الرأي

دراسة حول اللامركزية الإدارية كأسلوب ونظام حكم لسورية المستقبل

( 1- 4 )

المحامي إبراهيم ملكي

المدخل:

تعد اللامركزية الإدارية نمط من أنماط تطور الدولة الحديثة التي توسعت مهامها بحيث يمكن اعتبار اللامركزية إجراء يتم فيه عزل الإداري عن تقلبات السياسي والأيديولوجي، وتعد كذلك شكلاً من أشكال الديمقراطية لجهة توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار والمسؤولية، وإلى جانب ذلك تعد اللامركزية الإدارية أفضل الأنظمة في إدارة الدولة المدنية الديمقراطية لاعتبارات عدة:

– منها استقرار الدولة وتوزيع الصلاحيات بين المركز والكيانات المحلية الجغرافية، وحل الإشكالات التي تعترض آلية عملها وتساهم بقدر أقل من البيروقراطية وتبسيط الإجراءات أكثر وأقل تعقيداً، كما تساهم في علاج قضايا المكونات والطبقات الاجتماعية بما يتناسب مع إسلوب عيشها ونشاطها بحيث نستطيع القول أن الدولة المدنية الحديثة كمفهوم لا يستقيم مع دولة المواطنة من دون اللامركزية الإدارية والتي جاءت نتيجة تطور المجتمعات وتقدمها وحوكمة الإدارة فيها، ومن خلالها تتولد إمكانية تحقيق العدالة في توزيع الثروة والسلطة ومصادر القوة وانصاف الفئات المهمشة طبقياً واجتماعياً وثقافياً وأيضاً إنصاف المكونات القومية والعرقية والاثنية.

– إن أغلب دول العالم المتحضر تفضل الشكل الديمقراطي البرلماني لحكومتها وفصل السلطات الثلاث، بحيث لا تتحول إلى نوع من الدكتاتورية الشمولية، بما أن هدف الدولة العصري هو تأمين الحرية والرفاهية لمواطنيها وتحقيق التنمية عبر سن قوانين ناظمة للمجتمع، وقد أثبتت تجارب الدول المتمدنة والشعوب في الزمن الحاضر (أنه كلما اوغلت السلطات في قمعها ازدادت الشعوب إصرارا وعنادا في مقاومتها وعدم التعاون معها)1.

الدولة:

هي تجمع سياسي مكون من ثلاثة عناصر (حكومة – إقليم – شعب) يؤسس كياناً مدنياً في عصرنا الحاضر ذات اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد.

غاية الدولة ووظيفتها:

هو تحرير مواطنيها من الخوف ومنحهم الأمان والاطمئنان في ظل السلم الاجتماعي ومنحهم حياة يسودها الفكر الحر وتحقيق العدالة بينهم بمفهومها العام وتأخذ مسافة واحدة من الجميع كمواطنين ومكونات اثنية أو قومية أو دينية وتهدف إلى اشراك المواطنين في عملية التنمية وتحقيق التوازن العادل بين المطالب الشعبية والسياسات الحكومية وتمكين المواطن من تسيير شؤونه الخاصة والعامة عن طريق ممثليه في المجالس المحلية المنتخبين من قبله.

اللامركزية الإدارية:

أنها تنظيم إداري يتم بمقتضاه توزيع السلطة داخل الدولة بين الوحدة المركزية المتواجدة في العاصمة وبين الوحدات المحلية التراتبية ضمن الدولة المتمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي والبشري مع خضوعها لوصاية الوحدة المركزية تشريعياً ودستورياً ضماناً للحفاظ على الانسجام والوحدة الوطنية. (1)

ما هو القانون الذي ينظم شكل الدولة:

إن القانون الناظم للدولة هو القانون الدستوري الذي يتكون من مجموعة من القواعد القانونية الأساسية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها والسلطات العامة والحريات الفردية وينظم العلاقة بين الدولة ومؤسساتها من جهة وأفراد المجتمع ومكوناته من جهة أخرى.

أشكال الدولة:

يقسم فقهاء القانون الدستوري الدول من حيث الشكل إلى:

الدولة البسيطة:

تكون فيها السلطة موحدة (وحدة القانون – وحدة السلطة السياسية – نظام دستوري واحد) ولها أسلوبان في الحكم قد يكون الأول إداري مركزي أما الثاني لا مركزي.

الدولة المّركبة:
لقد تشكلت على مر الزمن عدة أنواع من الدول الاتحادية بمعنى الدولة المّركبة قد تكون دولة اتحادية أو فيدرالية وقد تتعدد في الدولة المّركبة الدساتير وبالتالي تتعدد فيها السلطات والقوانين والمؤسسات الدستورية كما في ألمانيا والولايات المتحدة وسويسرا أي لكل كانتون أو ولاية أو مقاطعة دستور محلي خاص ومؤسسة دستورية عامة تطبق على كامل الأراضي من دون أن تتعارض في نصوصها بين الولاية والمركز، وأيضا هناك الدولة الفيدرالية كشكل من أشكال الاتحادات مثال الإمارات العربية المتحدة.

ستتناول هذه الدراسة (اللامركزية الإدارية) لإنها أقرب لمفهوم الدولة الحديثة من حيث التماسك والوظيفة في مرتبة وسط بين الدولة المركزية الشديدة القرب من النمط القديم -الديكتاتورية أو الامبراطورية وبين الاتحاد الفيدرالي الناتج عن كتل متباينة في التشريع والادارة بما قد يؤثر على مفهوم الانتماء وقيم المواطنة وقد أثبتت اللامركزية نجاحها في دول حديثة كفرنسا (2)، وكذلك دولة جنوب افريقيا وتونس بعد رحيل نظام بن علي إثر ثورة 2011.

أهم مظاهر الدولة البسيطة -الموحدة وأركانها ومرتكزاتها:

إن مرتكزات الدولة عادة ما تكون في وحدة السلطات بالعاصمة – السيادة الكاملة على ترابها الجغرافي – كتلة بشرية متجانسة ومندمجة وغير قابلة للتقسيم -نظام برلماني وسلطة تشريعية واحدة – البساطة في تركيب سلطتها السياسية وعناصرها: كدولة موحدة وهذا الشكل الإداري أخذت به سورية بعد الاستقلال من الفرنسيين و طبقته في مرحلة الاستقلال بين عامي 1945 و 1958، وهي الفترة النهضوية تنموياً وديمقراطياً في سورية، وسرعان ما جاءت الوحدة وألغت هذا الشكل من الإدارة وعززت من مركزية القرار بالقاهرة، وثم جاء البعث وطبق المركزية العسكرية وألغى دور الشعب في الإدارة، وإن كان حافظ الأسد قد طبق قانون الإدارة المحلية لكن من دون صلاحيات ووظف هذا القانون كيافطة وديكور لسلطته المطلقة، وما يساند رأينا هذا أن أجهزة الامن هي من كانت تعين السلطات والادارات حسب درجة الولاء والمحسوبية ودون أن يكون للمواطن المحلي أو السوري دور يذكر……

أساليب التنظيم الإداري:

تنتهج الدول عموماً مهما كان نوع النظام فيها أحد الاسلوبين:
– الأول المركزية الإدارية :
– أما الثاني هو اللامركزية الإدارية:

أولاً:
المركزية الإدارية: يقصد بها توحيد النشاط الإداري وتجميعه في يد السلطة التنفيذية في المركز وهذا لا يعني أن تقوم العاصمة بجميع الأعمال في أنحاء الدولة، بل تقتضي وجود فروع لهذه السلطة مرتبطة برأس الهرم قد يكون وزيراً أو الرئيس كسلطة عليا.

ترتكز هذه الادارة على ثلاثة عناصر :

1- تركيز الوظيفة الإدارية في يد الحكومة:
أي لا يوجد في هذا النموذج مجالس محلية أو مرافق مستقلة أو اشخاص اعتباريين (معنويين) ولا يوجد مجالس منتخبة وهيئات عامة ذات شخصية اعتبارية، وأن وجدت تعمل هذه المؤسسات بقرار من السلطات المركزية، أو تقوم المجالس ببعض الصلاحيات وتسمى الهيئات المفوضة،(3) وفي هذه الحالة تكون المرافق العامة في يد الوزير المختص ومن ينوب عنه وتحت أشرافه.

2- التدرج الهرمي:
أي التدرج في الجهاز الإداري وبمقتضاه يخضع موظفي الحكومة المركزية بشكل متدرج من الأدنى إلى الأعلى على رأس الهرم الوزير المختص وهو صاحب الاختصاص وفي الأدنى الجهة المنفذة في الإدارة بدون أي استقلالية في مباشرة وظيفتها.

3- السلطة الرئاسية:
هي من أهم ركائز النظام المركزي الإداري إلا أنها ليست سلطة مطلقة وليست على درجة واحدة من القوة فهي تتأثر بصاحب السلطة ومركزه في السلم الإداري وقد يكون للتشريع دور في تمركز هذه السلطات في يد فرد كما في سورية التي تمركزت كل السلطات بيد حافظ الأسد ومن ثم أبنه الوريث بنفس تراتبية السلطات ذاتها.

ثانياً:
اللامركزية الإدارية:
هي أسلوب لتنظيم الإدارات، تقوم على توزيع الاختصاصات داخل المؤسسة نفسها، وتحديد نوع من الإدارات المحلية وظيفياً مع الإبقاء على وحدانية السلطة السياسية لجهة التشريع والرقابة.

وتعد اللامركزية إحدى الآليات الضرورية التي يجب أن تقوم عليها النظم الديمقراطية الحديثة كمقياس للحكم الرشيد والتي تهدف إلى اشراك المواطنين في عملية التنمية المحلية كما يمنح الفرد فرصة المساهمة في اختيار أسلوب وكيفية إدارة أموره بحرية وانتخاب ممثليه، بما فيهم رؤساء الهيئات التنفيذية انتخابا مباشرا وليس كما كان يحدث في عهد نظام الأسد الأب ومازال يحدث زمن الأبن أيضاً، حيث كانت السلطات المركزية تعين أغلبية موظفي الإدارات، فعلى سبيل المثال كان يتم تعين المحافظ من خارج أبناء المحافظة، كرئيس أعلى سلطة فيها، من قبل رئيس الجمهورية و بمرسوم منه. ومن دون العودة الى أية سلطة أخرى وفق التسلسل الهرمي.

وتتخذ اللامركزية الإدارية شكلين:

1-التراتبية أو الإقليمية:
وهو أعتراف المشرع للأجزاء من التراب الوطني بالشخصية المعنوية لتسيير الشؤون المحلية مالياً وادارياً من خلال هيئات منتخبة من قبل السكان القاطنين بذلك الجزء الجغرافي.

2-اللامركزية المرفقية:

ينتج هذا النظام مرونة وسهولة في اتخاذ القرارات الإدارية وتنفيذها من قبل مؤسسات وهيئات محلية فنية ولديها خبرة، (قد تكون من خارج الإقليم) في تنفيذ المرفق العام أو من خارج المحافظة لكنها تكون ذات شخصية اعتبارية إداريا وأيضاً تساعد في تحقيق التنمية والمشاركة المجتمعية في إشادة المرفق الى جانب الحكومة بحيث تكون مستقلة تمويلياً وادارياً ولديها خبرة وقادرة على المساهمة في تحقيق التنمية بظل الرقابة المركزية.

عيوب المركزية الإدارية:
إن هذا النظام لم يعد مقبولاً وأصبح لا يتماشى مع المبادئ الديمقراطية والدولة الحديثة، في ظل عصر التكنولوجيا وتطور الإدارة عالمياً وهذا ما كشفته ثورات الربيع العربي من عيوب في إدارة الدولة ومؤسساتها وارتباطها بالحاكم المستبد وإلى تخلفنا الحضاري أيضاً.

من هذه العيوب:
تركيز السلطة بيد فئة معينة من الأشخاص مما ينتج عنها احتكار السلطة من قبل فرد تدعمه تلك الفئة ، والذي سرعان ما يتحول إلى بيروقراطي مستبد بسبب عدم وجود محاسبة ومراقبة إدارية، ناهيك عن أن المركزية الشديدة تقتل روح الابداع مما يؤدي إلى عجز الإدارة في عملها كمؤسسة تحمل لغة القسر والاكراه ضمنا في تنفيذ الأوامر والبطء في اتخاد القرار إضافة لترهلها في التعامل مع الأطراف وأغلب الأوقات يكون مصدر القرار غير عالم بطبيعة المشكلة أو المشاكل التي تعترض بناء المرفق العام أو حلها أثناء أدائه لمهامه.

-عدم معرفة المركز بأولويات ونوعية المشاريع والمرافق المراد اشادتها في المناطق المحلية وكذلك دخول المحاباة وأمراض إدارية أخرى (الوساطة) في توزيع مخصصات المحافظات مالياً

وإداريا وعدم مقدرة المحافظة على محاسبة الموظف المركزي المعين في أعلى الهرم السلطوي لعدم توفر صلاحيات قانونية لمحاسبته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق