شؤون ثقافية

مكتبة “شكسبير وشركاه”.. معقل الثقافة الإنكليزيّة في باريس

سلافا عمر ـ Xeber24.net

تتربع ـ في العاصمة الفرنسية “باريس”، وعلى الضفة اليسرى لنهر “السين” ومقابل كنيسة “نوتردام” الشهيرة ببنائها الرائع، وبـ”أحدبها” الذي أبدعه “فكتور هيغو” في رواية شهيرة، ثمّ خلّدته السينما بأكثر من عمل ـ مكتبة صغيرة تحمل اسم “شكسبير اند كومباني” أو “مكتبة شكسبير وشركاه”، وتزيّن واجهتها، صورة للأديب البريطاني الأكثر شهرة “ويليام شكسبير”، وليس من المبالغة القول إن هذه المكتبة أصبحت أحد المعالم الثقافية “الإنجليزية ـ الأمريكية”، في “مدينة النور” العاصمة الفرنسية.

فما إن يطأ زائرها محيطها ويجلس في المقهى القريب منها، حتّى تتلاشى اللغة الفرنسيّة برنّتها الأرستقراطيّة ورائها المميّزة وتحتلّ اللغة الإنكليزيّة المشهد. يتوافدون بالمئات يوميًّا ليلقوا نظرة إلى هذه المكتبة الأسطوريّة التي أدّت دورًا مهمًّا في تاريخ باريس الثقافيّ.

هذه المكتبة الصغيرة الحجم، التي ربما لا تلفت انتباه من لا يملك فضول الاستكشاف وتجذبه الكتب، يزورها كل عام عشرات الآلاف من السائحين والقرّاء والطلبة والكتّاب المعروفين، وأيضاً “مشاريع الكتّاب” والباحثين عن الأعمال الأدبية النادرة باللغة الإنجليزية.

ذلك أنها تحتوي على عشرات الآلاف، منها الجديدة والمستعملة. ومن بينها حوالي 5000 كتاب من الطبعات الأولى لها. ولا شك أنه يقدم إليها، من بين الزائرين، عدد من الفضوليين أو ممن يستهويهم المكان لالتقاط صورة تذكارية.

وت وفر مكتبة “شكسبير وشركاه” مأوى مجانيا لنحو 40 طالباً وكاتباً شاباً.

وقد نالت هذه المكتبة اسمها بعد نشر أول طبعة لملحمة “الأوديسا” في هذه المدينة التي أثارت “جيمس جويس وأرنست همينغواي” ومجموعة من كبار أدباء القرن العشرين.

مكتبة “شكسبير وشركاه” بباريس

ويوجد للمكتبة مدخلان منفصلان، أحدهما يؤدّي إلى القسم المخصص للكتب القديمة، بنسخ نادرة، مثل رواية “العجوز والبحر” لارنست همنغواي، بنسخة مصوّرة تعود لعام 1953، أو رواية “الأبله ” لدوستويفسكي بطبعتها الأولى. وتحتوي على عدد كبير من المجموعات النادرة من الأدب الأمريكي والبريطاني.

والباب الآخر للعموم، وهو الذي يبدو بمثابة المدخل الرئيسي للسائحين والباحثين عن كتاب.

ويربط بين طابقي المكتبة، سلّم خشبي داخلي، يسمح لشخص واحد باستخدامه، مع الحذر والتنبّه، ولا يوجد في الطابقين، أي شبر أو ممر أو زاوية ميتة أو فسحة صغيرة في الأرض، لا تحتوي على كتب تزخر فيها الرفوف أيضًا، والتي “انحنت” من ثقل ما حملته منه، ولكنها لا تزال “صامدة”، وأوّل ما يواجهه الزائر، رائحة الكتب القديمة الممزوجة برائحة الخشب العتيق، إن التوصيف الذي قدّمه جورج وايتمان لمداخل وحجيرات الطابقين، هي أن “كل منها مثل فصل في رواية”.

وتخلق هذه الأمور كلّها، نوعًا من سحر المكان والإحساس بالانتماء إلى عالم الكتاب، هذا ما يمكن أن يقرأه من ينظر في وجوه الزائرين “المأخوذين” بهيبة الأجواء المحيطة المثقلة بعبق التاريخ، والمثير للانتباه أن الذين يوجدون في المكتبة، يحافظون على درجة عالية من الصمت، الذي يليق بمكتبة للقراءة وليس بمخزن للبيع.

حيث أراد مؤسس المكتبة جورج وايتمان، لها، أن تكون لبيع الكتب، ولكن أيضًا، مكتبة عامّة لمن يريد أن يقرأ، وبالتالي من هو بحاجة إلى الجلوس طويلاً، الذي ربما يحتاج لاستخدام الآلة الكاتبة، أمّا من لديه موهبة موسيقية فيستطيع أن يعزف كما يشاء على البيانو ويستمع له من أراد ويتجاهله أيضاً من يشاء.

ولعلّ ما يفسر جزئيًا ازدهار وشهرة مكتبة “مكتبة شكسبير وشركاه”، هو أنه منذ نهاية سنوات الخمسينيات في القرن الماضي، حيث كانت “باريس” هي إحدى الوجهات المفضّلة للكتّاب الأمريكيين الذين كانوا يقيمون عامّة في منطقة الحي اللاتيني القريبة، قريبًا من المكتبة التي غدت بسرعة، لمجرّد أنها مكتبة “أمريكية”، تهتم بالثقافة في باريس، مكانًا للقاء الأمريكيين القريبين من عالم الثقافة. ثمّ أصبحت بعد ذلك، مكانًا للإقامة المؤقتة لبعضهم، خلال عدّة أيام وربما عدّة أسابيع.

وتظهر المكتبة في عدد من الأفلام المصوّرة في باريس وفي مسلسلات تلفزيونيّة وفي عدد من الروايات، كما تظهر في نصوص أدبيّة وفي مذكّرات عدد هائل من الكتّاب، لتتحوّل مكتبة “ِشكسبير وشركاه” إلى معلم ثقافيّ متوهّج يضيف بإشعاعه خيط نور جديد إلى المنارة الثقافيّة التي هي باريس.

المصادر: مجلة الفكر الثقافية ـ صحيفة الاندبندنت البريطانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق