الرأي

تركيا في النظام الإقليمي الجديد

بقلم : أحمد شيخو.
مع اقتراب انهيار الإمبراطورية العثمانية و تفكيكها من قبل القوى المركزية في النظام العالمي حينها الإنكليز والفرنسيين، كان تركيزهم على البدء في أربعة محاور ربما هي اليوم في تجدد أيضاً ، عندها كان من البلقان، الجزيرة العربية، السليمانية في كردستان ومن الحدود العثمانية والروسية.
تكاثرث وتعددت الهدن والاتفاقيات والمعاهدات من هدنة مودروس و معاهدة أوشي لوزان و معاهدة دي بورمن ووعد بلفور و معاهدة برست ليتوفسك إلى سيفر و سايكس بيكو و القاهرة و لوزان ، و ذلك في السعي الحثيث إلى إيجاد نظام إقليمي في الشرق الأوسط و ربط المنطقة بالنظام العالمي المهيمن، وذالك مراعاةً وتحقيقاً لمصالح النظام العالمي حينها دون أخذ كلياتية و تكامل ثقافة المنطقة وتاريخها المشترك ومصالح شعوبها ودور المنطقة الريادي في الحضارة الإنسانية . بل تم خلق أزمات وقضايا وبؤر توتر لاستمرار وجود تناقضات وحروب دائمة في المنطقة على الأقل لمدة 100 عام .
وكانت الأرضية الفكرية والإيدولوجية والسياسية التي يستند إليها النظام العالمي وكذالك إمتداده الاقليمي هي التي تم التمهيد لها وتطويرها من القرن السادس عشر في أوربا، وكذالك التي أنتجت على شواطئ هولندا وإنكلترا وبعد تراكم الرأسمال وتعاظم قوة التجار والتجارة والمرابين وبحثهم عن صيغ للتوافق مع السلطة وحتى السيطرة عليها وأحتكار القوة ووسائل العنف حتى يستطيعوا السيطرة والهيمنة وتحقيق الربح الأعظمي وعدم تقاسمه مع أي كان ، هنا ظهر الأداة المناسبة والمحققة لأهدافهم وكانت ميلاد الدولة القومية التي تعتمد على النمطية والقومية الواحدة في تعدي صارغ على التنوع كسمة وخصوصية للحياة والطبيعة، تلك المولودة الجديدة (الدولة القومية) التي سيتم تصويرها فيما بعد على أنها الحل لمشاكل الناس وعلى أن هي المراد والهدف المامول الوصول إليها وتحقيقها في كل ثورة وحراك ويجب بذل الروح والغالي والدم في سبيلها وذالك لخداع الشعوب والمجتمعات وحتى الكثير من الفلاسفة والعلماء أنخدعوا بها، مثل الذين كانوا يرون أن الديمقراطية والعدل والحرية يمكن تحقيقها عن طريق الدولة القومية.
وفي منطقتنا( الشرق الاوسط وشمال أفريقيا) ولخلق نظام أقليمي تابع لنظام الهيمنة العالمية ويخدم أستراتيجياتهم ويكون أمتداد لهم تم تقسيم المنطقة من منطق (فرق_ تسد) وخلق قضايا لإبقاء التوتر ، حيث تم زيادة عدد الدول القومية بشكل كبير مثل 22 دولة عربية وغيرهم وكذالك تمكين البعض من الحكم في دول المنطقة من التيارات القوموية والإسلاموية كخدمة لأهدافهم، وتم إيجاد تركيا بحدودها الحالية وكذالك تم تهيئة تهيئة الأمبراطورية الإيرانية حينها و قبلها إيجاد باكستان وافغانستان هذا بلإضافة إلى وضع الهند وباكستان و وتقسيم كشمير. و تقسيم كردستان( موطن الشعب الكردي التاريخي منذ 12000 ق. م )بين أربعة دول(تركيا ، العراق ، إيران، سوريا) وجعل القضية الكردية بدون حل ولو دولة قومية كردية تابعة لهم وذالك لأبقاء القضية الكردية وسيلة للتحكم بالمنطقة وللدول الأربعة ومن خلال الدول الأربعة بالمنطقة وكذالك لحماية العراق المتشكل ونفطها والحاميات الأنكليزية حينها في الموصل والبصرة وبغداد ، وتم كذالك خلق أطار للقضية الفلسطينية وللصراع العربي_ الأسرائيلي ضمن حدود مرسومة ومعلومة ومحددة من قبل الهيمنة الفكرية اليهودية وهو إستمرار الصراع بالشكل الذي كان فيه حوالي 70 سنة .
وهكذا بدأ تشكل ملامح النظام الأقليمي في المنطقة وصولاً إلى النصف الثاني من القرن العشرين بوجود نواة للهيمنة الراسمالية وللنظام الأقليمي هي إسرائيل ، ووجود تركيا كدولة قومية أقليمية لها ثلاثة وظائف هي تشكيل سد ومانع أمام الأتحاد السوفيتي وتمدده بالإضافة إلى تقسيم المسلمين وضرب وحدة الإسلام وقيمه من الداخل وتشويهه وكذالك ضرب تقاليد التحالفات الديمقراطية. والوظيفة الثالثة لتركيا وسلطاتها هي أعطائهم دور إبادة الشعب الكردي والتنكيل به وقتله وتهجيره بسبب وجود القسم الأكبر من الكرد ضمن الجغرافية التركية المستحدثة لدور وظيفي يخدم النظام العالمي.
وبعد إنهيار الأتحاد السوفيتي وأنضمام روسيا كعضو مروض وأليف وجديد ضمن النظام العالمي المهيمن ومزاوجة الصين الشيوعية مع النظام الرأسمالي في تركيب خاص بها ، وكذالك مع حرب الخليج الثانية ووصولاً إلى إسقاط صدام حسين تم التأكد وملاحظة أن البنية الفكرية والأيدولوجية والسياسية للنظام الاقليمي المستند إلى الدولة القومية والفكر القومي والشوفيني لم تعد تفي بالغرض وكذالك تموضع الدول القومية وموقع تركيا وإيران وتملكهم الرغبة في الهيمنة الاقليمية وكذالك القضايا والأزمات التي تظهر ورغبة المجتمعات والشعوب وسعيهم لطرح بدائل مجتمعية عن النظم المفروضة ، تؤكد أن التغير في الأقليم ونظامه لابد منه ولكن كيف؟
ماحصل في 10 سنوات الأخيرة وماحصل في المنطقة ودولها ومع شعبها وخاصة في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال وتونس والجزائر و مصر وتصاعد دور تركيا ومعها التنظيمات الأرهابية من الأخوان وداعش والقاعدة والجيش الوطني السوري(الذي شكلته المخابرات التركية كمرتزقة وجنود للطلب والحرب ) وكذالك إسقاط حكم الأخوان في مصر و مشروع الشام الجديد إلى أتفاقية إبراهيم( أبراهام) ربما إلى تشكيل الناتو العربي وغيره من التحالفات والكتل الأقليمية وكذالك الاصطفافات المختلفة، إنما يجعلنا نبحث ونفكر في القوى الأقليمية المهيمنة الجديدة وكذالك في مصير تركيا وإيران كدولة قومية يقترب نهايتهم ونهاية أدوارهم الوظيفية للذهاب إلى خلق أعداء جدد كما كان الأتحاد السوفيتي.والقاعدة وداعش و ربما تكون تركيا كدولة وأردوغانها وحزبه العدالة والتنمية هو العدو الجديد الذي يتم تجهيزه ، للذهاب الوضع الأقليمي الجديد. والسماح لتركيا بالتوسع وغض النظر عن أنشطتها العدوانية تجاه المنطقة وشعوبها ودولها وسياساتها التوسعية والمهددة للإستقرار والامن والسلم العالمي لإيصال تركيا ألى لعب دور العدو الجديد للمنطقة والعالم وتهيئة الأرضية والجو للانقضاض عليها وتقسيمها حيث أدوار السابقة لم تعد تتأقلم مع الشرق الأوسط الأبراهيمي الجديد، هذا الشرق الذي هو أستمرار للمصالح وأهمية الطاقة والغاز والتكنولوجيا في تجاوز للمفاهيم والديانات والخلافات السابقة ضمن أطر و قوى اقليمية مهيمنة جديدة ربما تكون أحد الدول العربية بالإضافة إلى إسرائيل هم القوى الجديدة وليست تركيا أو إيران التي بدأ زمنهم بالانقضاء .
لكن لن يتحقق الأستقرار إذا تم أختزال القضايا والأزمات العربية في هيئة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حيث أن المجتمعات العربية يعاني أزمات وقضايا هي في الأساس نابعة من تقسيمهم إلى 22 دولة وتقطيع أوصالهم وإضعافهم.
من الممكن أن يكون الحل البديل والمجتمعي للنظام الإقليمي المفروضة أو في حالة تواجد الأثنين في ظل اعترافات دستورية تضمن حرية الشعوب والمجتمعات في ادارة أنفسهم هو الشرق الأوسط الديمقراطي كحل لمجمل القضايا العالقة هذا الحل الذي يقبل الجميع بغض النظر عن القومية والدين والمذهب ويحقق الأعترافات المتبادلة والذي يبنى بذهنية مشتركة وبسواعد وفكر أبنائه ويحقق العيش المشترك وأخوة الشعوب وتكامل الثقافة عند التخلص من تبعيته لنظام الهيمنة العالمي الليبرالي وليس الانقطاع عن الآخرين كون الحياة والكون وطاقاتها هي في تأثير وتبادل وتكامل كلي منذ الأزل وحتى الأن ، وتبقى القضية الكردية وحلها أحد أهم أسباب تحقيق الاستقرار في المنطقة كونها كانت أداة للتحكم باربعة دول مع عدم إعطائهم اية حقوق على أرضهم التاريخية عند تشكيل النظام الأقليمي في القرن العشرين وكذلك مع تعاظم قوة الكرد وتنظيماته وأهميتهم بالنسبة لأي نظام اقليمي جديد وإمتلاك أغلبهم للشخصية والنفسية والطرح الديمقراطي والحلول لقضاياهم وقضايا المجتمعات بشكل عام ضمن بنى ونظم ديمقراطية تحقق الأمن والاستقرار والديمقراطية والعدلة والرخاء للمنطقة مثل أتحاد الأمم الديمقراطية والشرق الأوسط الديمقراطي وكونفدرالية الشرق الأوسط الديمقراطي والعصرانية الديمقراطية كبدائل مجتمعية عن النظام العالمي المهيمن وأدواة نهبه وتحكمه وسيطرته .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق