شؤون ثقافية

بيان شعريّ 7 أكتوبر 2020

بيان شعريّ 7 أكتوبر 2020
 
عبد الواحد السويّح
 
1
آن لي أن أتوقّفَ قليلاً قبل مواصلة الطّيرانِ في رحلةِ النْارِ. رائحةُ لحمي المشويّ لذيذةٌ تدعو كلَّ من بهم قَرَمُ.
إنّهم يركضونَ خلفي وأخشى إنْ نزلتُ أن يستبيحوا مؤخّرتي.
لكنّي
تعبتُ
وما من نهرٍ في الأفقِ.
2
نصوصي الّتي كتبتُها عجاجةٌ تعترضُ وجوهَهم فيدفعونَها ويتقدّمونَ.
بيني وبينهم الآنَ فراغٌ وأعترفُ لكمْ للمرّةِ الأولى وأنا في أقسى حالاتِ الاحتراقِ أنّي أقلُّ شاعرٍ في العالم قرأَ كتباً شعريّةً بل لم أقرأ كتاباً واحداً كاملاً في حياتي. وأعترفُ أيضاً أنّي لم أتأثّر بأحدٍ ولا وددتُ أن أكونَ مثلَ أحدٍ أو أفضلَ من أحدٍ. أفرحُ بنصوصهم الجميلةِ وأدافعُ عنها مثلما يفرحُ الكريمُ بالضّيفِ ومثلما يدافعُ الغَيورُ عن المظلومِ.
3
هم أفضلُ حالاً منّي.
في غابةِ الشّعرِ هناكَ أشجارٌ سامقةٌ وورودٌ وأعشابٌ نديَّةٌ وأنهارٌ وبحيراتٌ ولستُ سوى عشبة طفيليّة تتعرّضُ لشتّى أنواعِ الفؤوسِ.
4
لا أدّعي السّبقَ ولا أدّعي التّفرّدَ ولا أدّعي النبوّةَ ولا العبقريّةَ بل أدّعي اليُتمَ لا غير.
أنا فعلاً يتيمٌ لا أمّ لي ولا أب.
5
في دنيا الشّعرِ لستُ على يقينٍ أنَّ لي عينين فأنا لا أرى الجبالَ ولا أرى السّماءَ ولا أرى البحرَ بل أسمع (عنهم) لا غير.
لوني المفضّلُ هو الأسودُ، يروقُ لي، وأبكي كلّما واجهَهُ رعدّ أو برقٌ أو قمرٌ أو نجم.
6
أتضايقُ كثيرا من وسائلِ الشّعرِ المعهودةِ مثل الوزن والتّشبيه والاستعارةِ والرّمزِ والكثافةِ. وتنتفخُ خصيتايَ من مصطلحاتٍ من قبيلِ دهشةٍ وجنونٍ ومخاتلةٍ ومكاشفةٍ وألم. لكن لا أنكرُ أنّي أحتاجُ إلى هذه الوسائلِ وهذه الكلماتِ لكنْ دون (قصدٍ).
7
الإيقاعُ المتعارَفُ عليهِ أكذوبةٌ كبرى لأنّهُ لا يقتصرُ على الشٌعرِ فالرّتابةُ لها إيقاعٌ والبلادةُ لها إيقاعٌ والجهلُ والصّمتُ والمللُ، لماذا إذن يبالغون في دفع هذا المصطلح إلى مجال الشّعر ولا يبحثون عن محدّدات أخرى أساسيّة يتميّز بها الشّعرُ الحديث؟
8
تقسيمُ النّصوصِ الشّعريّةِ إلى مقاطعَ وتحليلُها عمليّةٌ بائسةٌ جدّاً. لا أعترفُ بتجزئةِ النّصِّ لا منهجيّاً ولا معنويّاً.
9
نظامُ الأسطرِ الشّعريّةُ الاعتباطيُّ مهزلةٌ من مهازلِ قصيدةِ النّثرِ.
10
الإغرابُ والغموضُ دلالتانِ فارقتانِ على ضعفِ النّصِّ وضعفِ صاحبِ النّصّ.
11
كثافةُ الرّمزِ استعراضٌ لغويٌّ مضحكٌ.
12
النّصّ الطّويلُ دلالةُ قصورٍ في رؤيا الشّاعر.
13
التّصديرُ اعترافٌ بالسّرقة والتّبعيّة وهو انخراط في المذلّة الشّعريّة.
14
قراءةُ الشّعرِ بكثافةٍ لا تنتجُ شاعراً بل تنتجُ كوكتالا مصغّرًا من آخرين.
15
مجملُ النّقد الحديث أميالٌ إلى الوراءِ وخطوةٌ إلى الأمام.
16
قصيدة النّثر لا علاقة لها إطلاقاً بالشّعر الّذي سبقها إلاّ في مجال النّحو والصّرف والرّسم وبعض الوسائل البلاغيّة.
17
لا أنتمي إلى موجة جديدة ولا إلى موجةٍ قديمةٍ فأنا أكرهُ الموجَ أصلاً ولا علاقة لي بالبحرِ.
18
كلّ من يصنّفني في خانة واحدةٍ مع زيد أو عمرو هو ناقدٌ سطحيٌّ. ليس لأنّي أفضل من زيد وعمرو ولا لأنّهما أفضل منّي بل لأنّنا لا نعيشُ تحت سماء واحدة.
19
أنا بائعٌ متجوّلٌ لا يملكُ رخصةً او محلاًّ يلاحقُ الزّبائنَ عبر الفصولِ وهم باعةٌ منظّمون تقفُ السّيّاراتُ خصّيصًا أمامَ محلاّتهم.
20
كلّ من يقدّمني بنفسِ الطّريقةِ الّتي قدّمني بها ما قبل سنة 2000 هو من أهل الكهفِ وأنا لا ألومُهُ بل أشفقُ عليهِ من فعل الجهلِ بهِ.
21
إذا كان ما أكتُبُه قصيدة نثر فعلى هذا الجنس الأدبي ألّاَ يخجلَ حين يُتّهمُ بأنّه يَقطعُ مع الجمهورِ وبأنّه نصٌّ يُقرأ في عزلةٍ وصمتٍ لأنّي استطعتُ أن أهزمَ الشّعرَ الموزونَ في منابره وأن أفوزَ بأكثر الآذانِ.
22
أكرّرُ للمرّةِ الألف أنّي لستُ في منافسةٍ مع أحدٍ ولستُ عدوًّا لأحدٍ وأنّ ما أكتبهُ قد لا يرقى إبداعيًّا لعديد ما يكتبه الشّعراءُ في تونس وخارج تونس غير أنّي مقتنعٌ أنّ نصّي علامةٌ ستسجّلُ عاجلاً أم آجلاً.
23
أطربُ لمن يديرونَ أعناقَهم عن نصّي ويعوذونَ بعبقرَ من كلماتي ويحسمونَ فيما بينهم أمرَ هذا النّوعِ من الكتابةِ ويدرجونَها في خانةِ من يستحقّ صاحبُها الصّفعَ. أطربُ لهم. لولاهم لما كانت الدّنيا دنيا ولولاهم لما كان ثمّة محمّد وقريش، وغاليلي ورجال الكنيسة، ونيتشة ومحمد بن عبد الوهاب، وهلمّ جرًّا.
24
بإمكاني أن أكونَ شاعراً شبيهًا بأهمّ الشّعراء في تونس وخارجها فأنا أتقنُ لعبتهم جيّدًا ولكنْ لأنّي أحبّهم فأنا لا أريد منافستهم ولا أرغبُ إطلاقا في اقتحام مضاجعهم.
25
لديّ قائمة أسماء تضمُّ الرّاسخينَ في الشّعر وبعضَ المبتدئين. أُثمّنُ ما يقومون به وأقدّرُ تجاربهم كثيرا. هم يكتبون وأنا أكتبُ لهم نصوصهم ولي نصّي.
26/ رحلتي شبيهةٌ بحكايات أفلام الخيال العلميّ وبالتّحديد فيلم حديقة الديناصورات. كنت ما قبل سنة 2000 داخل مختبر شعريّ بمواصفاتٍ معيّنةٍ لكن حدث شيءٌ ما جعلني أخرجُ عن السّيطرة لأجل ذلك نبت لي جناحانِ. ولأجل ذلك أواصل الطيران بحثًا عن مكانٍ آمنٍ أحطُّ عليه لأرتاح قليلا،
وما من نهر في الأفق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق