شؤون ثقافية

هِجرة

هِجرة
حميد الساعدي
1.
 
الفَلّاحونَ في قريتنا هَجروا الأغاني، ماعادتِ الريح تنقلُ لنا أصداء أغانيهم وقت الحصاد. نَفَدَت أراجيزهم وهم يحتزمون المناجل ليفتَضّوا عذرية الأرض فاخترنا الهجرة إلى أرضٍ لا تعرف الحصاد.
 
2.
 
الَّذينَ عَلَّمونا أن نَفُضَّ اشتباكاتنا بسهولةٍ، وهم جالسونَ على التلِّ، يرقبوننا بحذرٍ،
كانوا من من الدّربةِ بحيث أنهم ازدروا فعلنا ونحن نعطي الأيادي مهمتها المسالمة.
كان عليهم أن يجدوا بعض أساليب الخداع لترويعنا ونحن عالقون بين الكلمة والكلمة، والمحراب وبابه، والسجن وحامل المفاتيح.
 
3.
 
أمضينا وقتاً كثيراً في تَفَرّس ملامحهم، كانتِ الوديان أبطأ قليلاً في معرفتهم، لم نكُ غير فتيةٍ أغرَتهم الحقائق فتقَلدوا صفراء الكُتب.
حاولَ الرعاة مراراً أن يُرشدونا إلى الطرق السالكة، فكانت مزاميرهم تضيع، وناياتهم لم تعرف وجهتنا، حين اعتلينا الجبل، كان ظهره محدودباً مثل آبائنا.
رَشَقنا من هناك أحجار التوبة، ولم نعد بعد من شغفنا الباهت.
4.
الصحارى العمياء، بآبارها الخاوية، سَبَقَتنا للاحتفال بالمطر، حين تركنا الأسماء في خُرجٍ قديم واتجهنا شمالاً، نبحث عن سُهيل والأصابع مثل حبل مفتولٍ من التلويح.
 
5.
 
الطريق أضاف لنا مُتعةً غريبة، خبأنا بعض الأحاجي، لكي نطرد الملل، كل ذكرى كانت أحجية، وعند كل أحجية يسألُ أحدنا الآخر : هل كانت الذكريات أحاجٍ من زمن الموت؟ أمْ كانتِ الأحاجي موتاً يُرعبنا بين حينٍ وآخر.
ولكي نكمل المسير، نَفَدَتِ الذكريات، ولم تَنتهِ الأحاجي.
 
*
من مجموعة ( عميان بصباحات ملوّنة)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق