شؤون ثقافية

مراوغة السيمياء : قراءة في كتابة قراءة

مراوغة السيمياء : قراءة في كتابة قراءة
 
وسيم بنيان
 
 
بروتينات معرفية:
 
إن تفعيل مناهج أو نظريات أو سرديات غير أدبية ليست إلّا محاولة لعرقلة عملية التطور في بنية “القصة الجديدة” لإخضاعها لمبدأ “الجوقة” أو لغرض نفيها واستحالتها وتقويضها. كريم ناصر
 
يدور الكتاب برمته حول قراءة حاذقة أنجزها صاحب الفقرة الاستهلالية كريم ناصر لمجموعة قصصية حاذقة بدورها كتبها القاص عبد الله طاهر وسمها بـ ( أفلاطوني كامبردج “سيميولجيا المراوغة”) (1) والعنوان الأصلي هو عنوان مجموعة طاهر نفسه، وقد صدرت عن (الدراويش) بغلاف أنيق.
أول ما يجمله القارئ المتخصص في هذه الدراسة؛ لأي تفصيل من تفصيلات النص المتشعبة والمتعاقبة سطراً بعد آخر في ثنايا المتن؛ بمهارة هو: أننا لا نرى صيرورة تضاهي “صيرورة القاص” لا سيما في معالجة قضايا التأويل في بيئته…
وجل ما يطمح اليه: صياغة “رؤية نقدية” شاملة لتساعده مع أيّ متصفح متابع على اجتلاب”الرؤى الدلالية”، وما يصعب اكتشافه من منظوره الخاص…
ولا يخفى على ألبّاء المطالعة والمتمرسين في الأدب منهم أنّ (التبيئة) أخذت بخناق القصاص والكتاب وأغرقتهم في جبها، لتحجر على فنارات تطلعاتهم، وتقصرها على المحلي والقومي والزائل والزبد، كونها أفقاً خانقاً لا يتراءى منه سوى المشاع، وقد ثبت زيف هذا المنهج العقيم بالبرهان لكلّ متأمل، ولأنّ كاتب القراءة، تيمة التحليل، واع لهذا المنحى المتهافت في العمق الطافح فوق السطح، يشير من خلف المتراكم والمعطوب إلى ما يلي: وقد دحض المنطق الكثير من النظريات التي تشير غالباً إلى صبغة المحلية وجماليات المكان المفتعلة وارتباطها بالبيئات المستهلكة…
ومن دون أن يخفى عليه ما قد يساء فهمه من هذا التصريح يبرز ما يدفع أيّ التباس:
مع أنّ لجماليات المكان في “المنظور الأدبي” شروطها المعروفة، ومن باب التمثيل يذكر: أنّ تحويل المحلي إلى عالمي في أدب ماركيزيظل فعلاً استثنائياً بحتاً يرجع إلى قدرة الكاتب الخارقة…
هكذا يتحرّى الشاعر الأيونات المندسة في كلّ سطر نحته القاص من دون أيّ ترهّل وصفي، أو مجانية تعبيرية للغة وللهيكل التأويلي الذي شيدته ظلال معانيه، ومن القصة الأولى (مفكك الرسائل القابالية) (2)
نلاحظ أننا: لو دققنا بالمعنى الحرفي الأدبي في تفاصيل بعض وقائعها البارزة لاكتشفنا “فرقاً دلاليا” “يجسم جغرافية القص” ويحتم عليها إتيان شخوص معرفيين يضطلعون بأدوار فاعلة ضمن بنية فاعلة أيضاً تضع الأسلوبية موضوعاً لها،شريطة ألّا “تعدو متشابهة” في خطوطها العريضة…
ويلفت كذلك لما يصعب تحصيله منها، إذا ما كانت الذائقة قد أدمنت السطحي والمستهلك الواضح المعالم عبر تسجيله: لا توجد معطيات محدّدة تشير إلى”الوصف المحض” في تلابيب هذه القصة لتنتهجه وتجعله موضوعاً أساسياً لها…
لأنّ الناقد يرى أنّ للسارد غاية فنية جمالية يسعى حثيثاً إلى إحكام صورها، وما يصبو إليه خلالها أن: يشيع أسلوباً استهلالياً يرمي من ورائه إلى الإقرار في فك الارتباط “بالبنى النمطية” التي لا قيمة لها في مقابل “تنمية أشكال شديدة الصرامة “تخترق “صيرورة التقليد” لتفرض علينا ” قراءة مطلقة” في نطاق جمالي أو معرفي…
وعن “زمنية الخيال” فيها يسجّل أنها: لا تخضع للحوافز بالمعنى الشكلي، فالخيال الواسع فيها هو ما يضع دوماً صور الأحداث في حدود منيعة، ويلخصها في “نظام جمالي” بغية تصوير ظواهر معرفية أو فلسفية أو كونية…
وما يتصيّده كذلك أننا: قد نجد فيها نزوعاً ضمنياً إلى التصوير الخارق، والتعبير عنه ضمن ما يعرف بالخيال العلمي أو السحري أو الفكري…
ويرى أيضاً أنّ أولوية الكاتب في هذا النص: “تقريب القراء” من “وعي بورخيس” وللإمساك بثقافته المعرفية…
وعن سبب الغوص في هذه القصة يكشف لنا: معيار قيمتها الفريدة وصرامتها اللغوية…
من ثم يقدّم لنا شهد رحيقها خاتماً: تدعو القصة إلى “شركة معرفية” لتفكيك وحدات القص فيها للحفاظ على تماسك مضمونها وانفتاحه، ولتجسيد معياريتها وشيوعها على أساس أنّ القارئ كاتب ضمني، والكاتب سارد ضمناً…
 
وليمة من لحم الورق:
 
نال اكتشافي المتأخر أي فكرة حيازة الأولين لأعمالنا وأخبارنا حيزاً في كلامنا ـ القاص ـ
 
هذه إحدى اهتمامات القاص الأساسية لمراوحة الأفكار والرؤى بين الماضي والحاضر، وفكرة معرفة الراحلين من الأدباء والشعراء والعلماء والكتاب، كلّ نتاجات زملائهم الأحياء تكاد أن تكون استعادة معاكسة لـ (رسالة الغفران) فبدل أن يصعد المعري إليهم ليطالع أحوالهم، ينزل بورخيس مثلاً هنا ليتابع أخبار الحداثة.
وبين الذين (صعدوا إلى السماء) و (الذين نزلوا منها) تتعاقب الأطوار الفلكية والطبيعية والحيوانية والبشرية على صفحة التاريخ، وخرائط الجغرافيا، وبين العلم والأدب والرحلات تتراصف مخطوطات نادرة وبارعة في المتاحف والكليات، وتتوالى مطبوعات جديدة تكتب عن كل ما هو قديم، مثلما كانت المطبوعات القديمة قد جسّدت أحلامها وتطلعاتها عن مستقبل الكوكب منذ قرون، وبين اليوتيوستوبيا (3) وبين المقصي والمبعد والمهمش يندس القاص بكامل عدته التأملية، واكسسواراته المعرفية، فيتابعه الناقد من واد لكهف، ومن مغارة إلى جبل، كرحالة حديث يرحل مسافراً للبحث عن (ابن بطوطة) وقد جهّز نفسه بالتلسكوبات والنواظير، وتأبط كتب الخواجة نصير الدين الطوسي وخرائط البيروني، واتّقن حفظ الاتجاهات بلا بوصلة.
 
هكذا إذاً تتداخل العوالم في أفق القاص فيخضع تقلباتها وتناقضاتها إلى خلطة دوائية نادرة تصلح ترياقاً في مكافحة الرديء والمتعجل والسطحي.
وكما يقرن الجاحظ بباتاي في خلال (الارتباك والنقص) يقرن بين سقراط وبلانشو عبر (الحضور والغياب) وبمثل هذه اللمسات الجمالية والأفكار الارتجالية يغرز الناقد خطواته في (مصنع الورق) و (مكينة الحبر) فتراه يلفت نظرك إلى أن: (التمثل والمفاجأة عنصران يخلقان فضاء الفراغ الستاتيكي)..
وعندما تكون أحد المدعويين لهذه الوليمة ستصادف كلّ من دعي إليها من غابر التاريخ وحاضره، وقد يمدّ إليك فجأة طبقاً عن (صناعة الأدب) أعدّ بحساء القاص حفيد أبي عثمان، فتحتسي متذوقاً طعمه الآتي:
ففي البداية رغبت في صناعة مجموعة قصصية مستخلصة من كتب الجاحظ تشبه في وحدة موضوعها مجموعته القصصية “البخلاء” لا لشيء سوى الولوج في فلكه، وقرن إسمي بأسمه متبعاً تقنية “الريمكس” في موضة القصة الفرنسية الحديثة…
وقد تسأل مدعواً آخر عمّا يرغب في تناوله فيسكب لك من قصعة القاص:
مكثت فيما بعد حائراً بين اختيار قصة (إمرأة تحب أكل الجراد) و (ليس في الأرض أملح مني) وفي الأخير تخيلت إسمي مقروناً بأسم الجاحظ على غلاف كتاب واحد وهو أقصى ما سعيت من أجله كذروة المحاكاة التهكمية الخلّاقة في الأدب…
وحينما تتزاحم حولك الأطباق والأصناف وتشعر بالدوار والحيرة إزاء الكم الهائل من الإشارات تربت على كتفك يد الناقد شارحة بلطف:
لكلّ رمز مغزى دلالي، إستنتاج يجعل القارئ كاتباً يبحث عن المغزى في صلب الحدث الذي يحيل على فكرة ذهنية تتطلّب وعياً باللغة، لإدراكنا أنّ المتخيّل الذهني يصبح حينئذ الفعل الوحيد الذي يمكن أن يفكّ رموز الشفرة”…
وما أن تجلس سعيداً بذلك الطبق النقدي اللذيذ حتى تباغت بالقاص في (الكواريوم) وقد جمع فاليري وكافكا المتباينين في كلّ شيء على طاولته، وإذ تلتفت نحو الناقد مستنجداً به، يطمئنك مجدداً: بهذا الشكل يهيمن الأسلوب السحري على التعبير الانفعالي.
من ثم يشير لك أن تستمع لما يهمس به القاص مع ضيفيه، فتسمع:
بهذا النفس القصير والمتقطع ينفخ بلانشو أخيرا كعادته بسحر كلماته في بنية أجسام الأفكار الهشة فتتحوّل وبلمح البصر إلى رميم غير قادر على إعادة ذاته إلّا بالسحر نفسه…
وتواصل جولتك بين المدعوين من كلّ أطوار التاريخ، قد تسمع أحدهم يشير إلى المعادلة التي استنبطها الناقد من القاص وصاغها كمعادلة ملفتة:
لننظر إلى هذه الثنائية:
سقراط = [تواري الأصل لا لشيء سوى التلذّذ]
بلانشو= [ممتنع عن الظهور كي لا تنتزع من كتابته سلطتها القانونية]
وعلى يمينك تجد جمعاً غفيراً من المدعوين يتحلّق حول القاص وهو يحدثهم: سمعت في المنام (ابن ثوابة) يقول: أول من أفسد الكلام أبو الفضل، لأنه تخيّل مذهب الجاحظ وظنّ أنه إن تبعه لحقه…
ويضيف بعد صمت قليل:
عندما استيقظت من النوم وجدت نفسي جالساً بمفردي في ركن منعزل في مكتبة جامعة أوترخت (4) قسم الدراسات الشرقية، والشمس الحمراء من وراء زجاج النافذة تشرف على المغيب في نهاية يوم من أيام أوغسطس، أدركت في الحال، ولتطيري المستديم من تفاسير الأحلام خطورة مغزى شفرة (ابن ثوابة)…
فيقودك الفضول لأن تندس بين الجمع لتسمع مثلهم كلّ شيء بوضوح عندها يضيف القاص:
شرعت أراجع (بعد انتهاء الأحداث في هذه القصة) ذهني في أصول حكاية قول الجاحظ فاهتديت إلى أنه ربما حفظ هذا من وريقة ترويجية وهو يحضر أحد مزادات الكتب النادرة وحصل على نسخة قديمة من ملفوفات “حماسه” وهي تعرض بصندوق زجاجي صغير في مزاد كريستيس بلندن/ فآثرت ألّا ننأى إلى أمور لا تثير اهتمامي فاستعدت فكرة تأليفي لذلك الكتاب القصصي الذي زعمت صناعته وعلاقة جنس النساء فيه بعلوم اللغة…
 
يشتد نهمك أكثر وتحاول أن تلتهم كلّ شيء بواسطة حواسك جميعاً، وقد يخطر لك قول فيروز: ( بالآخر في آخر) فتشكك في أن تكون لهذا المفهوم الفيروزي صدقية ما في هذا العشاء الذي ليس هو الأخير البتة، ولن يكون، فيظهر أمامك شبح القاص أو لعله هو ولكن الأجواء الغرائبية موهت عليك، ليخبرك بملاحظة:
يقول أودامس في الشذرة السادسة على لسان أسير من أسرى الملك ميداس: “خير الأشياء طراً ألّا نولد، والموت خير من الحياة…
وردت في ذهني فكرة هذا القول عندما توقّف الجاحظ عن الكلام والنطق بصورة تامة ومفاجئة من وراء الستارة بعد أن استأذن وهو ينطق آخر كلماته على هذه الصيغة: أما وقد أدمنت الموت لإثني عشر قرناً وأمسيت عبداً له…
فقد أدرك الجاحظ ما لم أدركه أنا، حلول نهاية الرحلة في الحلم فاستعاد روحه قبل أن يسلبها منه الواقع…
ويتركك مرتبكاً ويمضي ولما تشيعه بنظرك يتوارى رويداً رويداً مثل سراب تلتفت لجهة أخرى فتراه جالساً في مكتبة مكتظة يتبادل الحديث مع بعض روادها، فتندفع نحوهم لتفاجئ بما عرضه شبح القاص، عاد القاص بشحمه ولحمه لعرضه حين يقول:
وكانت ملامح محيا الجاحظ وهو يتمدّد على السرير في هذه اللحظة تماماً كما تخلقتها في مخيلتي وأنا أقرأ كتبه منذ مئات السنين، كان يلف رأسه بعمامة من قماش أبيض ولحيته بيضاء دائرية متكتلة في لفيفات كروية صغيرة، بينما كانت عيناه كلقبه، كبيرة خرجت مقلتها بارزة ومفتوحة، ولكنها هذه المرة بلا بؤبؤ مثل تماثيل المرمر، وبحافز “المدلول الإدراكي” الغامض للموت على ما يبدو مددت يدي إليهما وأطبقتهما بأصابعي فانسدلت الرموش طيعة ورخوة وأغلقت تماماً مثل رموش الدمية باربي…
ولأنني من المشتغلين باختلاق الأقاصيص وتركيبها، فقد اكتشفت أن هذه القوانين الثلاثة (أي: المدار غير الدائري تماماً، وعدم الجريان بسرعة ثابتة، والزمن المستغرق لإتمام الدوران) هي القوانين ذاتها التي تتحكّم في هندسة صناعة أية (قصة) يقوم بتشيدها القصاصون، ولمّا كان لا وجود لأنموذج قصصي مكتوب تقاس عليه مثالية نجاح قصة ما، فقد وجدت في قصة نشوء الكون وأنساقه مثالاً تجريبياً أنموذجياً فائق المثالية لهذا الافتراض القصصي الذي أنشد الآن العثور على برهان له من جوهر هذه القصة…
فالقصة بعد كلّ هذه الحجوم والمسافات والسرعات الخارقة التي نقرأ عنها، لهي القالب الأكثر أنموذجية في قبول غير المعقول المندمج في المعقول، ولكن إن كان كوبرنيكوس من قبل قد اختار الشمس الذهبية مركزاً ينظر من عليها ويقص من فوقها حكاية الكواكب الدائرة من حوله فما المكان المقترح الآن بمفهوم المنظور في الرسم عند الرسامين لتسجيل نص قصصي موضوعته المركزية: (نشأة الكون وأنا الكاتب الدائر من حوله…
فقد وفّرت لي هذه التسلية الفلكية فيما بعد ليس فقط الإستشعار المثالي لمقالات كلود ليفي شتراوس التي خصّ بها تلميذه رومان ياكوبسن عن الطوطمية الأثينية لهذين الكوكبين وحسب، وإنّما أيضا الشطحات الخيالية عن الرابطة بين السحر والطالع بالنجوم إضافة إلى نزوعي للبحث عن ذلك الكتاب الخارق والمسمّى (كله سحر) الذي رآه البهائي مصادفة ببلدة هراة الأفغانية واصفاً إياه بأحسن الكتب المصنفة في هذه الفنون أي فنون السحر، واللافت أن أحرف إسم هذا الكتاب كما يخبرنا المفسرون هو عبارة عن جمع للأحرف الأولى من أسماء طريفة لخمسة علوم دخلت مضاميرها في تركيبته متمثلة في السيمياء والليمياء والهيمياء والريمياء والكيمياء…
 
عندها تشبع يا من حضرت الوليمة، التذاذاً وتخال أنك تستعيد مجموعة ادغار آلان بو و يوسناري كواباتا ومجموعة (الجدار) لسارتر، وتتجسّد كذلك أمامك بومة هدايت العمياء، وأنت ترى الزمان يتفكك بين يديك وينساب بفترات ليست نمطية ولا تعرف التتابع الروزنامي الذي عهدته تجربتك.
وربما تتمتم: أن ذلك هو منتهى الكمال، فيصّحح القاص لك قائلاً:
ما لم يكتمل شيء في تكوينه لا توجد حقيقة ثابتة في وضعه، وهذا الحال حال الصيرورة المستديمة يسري على الأشياء كلّها في الوجود، وبهذا فإن هذه القصة التي بين أيدينا والتي تستجمع بالأخير ذاتها بوصفها أحد الأشياء كلّها في الوجود مؤسسة جوهرياً ومكتوبة في الأصل، وكان من الأجدر أن تؤشر هذه الملاحظة في مستهل القصة لقراء الكتب وليس لصناعها…
 
ويطلعك كذلك الناقد على بعض أسرار الصنعة ومنها :
لكي تكون القصة دلالية يجب أن تخترق كيمياء القصة المعيارية ويكون الانزياح مرجعاً لها، وتكون إحدى شروطها أن تنزع إلى المعرفة وتسمح بالتعبير عن الجمال المطلق…
ثم تمعن النظر في المدعوين فترى غاليلو وشكسبير ونيوتن وابن رشد ومارتن لوثر كنج ورولان بارت و بطليموس، وتغرق في (حلم التواري) و (الغرام والاختفاء الأدبي)
وتمتلئ قريحتك بسؤال عميق وجوهري، لعلك لم تسمعه طوال إدمانك للمقاهي والنشرات الأدبية، وإذا بالناقد يزلزل به وجودك حينما ينزله كمطرقة فوق هامتك:
فهل تنطبق مثلاً لفظة قصة على “بنية حكائية” لا تتوفّر على “تقنيات النص”؟
أيجوز لنا أن “نسمي جزافاً “حكاية نمطية ساذجة قصة قصيرة؟
ومع هذا السؤال الاشكالي الجدلي العاصف، كنت أنت قد رفعت نظرك نحوي إن كنت تتذكر، فرأيتني أبتسم لك من مقعدي القريب من القاص القادم من بصرة الجاحظ والفراهيدي، وإحدى مدارس النحو، والناقد الذي يبدو أنه خارج من إحدى لوحات الواسطي، وقد تمرّدت على مقامات الحريري التي أهملها العالم الغربي، حينما ترجمت إلى لغته الأعجمية ونبذها، بينما استحالت أشكال الواسطي إلى علامة فارقة في ريادة علم التشكيل الشرقي، وكان ذلك كما لاحظ قارئ مغاربي حاذق (5) هو(انتقام الصورة) ولا يغيب عن ذهنك أن الناقد ابن المدينة التي أنجبت الواسطي نفسها، وهو من دعاني لهذه الوليمة، أنا القادم من بغداد ألف ليلة وليلة وأحمل دورق حبر من السندباد، ودفتراً فضي الغلاف لعلّ أبي حيان التوحيدي كان قد تركه مع بضعة كتب ألفها ونجت من مصير الاحتراق أمانة لي في بيت الحكمة، وكلي يقين أنك ستتذكرني إذا ما كنت قد نسيت الآن جيداً، وتستعيد دهشتك نفسها حينما وجدت الثلاثة القادمين من مدن شتى، كعراقنا الذي شتته الأوغاد، ثم اجتمعنا بما يبدو ظاهراً في مصادفة محضة في بلد الزهور هولندا، لا أشك في أنك ستذكر ذلك كلّه بعد أن تقرأ مقالتي هذه!
 
 
 
 
 
أكس التأويل:
 
لا يمكن أن يكون العمل الأدبي مثمراً إذا كانت الغاية منه تتلخّص حصراً في صوغ الكلام الفضفاض . المؤلف.
 
[فكرت مع نفسي وقلت: كيف ستبدو إذاً في هذه الحال، وفي مثل هذا اليوم من أيامنا كتابة قصة عن شخص أربت مؤلفاته على 360 كتاب وعاش90 عاماً عزباً، ولا يكاد منزل بالبصرة تخلو خزائنه من كتبه، وكنت أحسب دائماً وأبداً أنّ الكتابة عن الجاحظ شأنها شأن الكتابة عن جورج باتاي دوما “مرتبكة وناقصة”] فقرة من المتن في قصته الموسومة (الحالم أكس) (6) ومما يكتبه الناقد عنها:
تتضمّن عادة (القصة، الأقصوصة) خصائص لعناصر أدبية، في حين أنّ الأدب ليس منهج نظر في هذه الحالة، بل هو إحالة تاريخية وثقافية في صلبه، وهذا ما يدفع القاص/ السارد ليستعين إجمالاً بنواة من التاريخ ليجعلها قاعدة رصينة البناء قصة بسمات معرفية متنوعة…
ولكن ثمّة قيد يجب إخذه في الاعتبار هنا، فيلوح له كاتباً: غير أّنّه – أي القاص- لا يتأثر به -بالتنوع- إلّا عند الضرورة القصوى، وذلك للإحتفاظ بوحدة الموضوع…
ولتعميق المطلب أكثر يستلّ هذه الفقرة من ( تزفيطيان طودورف): [فلكي يكون العمل ناجحاً يجب على السارد ألّا يغيّر وجهة النظر طوال الحكاية، وإذا وجد تغير ما فيجب أن تسوغه مقتضيات الحبكة وبنية العمل برمته، واعتمادا على هذا المقياس نضع أعمال هنري جيمس فوق أعمال تولستوي (7)] ومن أجل المقارنة التي لا بدّ من استثارتها في مثل هذه الموارد يسجّل الناقد ببراعة:
هذا وينزع الكاتب عبد الله طاهر غالباً إلى أسلوب التجديد في الكتابة لغرض فرض بنية بديلة تكون نقطة انطلاقها الخيال، ولتدارك تداعيات القصة القصيرة بسبب تدني مستوياتها اللغوية، ولتلافي النقص في اللغة من جهة، وترجيح الأسلوبية من جهة أخرى، فالتفكير في تأليف قصة “بطابع معرفي” يعدّ حالة فريدة “لا سابقة لها” في الوصول إلى”أنماط متناقضة”مع الفكر السائد، وما موضوعة مراجعة كتاب “الحيوان” للجاحظ في هذه القصة من جهة السارد إلّا صورة لتجسيد هذه الحالة لجعلها بنية لبناء قصة نادرة…
 
الخاتمة منذ الابتداء
وعليه فلم تكن الخاتمة إلّا مستهلاً لتحتفظ بالدهشة . المؤلف .
 
لا تنتمي قصص “عبد الله طاهر” إجمالاً إلى المحلية، ولا يمكن أن نخرج بتفسير يسقطها في لحاظ التفاصيل الزمكانية، أو يدرجها ضمن نظام إيديلوجي يستقي منها نهجه، وبهذا المعنى لا يمكن تحليل “البنى الأسلوبية” من دون احترام للمنظور العلمي الذي يقتضي ضرورة الكشف عن جوهره الخلّاق انطلاقاً من معايير جمالية، لأنّ مثل هذه المعالجة القاصرة يمكن أن تقودنا إلى فهم يفضي بنا إلى قراءة نمطية تقليدية…
هذا ما نقشه الناقد من البداية، وهو يفكّك شفرة القصة الأولى، وقديماً قال بليغ النهج في نهج البلاغة: العقل يقع على العقل، وفي هذه القراءة التي أنجزها كريم ناصر يمكن أن تلمس مصداقية أدبية لتلكم المقولة العميقة، إذ أخضع الشاعر كلّ عجين المجموعة القصصية لمدمك رؤيته، وخبز دقيقها حبّة حبّة، ولم يكن العنوان الفرعي الذي اختاره المؤلف لقراءته جزافاً، بل إنه شاقول يوازن كلّ التضاريس ويضبطها في نسغ واحد، فحفلت بقاموس شبه استقصائي لكلّ ما يتعلّق بعلم (العلامات/ السيميولوجيا (8)) والمناهج التفكيكية والبنيوية إضافة إلى إشتغالات على (فن القص) المختص بالمجموعة عبر اشارات بث بعضها القاص، وأخرى عامة هندسها الشاعر ليوسع من الدلالات الفنية للمجموعة، وليعبر منها للقص بصورة عامة، وما يمكن قوله عن تلك الاشتغالات بخاصها وعامها أنها بلورت بؤرة فنية تنوعت بين الاستاتيكي و التفكيكي والتأويلي والبنيوي ومجمل معطيات علم الكتابة الحداثية، مثلما بينت الأسس لما ينبغي للقاص وللكاتب الأدبي بصيغة عامة أن يتمثّله في سفره المعرفي…
وعن الختام كتب الناقد :
وهكذا نرى أن الخاتمة ترتبط بجوهر القص لتصبح ذات دلالة.
 
 
 
 
 
انزياح:
 
إنّ مضمون القص لا يمنع من الإنزياح عن هذه التراكيب ليتجاوزها إلى آفاق مفتوحة . الشاعر المؤلف.
أنهي مقالي ولا أختمه هنا بباقة أنتقيتها من مجموعة كريم ناصر الشعرية: (لن أطوي عمري على مغزل) والصادرة كذلك عن الدراويش، كانزياح لابأس به بعد طول تفكر:
 
ليس رأسي كومة عظام او رماد حرائق،
 
ما من سندباد يشقّ القمر، ما بالك لا تألف الصورة؟
كيف أقبل أن تأكل الأفعى الأرانب؟
 
الويل للتنانين للضباع للسنانير لنجوم الوهاد.
 
علام تدلق النيران في خريف عمرك؟
 
فلتحرقك الصواعق/ يا جمرة تعاني الألم.
 
في المنخفض ثعابين وأرتال ارانب، في الحظيرة قطيع خنازير، في الواحة جثث أحصنة، وفي قلبي يزهر الحب.
 
لم يشطف المرايا/ لم يذكر حلمة أو ذكرى،
 
لقد قاء على البارجة دماً، فدب كسلحفاة .هو.
 
سأتبع أثر الغزالة لأرث غابة.
 
أكلني النمر، وكأنما الشمس لا تبزغ في الغابة، تلك كانت محنة الجسد.
 
فلن أكرم نسراً.
 
كوكبة من الخيول تقطع الظلام كلألاء القمر،
 
جاء قطيع من الغزلان من الرغوة والدم.
 
كسيل عارم يغزو حقلاً يكرع البدوي في ماء عشبة.
 
مثلما تزأر لبوة الصحراء، فترغو الديدان كزبد البحر، لكأنما صقلها الحر، لأنها لا تكاد تعي كينونتها.
 
فليس الطائر إلّا صائد حيات تناسل في نهر الفضّة.
 
كأنّ للشيطان أظفار أسد.
 
أيّها الليل يا بطن الحوت، كيف أنثر الرمال في خيال العسس؟
 
لا أرثي تنيناً يخسف ظهره عصفو ر.
 
ما الذي جعلنا نحصي الزلازل، ولا نحدّق إلى الغيوم؟
 
ستقودك الريح إلى الحكمة، هذا دليلك إلى أسكفة الباب.
 
لا أخاف من دخان يركل رفاتا.
 
أصغي إلى هسيس الجن، إصغي إلى الدم، كلّما غصت في الطين، كنت نهراً في القرن الافريقي.
 
كانت فانتازيا فاستحالت طيناً، كانت سحابة فأصبحت ريحاً كلّها عظام ريحاً تصرع النمور.
 
وهكذا ذرق العصفور ليرسم غابة لأطيافه.
 
الضوء رجل يتألم.
 
في كلّ حرب يموت نسغ في شجرة.
 
سئمت من نسر لا يطير.
 
عظام البهلوان من أصل مموث.
 
أمّا الأشرار فملأوا أعماقنا مياها.
 
أفضل الموسيقى: عزيف الرمال في المفاوز.
 
وقبل الوداع:
 
أنا
السائر بموته
وأحلامه مقابر
مذ كنت طفلاً
ما لعبت بغير رفاتي
و. ن
 
 
ـــــــــــــــــ
(1) أهدانا المؤلف مشكوراً نسخة منها
(2) راجع قراءة المؤلف للقصة في المصدر المومأ إليه آنفا، من ص7 إلى 13 وكلّ ما أوردناه من فقراته المتسلسلة من هذا الفصل، مع تقديم وتأخير وتقطيع وتغيير طفيف أحياناً لضرورات التحليل
(3) نحته من يوتيوبيا ودستوبيا
(4) مدينة هولندية
(5) المقصود هو الناقد الأدبي اللبيب عبد الفتاح كليطو
(6) يبدأ الكلام عن القصة الثانية في المجموعة من ص14 الى ص29،وجميع فقرات القاص والناقد منها
(7) أمّا أنا شخصياً فأضع، من مقياس آخر، بورخيس و دستويفسكي فوقهما وفوق الجميع!
(8) نثرت للقارئ بعضاً من تلك المصطلحات والإشارات في ثنايا هاته المقالة، وحاولت وضعها بين هلاليين صغيرين مزدوجين، وقد وردت خالية الأقواس في المصدر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق