناسب التعرف بأقتضاب على تورغوت أوزال المنحدر من اصل كردي و الذي كان له دور محوري في التاسيس لعلاقة بين الدولة والمجتمع والدين، ومحاولة اتباع سياسة الانفتاح إلى حد، والجمع بين التقدم والبراغماتية السياسية مع التقاليد الدينية ما فتح الباب أمام الإسلام والإرث العثماني ليلعبا دورًا في الحياة العامة، وكان اول رئيس حكومة يؤدي فريضة الحج في عام 1988، وكان له سياسة الانفتاح أقتصادي واجتماعي وثقافي على الدول العربية ولاسيما الخليجية، مافتح الباب أمام رؤوس اموال عربية لدخول السوق التركية، كما شهدت البلاد صعود طبقة من الصناعيين والتجار ورؤوس الأموال سيكون لهم اثر في الحياة السياسية.

وفي التسعينات وفي خضم الحرب المستمرة والتي تضاعفت ضد الشعب الكردي وقواه الشعبية المدافعة والمطالبة بحقوق الشعب الكردي ومع المجازر التي حصلت وحملات التهجير وكذالك إستخدام الدولة لبعض الجماعات الدينية لضرب حركة التحرر الكردية مثل حزب الله التركي الذي شكلته المخابرات التركية، مثل عاما 1994 و1995 فترة زمنية فارقة حيث حقق الإسلاميون انتصارات بالغة الاهمية بعد فوزهم بأهم المدن الكبرى في الانتخابات المحلية لعام 1994، ثم ليتقدموا على جميع الأحزاب في الإنتخابات العامة التي جرت في العام 1995، حاصدين 21.6 % من أصوات الناخبين وشكل أربكان حكومة بالتحالف مع حزب الطريق القويم، فكان هذا الحدث بمثابة زلزال حقيقي للنخبة العلمانية .

و لكن المؤسسة العلمانية لم تترك الطريق معبدًا أمام الرفاه، إذ خيرته بين إجراءات جديدة لحماية العلمانية وبين الإستقالة، ورفض أربكان ما قاله ” مجلس الأمن القومي” الذي يسيطر عليه العسكر العلماني. فاضطر أربكان للإستقالة في يونيو عام 1997م، ليغلق حزبه بقرار قضائي في يناير عام 1998م، ومنع أربكان من العمل لمدة خمس سنين، والملاحظ أن الإسلاميين لم يستدرجوا للعنف مثلما حصل في الجزائر أز أماكن أخرى، يعتقد البعض بسبب اتباع مندريس سياسة ليبرالية مبكرة حالت دون بروز تيارات دينية راديكالية، بل ساهم في دمج الاسلاميين في النظام أو ربما مهدت الدولة لذالك بسبب خوفها من الشيوعيين واليسار.

فجر قرار إغلاق الحزب والصراع مع العسكر والنخبة العلمانية جدلا واسعا داخل الإسلاميين، بين محافظ ومناد بالتجديد وتوخي إستراتيجيات مختلفة، لفك الاشتباك مع المؤسسة العسكرية والنخبة العلمانية المتنفذة، وجرى النقاش في إطار الحزب الجديد الذي ولد على أنقاض “الرفاه” وهوحزب الفضيلة بيد أن هذا الحزب رغم ظهوره بخطاب جديد نوعا ما إلا ان المحكمة الدستورية أغلقته في يونيو 2001، وهوكان ما كان سببًا في ظهور تيار داخل حزب أربكان ليعلن خروجه عن أربكان وتاسيس حزب “العدالة والتنمية” بقيادة أردوغان وعبدالله غول. وقالوا أنه بسبب تسلط أربكان وفشل الحزب في الحكومة والخطاب الإسلامي الذي رأوا فيه سببًا في حظر الحزب وقال تيار أردوغان أن أربكان فشل ليس بسسب العسكر بل بسبب رؤيته المغلقة للمجتمع، لكن الغالب أنه كان صراع سلة ونفوذ بين التيارات الدينية وحول الطرق من التمكين والفوذ بالسلطة.

وبعد هذا الأنقسام ظهر تيارين أحدهما تقليدي محافظ بزعامة رجائي قوطان أحد مقربي أربكان والأخر حداثي ومنفتح على النخبة العلمانية ومدافع عن قيم الجمهورية الكمالية وبقيادة زعيمين شابين هما رئيس بلدية إسطنبول رجب طيب أردوغان والأقتصادي عبدالله غول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق