الرأي

دراسة حول اللامركزية الإدارية كأسلوب ونظام حكم لسورية المستقبل

( 2- 4 )

المحامي إبراهيم ملكي

-كيفية الانتقال من حالة المركزية السلطوية إلى اللامركزية ؟ عادة ما تقوم الدولة بعد انتهاء النزاع لديها بانتهاج ما يسمى بالمسار التفكيكي لبنية الدولة المركزية والنظام الشمولي وهذا النوع من الدول الممركزة سلطويا وعسكرياً منها أنظمة المنطقة العربية مثل ليبيا وسورية يتم أعادة تأهيلها بعد إزالة آثار المرحلة السابقة وبأدوات قانونية سلمية هادئة، بحيث تبقى الدولة موحدة عن طريق طرح بدائل دستورية لإدارة الدولة بعقل ديمقراطي ومشاركة الجميع في صنع الانتقال إلى النظام اللامركزي كنموذج إداري ديمقراطي حديث.
وقد أدرجت تونس إثر ثورات الربيع العربي في صلب دستورها الصادر عام 2014،* أسس ومبادئ وهياكل قوية للوصول إلى النظام اللامركزي وإعطاء دور للهيئات المدنية المحلية بترسيخ المشاركة الديمقراطية في الحوكمة”، والذي يقتضي بالتزام السلطة المركزية بدعم اللامركزية في إطار وحدة الدولة أو بغية عدم انتاج نظام فردي استبدادي أو تكرار أنموذج سلطة زين العابدين بن علي مجدداً، وبالتالي اعطاء أهمية لمشاركة مؤسسات المجتمع المدني في هياكل اللامركزية الإدارية الجديدة لفتح افق سياسية جديدة أمام بناء صرح ديمقراطي جديد.

من هنا قد تتخذ اللامركزية الإدارية اشكالا متعددة تبعا لحاجة وطبيعة السلطات التي يفوضها المركز للأقاليم، سلطة مركزية بالعاصمة مع وجود نظام لامركزي إداري في الأقاليم أو المحافظات لكن مستقل إدارياً و يخضع لرقابة السلطة المركزية دستورياً وذلك عبر تحديد نمط اختيار الهيئات المحلية وكيفية تعيينها وانتخابها وفقا للدستور المتوافق مع نظام الإدارة اللامركزية،( نظام سياسي مركزي مع لامركزية مفتوحة في الإدارة)* وتقسيماتها الادارية في قمة الهرم الإداري المحلي من محافظ وشرطة والخدمة الالزامية لأبنائها في المحافظة.

إن نقل السلطة من المركز للأطراف يبدا من إقرار واعتراف السلطة المركزية دستورياً بمصالح متمايزة للأطراف عن مصالح المركز منها المادية منها والمعنوية: كالتعليم والتربية والثقافة ونمط الانتاج والتي تحصل بعض كياناتها على سلطة إدارة شؤونها الخاصة وبالنتيجة على تبلور الشخصية المعنوية والتي تتجلى في إصدار مراسيم وقوانين خاصة بالمحافظة والقيام بأعمال إدارية بدون العودة للسلطة المركزية، لكن التنظيم القانوني يظل بيد المشرع الذي ينظم ويؤسس لهذا النموذج في الإدارة وهو الذي يمكن أن يلغيها، حيث لا يمكن المس بالمركزية

التشريعية التي تبقى موحدة في الدولة مع بقاء اللامركزية الإدارية خاضعة لرقابة السلطة المركزية وعلى العموم يحق لإدارة المنطقة أو المحافظة إيجاد آليات قانونية لتنفيذ برامجها الخاصة بها لكن لا يحق لهذه الاقضية اللامركزية أن تتجاوز المركز تشريعياً، لأنها لا تملك سلطة التشريع وهذا ما يميز الدولة اللامركزية عن الفيدرالية.

وعلى العموم اللامركزية الإدارية هي وليدة الدولة الوطنية الديمقراطية لكونها:

1- نظام إداري تمارس فيه سلطة القرار محلياً من قبل أشخاص اعتباريين مستقلين خاضعين لرقابة الدولة تبعاً لمبدأ الشرعية والسلطات المركزية بآن واحد.

2- نقل بعض صلاحيات الدولة (تنازل) إلى الأقضية والمحافظات والاعتراف بها كمؤسسات متمتعة بالشخصية الاعتبارية القانونية دستورياً واسميها “الحكم الذاتي” في الإدارة لكن تحت رقابة المركز أو ما يسمى بالسلطة الوصائية الإدارية.

3- قد تتسع أو تضييق تبعا لدرجة اللامركزية وهذا يتطلب ميزانيه خاصة مثل محافظة الحسكة لها موارد أكثر من غيرها كثروات باطنية وأراضي خصبة قد تتوسع فيها صلاحيات الإدارة.

فاللامركزية الإدارية تمنح القوة للدولة الديمقراطية ويملك المواطن حريته كشخص فاعل في مجتمع مدني ويشعر بدوره في البناء، وعموما

تتحدد اللامركزية الإدارية الجغرافية على أسس كما وصفها د. عبد الله تركماني

1- ” قيامها على وحدة سورية وطنا لكل السوريين من خلال تنظيم الإدارة المحلية وتقسيم الموارد ويكون لها ميزانية وأيضا ربط بين اللامركزية من جهة وبين المواطنة والهوية الديمقراطية من جهة أخرى.

2- تعني اللامركزية إدارة شؤونها في قضايا الصحة والتعليم والخدمات والامن الداخلي والتنمية في الأقاليم. (4)

3- منع تسلط المركز واستحواذه على موارد البلاد وضمان توسع المشاركة في الحكم وصناعة القرارات المصيرية.

ومن اركان اللامركزية الإدارية وجود شؤون محلية متميزة عن الشؤون المركزية لوجود مصالح محلية مصانة دستورياً وينبغي ترك عملية مباشرتها والإشراف عليها لمن يهمهم الامر عبر تبني قانون الانتخاب لاختيار الأشخاص الذين يسيرون المهمة المحلية بدلا عن جميع السكان المحليين”.

أما الشؤون المتعلقة بالرقابة والتشريع والخارجية والدفاع والاقتصاد تبقى في يد السلطات المركزية.

صور اللامركزية الإدارية:

ان اللامركزية تستجيب لخصوصيات داخل الدولة وظيفية كانت أو ثقافية أو جغرافية:

1- اللامركزية الإقليمية (الجغرافية): وفيها تمنح السلطات المركزية جزءاً من إقليم الدولة جانباً من اختصاصها في إدارة المرفق والمصالح المحلية مع تمتعها بالشخصية الاعتبارية وأيضا الاستقلال المادي والإداري (المحافظة _المدينة_ المناطق _ البلديات) وتمارس سلطة القرار في آن واحد مع السلطة المركزية وتشاركها في سلطة التشريع وأيضا تتمتع بالشخصية القانونية لجهة بعض المراسيم، ونقل صلاحيات المركز للأقضية والمؤسسات مع بقاء رقابة الدولة المركزية بحكم تملكها لسلطة الرقابة. لكن هذه الصلاحيات الممنوحة للإدارة الذاتية قد يتوسع هامشها أو يضيق وفقا لقدراتها المالية التي تتطلب ميزانية خاصة لتنمية قدراتها المحلية في إقامة المشاريع وخدمتها والاستفادة من الموارد وتنظيم العلاقة مع المركز مالياً وادارياً أما في إدارات ضعيفة الموارد فهي تعتمد على المركز في تمويل مشاريعها وخططها التنموية.

وهذه الصورة تعتمد على آليات الديمقراطية في الإدارة الحديثة وتمارسها فعليا دولة المواطنة التي تقتضي إعطاء سكان والوحدات المحلية الحق في مباشرة شؤونهم ومرافقهم والتنمية وإدارة محافظتهم بأنفسهم عن طريق مجالس منتخبة من أبناء المحافظة واجراء العقود والتعامل مع المحيط باستقلالية وفقا لمبدأ المصلحة وتنفيذ الأعمال الخاصة بها وفقا لقدراتها الذاتية وأيضا عمليات التصدير والاستيراد مع المحيط الإقليمي.

2- اللامركزية المرفقية: وهي منح مرفق عمومي شخصية معنوية يتمتع بمقتضاها باستقلال مالي واداري وبشري في عملية تسيير هذا المرفق، ويستند على فكرة فنية تتصل بكفاءة إدارة المرفق العام، ولذلك ليس من حاجة للأخذ بالأسلوب الانتخابي في اختيار رؤساء أو أعضاء مجلس الإدارة، فقط في المرفق المحدد.

وكذلك إعطاء الوحدات المحلية اللامركزية الشخصية الاعتبارية (المعنوية) والاستقلال التام عن السلطة المركزية إدارياً فيما يخص الوحدات المحلية وكذلك اجراءالعقود المحلية والهاتف والبريد والنقل والمواصلات والإذاعة والكهرباء ضمن نطاق المحافظة أو الإقليم فيماعدا ما يتعلق بسيادة الدولة من شؤون خارجية ودفاع ومالية.

وعلى العموم وظيفياً: اللامركزية الإدارية يقصد بها توزيع الوحدات الإدارية داخل الدولة بين الحكومة المركزية وبين الشخص الاعتباري في الإدارة المحلية (الأقاليم) وايضاً هي طريقة في الحوكمة الإدارية تتبعها الدول لتخفيف الأعباء عن المركز. أي تناسب ما تسمى اللامركزية الوظيفية المرفقية الخاصة.

وقد تأتي اللامركزية استجابة لبعض الخصوصيات في الولاية أو المحافظة، بما يعزز اللحمة الوطنية بمواجهة خطاب الكراهية أو يتيح فعاليات اقتصادية لمواجهة البطالة، بما يسمى بالتنظيم الإداري المحلي الناتج عن هذه الحاجة اللامركزية الجغرافية أو المناطقية.

وهناك نماذج للإدارة سارت عليها كثير من دول العالم وأخص اللامركزية الإدارية في فرنسا وجنوب افريقيا وكذلك الشكل الإداري المأمول في سوريا المستقبل.

ففي جنوب افريقيا وهي دولة حديثة العهد باللامركزية الإدارية (نص دستورها لعام 1996 بنداً للحكم المحلي حددت فيه ثلاث اشكال للسلطات (الحكومة)

1 الحكومات المركزية _ 2 حكومة المقاطعة _3 الحكومة المحلية) *

تعد الحكومة المحلية مستقلة بذاتها لجهة الموارد ولها أنظمتها الخاصة وحدد لها مستويات محلية وفق نظام البلديات، وتقسم كل بلدية الى ثلاث فئات حسب تعداد السكان (وتعتمد في هيكلها الإداري على أساس استقلالية كل بلدية عن حكومة المقاطعة، وأكد قانون عام 2000 على مفهوم الحكم التعاوني والتنمية وإلزام وحدات الحكم المحلي بالتعاون والشراكة مع التركيز على

الخدمة المدنية وإيجاد الحلول الخاصة بمشاكل الحكم الذاتي)، وعلى العموم اللامركزية لا تأخذ شكلا محدداً أو نموذجا معينا. فلكل دولة لها خصوصياتها التي تحدد النموذج أو الأسلوب الإداري المناسب والطرق الواجب اتباعها وكذلك المهام الممنوحة لكل إقليم ومستوى الرقابة المركزية للأقاليم التابعة لها.

_ الأنموذج الفرنسي: استطاعت فرنسا التي تعتبر الدولة الأولى عالمياً في مجال القانون الإداري في تطوير نموذجها اللامركزي بشكل كبير وأصبح نموذجاً للعديد من دول العالم “حيث قامت الحكومة المركزية بتفويض صلاحيات متزايدة للسلطات المحلية المنتخبة وبنفس الوقت حافظت على كيانها كدولة موحدة، بحيث لا تسمح بتمثيل السلطة التشريعية في المجالس المحلية مع صلاحيات بتمثيل قوي للوحدات المحلية في الشؤون الخاصة بها”. *

لقد حدثت نقاشات طويلة حول اللامركزية في فرنسا واجبرت الحكومة تحت ضغط القوى الفرنسية السياسية على معالجة المشاكل المالية التي تعترض سير المجالس المحلية وبضرورة توفير الموارد المالية للسلطات المحلية لخلق التنمية الاقتصادية”، وأنتج مما سمي بالشراكة بين المحليات عبر التعاون في توفير الخدمات.

ولقد تأثرت كثير من الدول بالتقاليد الفرنسية باللامركزية الإدارية منها مصر وتونس والمغرب كما صرح عصام شرف الدين رئيس وزراء مصر عام 2011 بان الحكومة المصرية تعبر فرنسا مصدر الهام اداري لها وسوف تأخذ الى حد كبير بالتقاليد الفرنسية. (5)

أن تطبيق اللامركزية في عالم الجغرافيا الفرنسية الذي انضجتها عدة عوامل سياسية واقتصادية وايديولوجية زاد من فرص تحقيق اللامركزية في فرنسا وتحديثها وتطويرها معا”، وأن انتصار الحزب الاشتراكي الفرنسي في عام 1981، (المصدر السابق)، في كل من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلق المناخ الأيديولوجي الموات لتطبيق اللامركزية وهو من مهد فيالانتقال الى الإدارة الذاتية في برنامجه السياسي.

وهذا يقودنا الى نتيجة منطقية وهي أن التنظيم هو شرط أساسي لنجاح الإدارة في عملها.

فالسلطة التنظيمية هي قوة السلطات التنفيذية والإدارية في اتخاذ إجراءات ملزمة من جانب واحد ذات طبيعة عامة وغيرشخصية مثلالمراسيم والقرارات وذلك ينفذ وفقا للقانون. *
ومن حيث النتيجة: يبدو أنه من الضروري التأكيد أن اللامركزية لم تهدد كيان فرنسا كدولة موحدة ولم تمنح السلطة التشريعية لأية مجالس محلية، لاسيما أن السلطة تظل من مسؤولية البرلمان فقط، يضاف إلى ذلك أن مسؤوليات السلطة العامة في الحفاظ على النظام العام لاتزال مستمرة كما هي، لذلك إذا ما تم تطبيق الحكم الذاتي في أي دولة ما على المجالس المحلية لا يعني استقلال هذه المجالس عن الدولة المركزية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق