شؤون ثقافية

الأصدقاء

الأصدقاء
عبد الحكم بلحيا
الأصدقاءُ..
حصَالةُ التأويلِ..
ما يَسْتدرُّ القالَ بعدَ القِيلِ
الأصدقاء على الشدائد: رفّةٌ
في البُؤسِ،
أو في الأُنسِ..
بالمِنديلِ
ما يستَعِيضُ القلبَ عن فرَحٍ مضَى
ما يُنضجُ الأحزان.. بالتمهيلِ
الأصدقاء يدٌ.. تحرّكُ بعضَها
حكّ الفراغ بإصبع التعليلِ
أنْ لا تقُول الشيءَ حين تقوُلُه..
من مَأخذ التقريب..
أو من عادةِ التغليبِ،
أو من رتْقِ مفردتَيْن من ضِدَّين متّقِدَيْنِ
في اسْمٍ، من ذَوي الوَجهَينِ..
حينًا يرتدي هذا، وحينا ذاكَ،
أو قد يلبسُ الثَّوْبَيْن متّحدَيْنِ
في اسْم هكذا:
“الأعدقاء”..
كأنها: دعوَى الصداقةِ،
ربّما.. صِدقُ العداوةِ..
وحدة الضدَّين،
أو هي شِرْكةُ الندَّين..
توأمَةٌ على غير القياسِ،
ترجمة الخيانة بالأمانةِ.. لِلجناسِ،
إيهامُ الكناية بالعُدُولِ..
… دالٌّ بلا مدلولِ
الأصدقاء حماقةُ المخدُوعِ..
في صِدق العِيار ووجهة البَنْدُولِ
وخرافةُ الماشي بِلا قلبٍ
إلى ما لا نهايةِ جُرحِهِ المَعسُول
والأصدقاء تَرَنُّم الباكي..
على طلَل يَنِمُّ بعُمْرِهِ المطلُولِ
تسديدةٌ صوب الخَواء،
ورميَة من غير رامٍ..
في المدَى المسطولِ
ظِلٌّ يُقلِّدُني، ويُنكِرُ خطوَتي
فأرٌ يجُوسُ سِلالَ بيتي بالّتي…
قطٌّ يطارد كلَّ فأرٍ قد يُنغّصُ وحدتي
كلبٌ يهرّ على الجميع هنا،
ويسقط والغًا في وقتِيَ المأكُول
***
والأصدقاء يدٌ تُرَبّتُ…
ضمّةٌ
تُرخي غمامتَها على المقتولِ
مرآةُ من لمْ يكسر الكأس الّتي
شربَتْ به..
في الموقف المخذولِ
رميُ العصا عند انتصافِ الخَطْوِ،
أو دعُّ الهزيل براحةِ التطبيلِ
تلويحةٌ، تكشيرةٌ…
يوما فيومًا، هكذا..
حتى اندثارِ الجيلِ
عينٌ على الماضي،
ورجل للمرُور إلى حذافير الغدِ المسمُولِ
والأصدقاء عصابةُ الغربانِ حول فمِ اليَتيم،
ومُقلةِ المشلُولِ
الأصدقاء سوانح ومصادفات..
كالتبضّع،
كالتسكّع..
كالتجمّع تحت قارعة الفضولِ
تشكيلة من كائنات ليس يجمع بينها..
إلّا النفاقُ
هو الطريق إلى حَريرك..
كلّما كثُر الرفاقُ
أعِدْ حسابك، مرةً..
وافتحْ كتابَك..
أيْ كتابَ الدَّينِ،
والنجدَيْنِ..
ينقشع الوِفاقُ
تُحَصحص العينُ الكليلةُ
حيث يرتفع الغطاء هناك..
ينفتق الطباقُ
طباق جفنَيك اللذَين عليما..
التقت الحقيقةُ والمُحاقُ
فما الذي قد يجمع الأخلاف في دربٍ..
سوى أنّ الغنيمة في المَمرّ،
أو الخصومة حيثما انطلق السباقُ…
الأصدقاء غواية التحميلِ
والأصدقاء نهاية التشكيلِ
***
الأصدقاء صدَى حكايةِ جَدَّتي
لكن أقلَّ بنكهة التخيِيل
شيءٌ من المعنى المُواربِ في القريبِ،
أو المُقارب في الغريبِ،
اسْمٌ بلا جسم،
ولافتةٌ على بابٍ وهاويةٍ،
تُشيّع للغيابةِ والأفُولِ
هي لوحة مَوقُوصة التفصيلِ
:
… خُطًا تتفرّس المَمْشى،
قَفًا متظاهر باللّامُبالاةِ المريبةِ..
نظرةٌ خلف الزجاج إلى فضاءٍ مُبْهَمٍ،
نظّارةٌ تخفي اتّجاهَ العينِ،
وجهٌ جامدُ القسَماتِ، يُربك قارئَ السيماء،
ظِلّ واقف بالباب، طولَ الوقت، يُومِئُ بالدخولِ
حذَرٌ، بهالةِ طائفٍ..
يتوجّسُ الضربات تأتي من هنا أو من هناك..
تهيُّؤاتٌ لانفجارِ اللحظةِ المشدودِ في شرَكِ المُثولِ
***
ما الأصدقاءُ ولا صداقةَ؟!
لعنةٌ
قل: رحلةُ الملِك الفتَى الضلّيلِ
ما الحبُّ إلّا بالصداقة !
ما الصداقة.. غير حُبٍّ قابل التعديلِ !؟
***
“الأصدقاء هُم الجحيم”..
يقُولُ
كوجيتو الفتى الآتي من المجهولِ
بُقَع على الثوب القديم،
وشَوكة في النعل..
أو هي
ورطةُ المُوديلِ
ضحِكٌ على ذقن النهار،
وفكرة في الليل.. نابيَة عن التمثيل
***
المجد للأغراب.. جوّ باهتٌ
ويمامةٌ حطّت، وتؤذِنُ بالرحيلِ
شبَحٌ على الكرسيّ، همْيُ غمامة، تبدُو رُوَيدًا، ثمّ تأخذُ في الخفوت.. هنيهة: لاشيءَ..
إلّا الريحُ مكنسةُ المكانِ.. تُوَشوشُ الجوّ الصموت.. فراشتان تطوّحان وتمضيان.. وهندباء لا تزال تواصل التحليق.. تهدأ ثم تُتبع رقصة الطيران.. يزداد الهبوب فتختفي في الأفق.. الزمانُ هنا: بهُوت، والمكان: مدًى رماديُّ السدولِ
الآخرون العابرون سحابة
كالحُلم، كالنجوى
تأتي بلا إذنٍ،
تغيبُ بلا أذى..
تَمضي كما جاءت..
بِلا مَنّ، ولا سَمْنٍ، لا سَلْوَى
الأصدقاء تَكَسُّر الفخّار.. حولَك،
حولَ نَصبِ هبائك المصقولِ
وجُذَيْلُ مَتْنِك في الهبوب السمْحِ،
قبل العصف، قبل الوَحْل والسِجّيلِ
لا ظهرَ للمكسور إلّا ظلّهُ
ورماده في رُكنِهِ المعزولِ
***
الأصدقاءُ:
الخطوةُ الأولى على رمْل الطريق،
وهامشٌ للريح ترسم ما تشاء على قميصك.. قبل أن تتدفّق الأمواهُ من كلّ الجهات..تلُطُّ لمستها الأخيرةِ فوق نسختك التي لا تنتهي.. بِيَد الفصولِ
أهِوايةٌ؛ هذي الصداقةُ..
ذلك التجميع للأشياءِ، أشياء تُثير الالتقاطَ، وربما لا شيء يربط بينها.. متفرّقات ينتقيها طفلُك الغِرُّ -الذي هو أنت- أنت الساذج المأخوذُ بالكشكُولِ!
***
هو ذا الصديق.. رأيتُهُ:
-ما بين منزلتَينِ؛
منزلةِ الحبيبةِ والعَدُوِّ..
منزلةِ السقُوط من الحقيقة،
والمَجاز إلى العُلُوِّ..
أراهُ دومًا، هكذا..
متأرجحٌ في الجسرِ..
لا موجةُ التذكار تجرفهُ، في ما تجُرُّ، إلى فضاء الواضح اليوميّ
لا المستودعاتُ الجانبِية تجتبيهِ إلى ضرورات التعوُّد والسلُوِّ…
صدًى يرنُّ.. هو الصديقُ.. على مَدار الوقتِ..
لا ينأى فيُنسَى أو يُواريه الغِيابُ..
يرفُّ، يستخفي، يُهلّ، يطلّ، يطفح، ينجلي، يدنو..
يَسيحُ على عواهنهِ..
إلى أقصى المحيطِ،
وربّما يهوي إلى القاع السحيق..
لكي يُعاود مرةً أخرى مواصلة الطفُوّ
الأصدقاءُ هناك دومًا أو هنا..
ربَما أزُورهمُ، بلا نظَر..
ويحدث أن يزوروني بلا أثَر..
ولا خبَرٍ..
سلامٌ.. نحنُ حتى تغرُب الآفاقُ..
قد
تتضارع الأنساقُ،
أو تتصارعُ الأعماقُ..
ما بين التردّد والتمدّد والعُتُوِّ
وكما الكواكب..
في المسافة والمساحة والترائي والتنائي والتنافر والدنُوِّ
*
ما الصدقُ؟ ما الأصدقاءُ؟ وما الصداقةُ؟
ماهيَات؟ كائنات؟
أم مجرّد مفردات؟
كيف تخدعنا اللُّغةْ؟
هذي الحياة لسانُها هُو حانُها..
نروَى ونسكر فيه..
لكنّ القنانيَ فارغةْ!
*
هُوَ ذا الصديق إذن؛
ثباتُ المعرفةْ..
حجَر من الوادي.. يمُرّ الماءُ والأسماءُ..
وهو هناك باقٍ لا يَريمُ..
ولا يُغيّر قصّة التكوينِ.. يُمْليها له الوهمُ الكليمُ:
“أنا هنا، وَحدي العليمُ،
أنا المُقيمُ..
لا قبْلَ لي، لا بعدَ لي.. وأنا الحديث، أنا المعاصر والقديمُ…
هُنا.. وكل رواية أخرى: ملفّقة الحواشي، زائفةْ
أنا قبلَ هذا النهر.. قبل الغيمِ، قبل العاصفةْ،
وأنا أبو التاريخ، في هذا المدَى، وأبو اللّيالي النازفةْ
أبُ ذلك الباب المُوَشَّم مثل وجهٍ بالندوبِ،
أبُ صخرةِ المبنَى، وتُربتِهِ اللّعُوبِ،
أبو المسامع، والقلوبِ..
أرى وأدري كلّ شيءٍ:
سيرةَ الشجَراتِ؛
من هرمَت، من اختُرمت، وتلك الواقفةْ
وأعرف ما يصير وما مضى..
بالهجسِ، أو بالحدس، أو بالعاطفةْ”
هذا هو المصدوق في جُلّ الحكاية؛
ناطقٌ بِاسْمِ الكبيرةِ والصغيرِ، وسارقٌ صوتَ الحقيقةِ والمصيرِ، وكاتبٌ سطر البدايةِ، والنهاية، والأوائلِ، والأخيرِ.. وصاحبُ المخطوطة الوثقى.. على وجهِ السبيلِ..
الحرب نبلٌ،
الصداقة خدعةٌ..
وأنا المقيمُ إزاءَ كلّ نبيلِ.
ــــــــــــ
سبتمبر 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق