شؤون ثقافية

مرثيّة أخرى من أمّي

مرثيّة أخرى من أمّي
عبد الواحد السويح
أنا في بيتِكِ يا أمّي
أقومُ يوميًّا بما كنتِ تقومينَ بهِ
أرتّبُ البيتَ بنفسِ طريقتِكِ
وأغيّرُ مكانَ جلوسي وفقًا لتحوّلِ الظّلالِ
صباحًا أستلقي في السّقيفةِ
ومساءً أمامَ الغرفةِ الشّرقيّةِ
بناتُكِ ما عدنَ يأتينَ لتفقّدِكِ
فأنتِ قد غادرتِ طبعًا
وقطّتُكِ أيضًا غادرتْ
أو ربّما ماتتْ
لكنّها تركتْ قطّةً تشبهها وهي الآنَ حذوي
لا يمكنني أن أدعوها مثلكِ “هيّا لْحَنّة”
فأنا لم أصبحْ جَدًّا بعدُ
أدعوها “هيّا لْبَاباَ”
شجرةُ التّفّاح التي ماتتْ قبلكِ بقليلٍ زرعتُ مكانَها شجرةَ عنبٍ
محمود يزورُني دائمًا
وأحتفظُ له كما كنتِ تفعلينَ بكلِّ ما يحتاجُ إليهِ من حبٍّ
زلهى وعائشة بنت السّلطان وليرواح وحفصة جميعهنَّ يتبادلنَ الحديثَ معي ويقصصنَ عليَّ حكاياتهنَّ العجيبةَ
لا تبكي يا أمّي فأنتِ حيّةٌ هنا
نثرتِ ما يكفي من الكلامِ في هذا البيتِ وهو يينعُ الآنَ في قلمي
ثمّةَ غيمةٌ تراقبني
ما إن أطلقتُ عليها الرّصاصَ حتّى سقطت نجمةٌ من السّماء تشبهُكِ
هي الآنَ في الفناءِ تُملي عليَّ ما أكتُبُ
صحيحُ أنّي سعيدٌ يا أمّي لكنَّ الضّوءَ يخيفني ويشلُّ منّي الحركةَ
في بيتِكِ يا أمّي مجهولونَ أعماني عن رؤيتهم الضّوءُ وأنا خائفٌ جدًّا
وكأنّي
فعلاً
حيّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق