الرأي

اللامركزية الديمقراطية “ مزيد من التوضيح ”

رياض درار

اللامركزية الديمقراطية نظام يكون فيه الشعب مصدر السلطات فعلاً، ويتحقق حكم الشعب عبر تفويض ممثلي المناطق المنتخبين لإدارة موسعة للسلطات المحلية، وتمثيل للمسؤوليات يضمن تقليل نسبة الفساد الإداري، وتوسعة للنظام الرقابي، مع القدرة على المحاسبة لمن يخرج عن إرادة الناخبين المحليين، بمعنى حضور “الرقابة المباشرة”. وفي مصطلح أعم؛ الديمقراطية التشاركية وهي مستوى ممارسة الديمقراطية والمتابعة والرقابة ما دون مستوى الديمقراطية التمثيلية، حيث يصعب على الجمهور على مستوى الوطن محاسبة ممثليهم المنتخبين “للبرلمان العمومي”، وإنما الناخب المباشر يمكنه حصر الاخلال والقصور ويمكنه اتخاذ الإجراءات المناسبة عبر “البرلمان المحلي” للحد من هذا الاخلال.

ومفهوم اللامركزية الديمقراطية هو أوسع من إدارات محلية التي صدر على أساسها القانون 107.

تقوم اللامركزية الديمقراطية على أساس الإدارات الذاتية وهي نظام حوكمة إداري وتنظيمي تتوزع السلطات فيها مع المركز وتستطيع صنع القرار في جميع أنحاء المنطقة التي تديرها وفي هذه الحالة يمكن تطبيق أهداف المرسوم 107 بعد تعديله ليكون تمثيلياً عادلاً لا تحكم فيه من قبل مسؤول غير منتخب ولا من سلطة خارج الإدارة الذاتية المحددة.

إن مشكلة التطبيق اللامركزي تعرقله الرؤية الشمولية للدولة الشمولية السائدة ولنظام الحزب الواحد (البعث أو الإخوان المسلمين مثلاً) الذي يجعل التحكم للهوية القومية (العربية مثلاً) أو الهوية الطائفية (السنة مثلاً) على حساب البرامج والتعددية الحزبية. لذلك؛ التأكيد على الصفة الديمقراطية لمفهوم اللامركزية من خلال الإدارات الذاتية يعني التعدد والتنوع والمشاركة للجميع، حين يكون صوت الفرد مؤثراً ويحمل قيمته التصويتية؛ لأنه يستطيع التعبير عن حقه، والمحاسبة بعد المطالبة بحقوقه.

الديمقراطية تعني نزع صفة القومية الواحدة عن اسم البلد الذي هو سوريا متعددة المكونات، وعدم ذكر صفة دينية للمسؤول (دين رئيس الجمهورية) الذي يجب أن يتم اختياره كمواطن وليس كانتماء مخصوص. وبهذا؛ نخرج من نظام العلاقات الدينية والمحسوبيات الطائفية والإثنية، إلى دولة الشعب السوري، والشعب هنا صفة سياسية لا إثنية كما ترد في التطور الاجتماعي (الأسر والأفخاذ والبطون فالقبائل فالشعوب) فهذه لا يعتد بها في السياسة؛ لأنها ستعود بنا إلى احتكار السلطة ومحاربة الآخرين على أساس الانتماء والهوية.

المضمون الديمقراطي يعني أن الصراع والتنافس هو بين الأحزاب ومن خلال البرامج التي تعتمد على تأكيد حقوق الإنسان، وعلى دولة القانون، وعلى الفصل بين السلطات، وعلى تداول السلطة، وعلى تمكين المجتمع المدني الذي تتنافس من خلاله المشاريع من أجل مزيد من الخدمات خارج تدخل الدولة وبإشرافها كميسر للخدمات يرتكز عملها على التنسيق والتوحيد بين جميع الإدارات، وتكمن علاقتها بالشأن العام والخدمات والدفاع والعلاقات الدبلوماسية مع الدول والمشاريع الكبرى التي لا تستطيع عليها المؤسسات الصغيرة، ومن خلال المجتمع المدني يمكن أن تتحول الأوقاف إلى نشاط مدني يساهم في فتح الجامعات وإقامة المعاهد العلمية (كما هو عهد الأوقاف قبل أن تستولي عليها الدولة المعاصرة وهو حال المعاهد والجامعات الكبرى في العالم اليوم “جامعة هارفارد مؤسسة وقفية مثلاً”)، فالدولة خدمات وليست أيديولوجيا ولا دين.

البعض يتمسك بمصطلح اللامركزية الإدارية وهو مجال تحكم الدولة عبر وزير مختص بمسارات وحركة المحليات، ويستطيع إلغاء أي قرار لها بشطبة قلم، وفي حال الخلاف؛ فإن مرجعية التحاكم إلى محاكم إدارية لا تحقق استقلالاً للمحليات وتبقى في جدل مستمر بحسب عناصر القوة بين الوزير ونواب الشعب، بينما اللامركزية الديمقراطية هي صفة دستورية تأخذ قوتها من الدستور، والاحتكام فيها إلى محكمة دستورية يمكنها الفصل بأقوى قرارات تمنع التحكم والتغول في حركة المحليات من أي طرف في الدولة.
نظام اللامركزية الديمقراطية يحقق مفهوم المواطنة المتساوية، فالمواطنة حريات فردية كلما اتسعت كانت المواطنة أكثر ثباتاً. ومفهوم المواطنة لا يتحقق إلا بتشكل الأمة وليس قبلها، وحيث يتمكن الفرد من التعبير عن حقوقه دون مرجعيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق