الرأي

شيء عن الفيدرالية

رياض درار

الفدرالية هي للخلاص من حالة الإنكار التي يتلبس بها النظام الاستبدادي، وتسانده رغم الخصومة معه دول ومنظمات وأحزاب وأفراد كلها تتذرع بذرائع لاتصب في مصلحة الشعب وإنما لتكرس مصالحها وأسباب بقائها أو سيطرتها على قرار شعوب المنطقة التي خرجت من عنق الاستبداد وراحت تصنع مستقبلها رامية وراء ظهرها خوف الخائفين وتهديدات المتضررين، مستعدة لحماية مكاسبها لتصنع منها أمثولة للمصير القادم والذي يصنع الاستقرار للبلاد، والتخلص من سلطة النخب الفاسدة المنتجة للأنظمة الفاشية التي احتكرت المال والقرار. وأنتجت قيماً تسفه الواقع وترزح في ظلال الخيال الذي جعل العبودية مواطنة، والطاعة دين، والجنة مآلًا للخاضع المستكين، وكرسوا في الأذهان أن الدنيا ملعونة وأصحابها ملاعين، ونجدهم يتكالبون على الدنيا وعلى السلطة بادعاءت الوطنية الزائفة والوحدة المتهالكة والأمان الاجتماعي المزعوم رائدهم كتم الأفواه وردع المخالف وإخفاء من يعبر عن يقظة ضمير تجاه الانتهاكات والفساد والزيف المسيطر.

لماذا الفيدرالية ؟ باختصار لأنها تعبير عن ثورة على القيم الزائفة والانحطاط الأخلاقي وعلى الأعراف الرائجة والمعتقدات السائدة والسياسات المرتهنة والمدرسية السكونية التي تعمل على تنويم الشعوب من إرضاعها في المهد المهانة حتى قبرها بدون حرية ولاكرامة، هذا هو الواقع ومنه انطلق السؤال الذي جعل الطريق ميسرة والهدف واضحا، “مالحل ؟” وكان لابد من تغيير القيم بداية لتغيير المعادلة السياسية والسلطوية والتخلص من عبء الاسطوانات المشروخة التي تردد أن الشعب سيقرر مصيره بعد أن تهدأ الحرب، وأن الفيدرالية هي مشروع تقسيم وانفصال، وأن هذه مؤامرة وراءها الغرب الاستعماري والصهيونية العالمية، وأن الدعوة إلى ادارة المناطق ذاتيا وفرض النظام الفدرالي من أبناء المنطقة سيدخلنا في طريق مهلكة ونفق لامخرج منه. وكأن البلاد يعمها السلام ويسودها أجواء المحبة والصفاء وكأنها قد حلت مشاكلها ولم يبق إلا مطلب الفدرالية سيزعزع أركانها ويهدم استقرارها.

المشروع الفيدرالي هو مشروع اللامركزية التي تؤسس لنظام ديمقراطي حقيقي ومواطنة صالحة تترجم السياسة إلى ممارسة مباشرة من قبل الجماهير في الأقاليم والمناطق والنواحي والقرى في الأرياف، والحارات في المدن. و تهدف إلى وصول المجتمع لحالة يملك فيها الإرادة والكلمة والقرار والوجود حيث يعبر الشعب مباشرةً عن حاجاته في مناطقه، ويصنع قراره ويحل قضاياه، ويدفع الكفاءات القادرة لكي يستطيع بها إدارة نفسه وتوجيهها، بهذا المعنى تصبح الإدارة الذاتية الديمقراطية هي إدارة الشعب والمجتمع لنفسه بنفسه،حيث تتجلى سلطة الشعب بأوسع معانيها.

والمشروع الفيدرالي هو التعبير الملموس عن الممارسة العملية والحياتية للوطن الديمقراطي والسياسة الديمقراطية. فمن يرفض هكذا أفكار ماذا يريد غير الرجعة إلى الحكم الاستبدادي الشمولي نظامضففا ومعارضة. ووفق المشروع الفيدرالي ستنتفي بدعة الانفصال ولن يكون هناك داع للتقسيم مادام مشروع الأمة السورية الديمقراطية هو الاسم الجامع، بعيدأ عن كل بُعد قوموي أو طائفي أو ديني أو عرقي أحادي، ووفق المشروع الديمقراطي يجب تغيير الذهنية والتخلص من الأبنية الفكرية المدرسية التي لم تعد ملائمة لحياة عصرية تعتمد على الحرية والحقوق الديموقراطية للأفراد والمجموعات حسب عقد اجتماعي متفق عليه. لذلك لا يمكن الحكم على ما يتم طرحه انطلاقاً من ذهنية استبدادية متخلفة تسلطية أو من خلال ذهنية الراعي والرعية. وهذا يعني تعرية رغبة السلطة الحاكمة التي تمسك بمفاصل الدولة وفضح تاريخها السياسي القائم على تمزيق وحدة المجتمع. وتعرية الأصوات التي ترفض المشروع الفيدرالي كونها تمثل صورة للحزب الحاكم وتسعى لتكرار تجربته الشوفينية، ويعني تأكيد ثقتنا من أن النصر سيكون حليف أخوة الشعوب والأمة الديموقراطية.

رياض درار : سياسي ومعارض سوري بارز والرئيس المشارك لمجلس سوريا الديمقراطية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق