شؤون ثقافية

/ أغنية زرقاء، لأشجار ماريانا/

/ أغنية زرقاء، لأشجار ماريانا/
 
صعب
كتابة الشعر،في وقت بات كل شيء،
أكبر من الكلام.
كيف أترجم كل الحرب إلى الكلام
كيف أحصر كل ملامح ماريانا،بكل حدائقها،بكل فصولها
لمعة الضوء في عينيها الغامقتين،
كل أسراب السنونو
في قصيدة.؟
الدمار في البلاد
الخوف في العباد
مدن الجوع و الأرامل
كيف أحصرها جميعا في قصيدة.؟
ماريانا،التي تشبه حقول القمح،
أي شاعر في الكون،
يقدر أن يسجن كل حقول الحنطة،كل السنابل،كل الهواء،كل الصباحات،
في قصيدة.؟
ماريانا،التي تشبه
كل مدن الخراب في حزنها،
تشبه كل القرى التي تأوى باكرا إلى الفراش،
بلا خبز ،و بلا كهرباء.
أي فنان،
يقدر رسم غبار الإسمنت
على شفاه ماريانا.
يرسم مواسم الجفاف،و ذبول الأزهار خلف المنازل و على أطراف الدروب.؟
أي رسام،قادر
على رسم أوراق الخريف الهاطل
في عيني ماريانا.؟
أنا لم أعش الحرب،
و لكن كل رصاصة مرت بجوار رأسي.
لم أغرق يوما
و لكني كنت في كل قارب مطاطي
مع الهاربين بأرواحهم في البحر.
لم أنم ليلة في العراء
و لكني كنت أتقاسم بطانية الهواء مع النائمين في المخيمات
كل ليلة.
يا معشر القراء
الشعر ترف.
أعترف بمحض رغبتي
بأن الشعر ترف.
و الشعراء ،كائنات عاطلة عن الحياة،
يحلمون بغد جميل واهم.
الشعر ترف
لا توجد قصيدة في الكون
تساوي رغيف خبز
في يد جائع.
أو تعادل زوج جوارب،تدفء قدم طفل.
لا توجد قصيدة في كل الكون
تشبه الإبتسامة
على شفتي، ماريانا.
لا توجد قصيدة،
تعادل جمال رفرفة جناح فراشة في الهواء.
تعادل لحظة خوف
في بئر يوسف
الشعر ترف.
و الشعراء العاطلين عن الحياة
الغارقين في الحلم الخفيف.
ما جئت هنا
لألقي موعظة
جئت هاربا من جمر يأكلني
هاربا من أطنان الحجارة على أكتاف روحي
شفيعي البوح البريء.
” في بحر العشق ذبت كالملح، لم يبق كفر و لا إيمان.. شك و لا يقين.. يشع في قلبي كوكب تختبىء في السبع سماوات”
في صمت الليل
ألعق الثقوب في جسد روحي
كالذئب الجريح.
لا شيء أجمل،
لا شيء أكثر بهاءا،
أن تكون مع حزنك وجها لوجه
بين جدران أربعة،
تحاصره
و يحاصرك.
تعانقه،و يعانقك.
تسليه،و يسليك.
خلف البحر البعيد،خلف الشواطىء،خلف أجنحة الطيور
خلف السهول الفسيحة
هناك،”عرب شاه”،
مزروعة كالوتد في التراب.
من يوصل صرختي إليها في منتصف الليل.؟
من يوصل قلب ” شوبان”
في جرّة الصلصال إلى فجرها المنهار.؟
هناك،
حيث تركت طفولتي في قعر نهرها
سمكة بعينين كبيرتين.؟
في الطعنة الثانية عشرة بعد منتصف الليل،
أدسّ كل فصول الخريف في جيوب سروالي.
أملأ جيوب معطفي بكل الأوراق الصفراء،و السنونو الميتة.
و ألعق موضع الوجع في روحي
كالذئب الجريح.
ماريانا،
لا تقتلي العصافير في دمي المسافر
لا تقتلي الحصان السعيد في البراري.
ماريانا،كانت وشاح الحرير على راحتي
أغنيتي المفضلة،
في الزمن الرخيص.
ألماستي النقية في صندوق الخرز.
قبل الحرب
إختبأت مع ماريانا في الحقل الأخضر
رفعت ثوبها،و شممت ثديها النابت
كالكمأ.
كنا نظن مثل كلكامش
بأنه لا موت في هذه الحياة
و بأننا نملك الخلود و الأبدية.
كنا نظن،
لا مرض،لا ضغط الدم ،لا ضيق في التنفس
لا وجع للعظام.
كنا نركض في الحقل،
على جدائلها ألف فراشة
و في رئتي ألف قمر.
و بعد الحرب
صارت ماريانا
تخبء قصائدي مع فوارغ الرصاص،و قطع الخبز اليابس،و غرقى بحر مرمرة في ثقوب الجدران.
يا أبي،
ألوذ بك كلما ضاقت بي البلاد
ضاقت بي الدنيا.
ألوذ بدفئك،يحميني برد هذا الكون.
يا أبي،
لو كان العشق رجلا لقتلته.
يا أبي
أغرق في لجّ العشق و لا شاطىء في
المدى.
يا أبي
ماريانا،
نصل خنجر رهيف،يسافر في دمي
جمرة،تسكن السرّة
لا تنطفئ.
يا أبي
ماريانا،موت أتمناه أن ينتهي
و أن لا ينتهي.
يا أبي
أي حجيم دلّني إليه الله.؟
مرة،
كانت ماريانا،
نائمة على ذراعي كطائر كناري،
خصلات شعرها توزع نوتات الموسيقى على المكان
و أنا،
كنت أسيل على قسمات وجهها
كوتر كمان.
مرة،كانت ماريانا نائمة على ذراعي كحقل قمح
و أنا كنت،ألمم أشلاء جسدي
في البلاد.
مرة،كانت ماريانا نائمة على ذروة قلبي،
و قلبي يرفرف كعصفور تهاوى في الفخاخ.
يا أبي
كل شيء أكبر من الكلام
و ليس لديّ شيء
سوى جرح،
ألعقه كالذئب في منتصف الليل
و ليس لدي
سوى أغنية زرقاء
لأشجار ماريانا العاليات.!!
عثمان حمو
.14.09.20

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق