الرأي

أردوغان … عصارة التقاليد العثمانية

صالح مسلم

قول تركي مأثور لدى الأتراك “لانهاية للمكائد العثمانية” نابع من واقع السلاطين والحكام العثمانيين الذين استطاعوا إقامة دولتهم والتحكم برقاب الشعوب على مدى خمسة قرون بهذه المكائد والألاعيب التي بات يعرفها كل مطلع على سيرة السلاطين والحكام والقادة العسكريين في الدولة العثمانية منذ إنشائها إلى يوم إنهيارها، ويبدو أن أردوغان قد قرأ ذلك التاريخ لدرجة حفظه عن ظهر قلب ويطبقها عملياً قدر المستطاع.

مع إنهيار الدولة العثمانية برز ضابط اسمه مصطفى كمال كان ضمن الجيش العثماني ووجد أن الدولة العثمانية زائلة وعليه أن يقوم بشيء ما، فما كان منه إلا أن يتوجه في عام 1919 إلى الكرد في كردستان ليجمعهم في مؤتمرين هما مؤتمرا أرضروم وسيواس حيث جمع الآغوات والمشايخ الكرد وتوسل إليهم، بل وقبل أياديهم بهدف ضمهم إلى القتال ضد الكفار لإنقاذ الخلافة الإسلامية وتأسيس دولة يتشارك فيها الكرد والترك على قدم المساواة. بينما الكرد لم يستنبطوا العبرة من تاريخهم فما كان مصطفى كمال بصدده قام به آلبآصلان في ملازكرت عند تأسيس الدولة السلجوقية وأدريس البدليسي عند توسع العثمانيين نحو المشرق، ومصطفى كمال فعلها عند تأسيس الدولة التركية وقتل مائة وعشرين ألف كردي في جاناقلة وحدها دفاعاً عن تركيا والخلافة الإسلامية. وعندما طالب الكرد بالوفاء بوعودهم بدأت الإبادة الكردية ولا زالت مستمرة حتى يومنا.

كان من مبادئ الإتحاد السوفييتي منح الشعوب حقوقها والوقوف إلى جانب حركات التحرر ولهذا منح لينين الكرد في لاجين كردستان الحمراء حقوقهم. أقام مصطفى كمال علاقة وثيقة بـ”ستالين” بحجة أنه يقاوم ضد الرأسمالية المتمثلة في الإنكليز والفرنسيين وأنه حليف للسوفييت، فأقنعه بأن كردستان الحمراء تشكل خطراً على الأمن القومي لتركيا، فقام ستالين بتشتيت شعب كردستان الحمراء بشحنهم بالقطارات إلى كافة أنحاء الإتحاد السوفييتي فمنهم من قضى في الطريق ومنهم من وصل، والكرد المتواجدون حالياً في كازاخستان وتاجيكستان وسيبيريا وجورجيا وأوكراينا وروسيا والأنحاء الأخرى هم ضحايا صداقة مصطفى كمال وستالين. بل أكثر من ذلك في أوج هذه الصداقة قام مصطفى كمال بإغراق سفينة كانت تحمل “مصطفى صبحي” رئيس الحزب الشيوعي التركي ورفاقه في عرض البحر الأسود عند زيارتهم للاتحاد السوقييتي. ثم أصبحت تركيا فيما بعد الحارس الأمين للغرب على حدود المعسكر الشيوعي.

رجب طيب أردوغان ينتمي في أصوله إلى سواحل البحر الأسود وربما هو من زوائد السيوف التي أبادت شعوب تلك المناطق. نشأ في حي قاسم باشا باستانبول الشهير بقبضاياته وزعرانه ابناً لأسرة فقيرة، ولضيق الحال أصبح بائعاً متجولاً للكعك الذي يسمى بـ “سيميت” في الشوارع ولفقر الحال درس في معهد ” إمام خطيب” المجانية “هذه الشهادة لا تؤهله دستورياً لتولي منصب رئاسة الوزارة ولا رئاسة الجمهورية) وكان يذهب إلى المساجد للإستراحة إلى أن التقى به أحد مريدي “فتح الله غولان” وكان سبباً في انتمائه للجماعة، فدفعوه إلى الإنتماء إلى حزب الرفاه الذي ترأسه نجم الدين أرباكان وساندوه إلى أن استطاعوا انتخابه رئيساً لبلدية استانبول من خلال الجماعة.

بعد أن أصبح معروفاً بحكم كونه رئيس أكبر بلدية في تركيا استطاع شق صفوف حزب أرباكان مع عبدالله غول ويؤسس حزب العدالة والتنمية بموافقة الولايات المتحدة ليكون واجهة لجماعة فتح الله غولان، وعندما ثبت رجليه بدأ ينقلب على رفاقه المؤسسين واحداً تلو الآخر، باباجان وعبدالله غول وداوودغلو وأخيراً فتح الله غولان وجماعته بالذات، واستطاع إجراء التغييرات اللازمة في القوانين والأجهزة ليحول تركيا إلى حكم رئاسي ديكتاتوري يتحكم بالسلطات الثلاث، وتحالف مع كل أدوات الحرب الخاصة التي صنعتها الدولة التركية العميقة لمحاربة الكرد والتيارات الديموقراطية، مثل أرغنكون وحزب الحركة القومية ودوغو بيرينجيك والمافيا التركية. فشعاره الشهير الذي كرره هو “الديموقراطية كالتاكسي تركبها عندما تحتاج وتنزل منها عندما تصل إلى المكان الذي تريده”.

انقلب على مباحثات الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي لأن الديموقراطية الداخلية شرط من شروط الإنضمام، والدولة التركية لا تريد أن يستفيد الكرد من الأجواء الديموقراطية. وعندما أرادت قوى الهيمنة العالمية ترتيب الشرق الأوسط الجديد جعلت تركيا نفسها غرفة عمليات تنفيذ هذا المشروع بهدف تمرير مشروعها التوسعي الخاص بها. فبدأ المشروع من تونس وليبيا ثم مصر ثم سوريا، وخلقت تركيا أدواتها الخاصة للتغيير المتمثلة في الجهاديين أمثال داعش ومشتقاتها إلى جانب التيارات الإسلامية المعتدلة التي شجعتها قوى الهيمنة، وعندما أدرك شركاؤها حقيقة المشاريع التركية أبعدوها من تونس ومن ليبيا كما تم إسقاط حليفه في مصر، فبدأت تركيا بالتمرد ولجأت إلى أسلوب الإبتزاز مع الجميع، أوروبا باللاجئين والولايات المتحدة والناتو بإقامة العلاقات الوثيقة مع روسيا وشراء أسلحتها، وبدأ توجيه سياساته إلى الصين وروسيا والدول الإسلامية التي تقبل بالخلافة العثمانية.

كل تلك المكائد واللعب على الحبال أسفر عن نتيجتين مهمتين، الأولى هي الثقة الزائدة بالنفس لدى أردوغان، حيث بات يعتقد آنه أكثر ذكاءً من العالم أجمع وقادر على القيام بكل شيء وإعتبار نفسه استمراراً للسلطان عبد الحميد لإكمال ما عجز عنه السلطان عبد الحميد بما فيه إزالة إرث مصطفى كمال مثل العلمانية ومحاولة وضع تركيا في صفوف الغرب من حيث العلاقات الاجتماعية والقوانين، وآخر مثال كان في آياصوفيا. والنتيجة الثانية كانت لدى الدول الغربية مثل ا.لإتحاد الأوروبي والناتو، حيث لم يعتادوا على التعامل مع هكذا ذهنية آتية من العصور الوسطى. وخاصة أنها استثمرت كثيراً في تركيا على الصعيد الاقتصادي والإستراتيجي.

تلك الدول باتت مهتمة بالعولمة وتوفير الأجواء اللازمة للسوق الحرة وإزالة حدود الدول الوطنية التي باتت عائقاً في وجه مصالح الرأسمال والعولمة، بينما تركيا أردوغان تتطلع إلى الغزو والتوسع وممارسة القمع على المجتمع. تلك الدول تحارب الإرهاب بينما تركيا أردوغان باتت الداعم الأساسي للإرهاب بهدف إستخدانه وسيلة للتوسع. واستخدام الإبتزاز ولغة التهديد في التعامل السياسي والديبلوماسي، بينما تلك الدول تلجأ إلى الحوار والديبلوماسية في حل المشاكل والأزمات التي تظهر بينها. بينما يرى أردوغان يرى أن التفاهمات والمعاهدات الدولية باتت مكبلة للجنوح التركي، وأردوغان يحاول التخلص منها بما فيها معاهدة لوزان التي أسفرت عن تأسيس جمهورية تركيا الحديثة.

من كل ما ذكرناه نستطيع التوصل إلى نتيجة أن هذا الوضع ستكون نتائجه كارثية على كل المنطقة برمتها وفي مقدمتها تركيا بالذات. فتركيا باتت كسفينة بقيادة ربان ثمل في بحر هائج لايمكن التكهن بمتى وأين ستصطدم بالصخور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق