الرأي

من أروه إلى حفتانين 37 سنة

بعد الحرب العالمية الأولى واتفاقات القوى المركزية المنتصرة في النظام العالمي (بريطانيا ،فرنسا وروسيا) على خلق نظام عالمي جديد تحفظ مكاسبهم وتحقق لهم الهيمنة، تم تقسيم أراضي وشعوب التي كانت تحت إحتلال الإمبراطورية العثمانية ضمن إتفاقيات ( القاهرة 1921 وسايكس_بيكو _سزانوف 1916 ولوزان 1923 وغيرها…).

ومن أكثر من تعرض للظلم و للتقسيم هما الشعب العربي والكردي حيث تم تقسيم العرب إلى 22 دولة وتقسيم الكرد بين أربعة دول دون أي اعتبار لإرادة شعوبنا وفي تجاهل تام لحقائق المجتمعات وثقافتها وقيمها التاريخية والحضارية وللحقائق الجغرافية.

كان من أهداف وضع الكرد مقسمين بين أربعة دول هي خلق قضية ومشكلة في أربعة دول يسهل من خلالها التحكم بالدولة الأربعة عن طريق إستخدام وجود الشعب الكردي كورقة ضغط ضد هذه الدول وكذلك جعل القضية الكردية بدون حل على الأقل لمدة قرن، حيث تم تقسيم الكرد ووضعهم ضمن أربعة دولة قومية لاتعترف ولاتستند سوى إلى لون واحد و قومية واحدة مع تهميش وإقصاء في أحسن الأحوال.

حتى لو أردت أي قسم كردي في الحصول على حقوقه الطبيعية في إدارة مناطقه بنفسه، تسارع الدول الثلاثة الأخرى لعدم حصوله على حقوقه حتى لا يطالب الكرد الموجودين عندها بنفس الحقوق وحتى أنهم يسدون السبل أمام أية تحقيق للديمقراطية خوفاً من استفادة الكرد منها.

وتم وضع القسم الأكبر حوالي نصف الكرد وجغرافية تواجدهم (كردستان) في الدولة التي تم استحداثها للعب دور معين باسم تركيا وأعطت القوى المركزية العالمية دور تشكيل تركيا كنموذج للدولة القومية الأحادية الفاشية إلى تنظيم الإتحاد والترقي( ثلاثي الإبادات والمجازر ، أنور، طلعت، جمال) الذين أراد عن طريق الإبادات والمجازر والتغير الديموغرافي والتطهير العرقي على الشعوب( العربية ، الكردية، الأرمنية والسريانية، البونتوس واليونانية …) خلق قومية تركية جديدة أحادية ونمطية تكون نموذج للدول الأخرى الناشئة في المنطقة والقضاء على كل القيم الإنسانية والإجتماعية والأخلاقية لشعوب المنطقة وإخراج سلطات عملية منهم وتابعة لهم و منفصلة عن واقع مجتمعاتها وتاريخها لجعلهم أدواة لمشاريعهم و للتحكم بالشعوب عبرهم ومن خلالهم.

وأمام هذه المؤامرة واستمرارها خاض الشعب الكردي في تركيا حوالي 20 ثورة بدءاً من ثورة كوجكري 1919م وحتى ثورة سيد رزا 1938م فقط ليحافظ على هويته ووجوده على أرض أجداده أرضه التاريخية أمام قوانين التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي التي صدرت من السلطات التركية مثل ” إسكان الشرق” و”إصلاح الشرق” وغيرها، حيث وجد الكردي نفسه على الأرض التي عاش عليها منذ 12000 سنة قبل الميلاد على أقل تقدير، أو منذ أن رسى سيدنا نوح سفينته على جبل جودي، معرضاً للتتريك وللإبادة والإمحاء حيث منعت لغته وثقافته وخصوصيته وفرضت ضريبة لمن يتكلم باللغة الكردية.

لكن إرادة الحياة وعمق الثقافة المادية والمعنوية الكردية و كذلك تاريخ وجغرافية كردستان وأخلاق زرادشت وفلسفته المتأصلة في بنية وذهنية المجتمع الكردي و نار نوروز الحرية كاوا الحداد و وعظمة وقوة رستم زال وإرث الناصر صلاح الدين الأيوبي والقائد أبو مسلم الخرساني وفلسفة ماني ومازدك ونصيحة شيخ سعيد وسيد رزا وأحمد خاني وغيرهم لم تقبل الخنوع ولن تسطع أحفاد المغول والتتار والعثمانيين والقوميون أن يقضوا عليه وظهر شمس الحياة وإرادة العيش بحرية مرة ثانية بتاريخ 15 آب ( أغسطس) 1984 عام من بلدة أروه( دهيه) في منطقة سرت في باكور كردستان ( جنوب شرق تركيا) حيث أعلن الشعب الكردي وشعوب المنطقة التي تعرضت للظلم والقتل والنهب أنها ترفض مرة أخرى الإستعباد وانها تريد الحياة والحرية والعيش وانها ترفض ضعفها وتثور عليه حيث يقول الثوري الجزائري فرانز فانون” إن الطلقة الأولى هي ضد حالة الضعف والوهن الذاتي قبل ان يكون ضد العدو”.

ومازالت تلك “قفزة 15 آب وثورة ( VEJÎN_البعث) بريادة الشهيد عكيد(معصوم قرقماز)وحركة حرية الشعب الكردي حسب ما يقوله شعبنا مستمر إلى الأن وأصبح عمرها 36 سنة وهي مازالت محافظة على هدفها التي انطلقت من أجلها وهي حق الحياة وحفاظ الوجود والحرية والعيش المشترك ورفض الاستعباد وسياسات الإبادة والقضاء على الهوية والمجتمع الكردي.

ولعل ذكر حقيقة إسهام الشعب العربي في سوريا ولبنان وفلسطين بأماكنه وموقفه في المراحل التمهيدية والسابقة المؤدية إلى الوصول إلى إنجاز تلك القفزة وثم اللاحقة للاستمرار فيها ظاهراً ويذكرها كل الكرد المخلصين والمؤمنين بالأخوة العربية_الكردية وبفكر العيش المشترك وحل الأمة الديمقراطية التي طرحها المفكر والمناضل عبد الله أوجلان.

ربما أطول بحث عن الحرية والديمقراطية والحق يخوضه الشعب الكردي حيث أن أطول ثورة وهي الفيتنامية استمرت 13 سنة لكن مسيرة شعبنا دخلت الأن 37 سنة وهناك حوالي 50000 شهيد حتى الأن وأقدمت تركيا على حرق مئات الآلاف من القرى الكردية وتهجير حوالي 6 ملايين الكرد من مناطق غرب الفرات في الأربعينات والخمسينات في تركيا وتهجير عشرات الآلاف إلى مخيم مخمور والخارج المتروبولات في التسعينات وهدم حوالي ١٥ مدينة في عامي 2015 و٢٠١٦م وهي تستمر حتى اليوم في فعل ذلك وليس في تركيا فقط بل في سوريا ومناطق عفرين وسري كانية(رأس العين) وكري سبي( تل أبيض) وكذلك في إقليم كردستان العراق ومنذ 17 حزيران تخوض تركيا مستخدمة كافة أنواع الأسلحة والتقنيات الحربية قتالاً مع الشعب الكردي وقواها المدافعة( الكريلا)قوات الدفاع الشعبي التي تكافح نيابة عن شعوب المنطقة، حتى تحتل مناطق إقليم كردستان.

ولعل نتيجة فهم حقيقة تركيا وأطماعها التوسعية في المنطقة بعد أحداث ما سمي الربيع العربي وفضح دور تركيا في استغلالها لحالة الأزمة وإستخدامها واستعمالها أدواتها من التنظيمات الإرهابية من الإخوان والقاعدة وداعش، جعل شعوب المنطقة وخصوصاً شعبنا العربي يستوعب ويفهم حقيقة الظلم وسياسات تركيا التي أصبحت عوامل للتهديد وعدم الإستقرار التي مهدت لها باستعمال كافة أنواع القوى الناعمة من ثقافة وإعلام وفنون وشؤون إنسانية وحقوق إنسان.

فكيف سوف نفسر ونسمي سياسات تركيا التي تستهدف وتحتل عواصم ودول عربية ولديها رغبة في تقليد إيران وبل أن خطرها على الشعب العربي أكثر من المخاطر الأخرى كونها تعتبر البلدان العربية ميراث عثماني لهم و تستهدف الدين الإسلامي وتشويه صورته وصورة المسلمين وهي تظهر للعالم أنها تحمل راية الإسلام ودولة الإسلام وهي في الحقيقية ليس علاقة بالإسلام وليس إلا تجسيد للنفاق وآياته في الكذب والخيانة وعدم الالتزام بأي تعهد او التزام، فهي في مؤتمر برلين قالت أنها تلتزم بالحصار المفروض على الأسلحة إلى ليبيا لكنها جلبت عشرات الألاف من المرتزقة من شمال سوريا ومن الصومال ومن العراق ومن الدول الإفريقية مع الأسلحة والمعدات الحربية لضرب الأمان والإستقرار في المنطقة وفي القارة الإفريقية والأوروبية.

ربما من المهم أن يعرف شعوب المنطقة أن الطرف الكردي وفي إطار سعيها للحرية وللحصول على حريته، وقف أكثر من حوالي عشرة مرات ووقف إطلاق النار وسعت لحل القضية الكردية في تركيا بالطرق السلمية والديمقراطية والبحث عن حل ديمقراطي ودستوري في الاعتراف بوجود الشعب الكردي على أرضه التاريخية لكن كل التجارب والمحاولات أثبتت أن تركيا وهي في نفس الوقت التي تتفاوض معك وتبحث عن حل سلمي فهي تحضر قبرك للقضاء عليك و إنهائك وبل ان تركيا ونتيجة لعلاقاتها ومصالح القوى المركزية العالمية وصفت القوى الكردية المطالبة بحل القضية الكردية بالإرهاب بما فيها العشرات من النواب ورؤساء البلديات المنتخبين، في وقت كل العالم يعرف أن تركيا هي أكبر دولة إرهابية في ممارساتها وقوانينها وسلوكياتها البلطجية وفي دعمها وجعلها محافظات مثل ديلوك(عنتاب) وإنطاكية وإسطنبول عواصم للإرهاب وللإخوان ولحركات الإسلام السياسي حتى أنه كان لداعش سفير في تركيا وأبو بكر البغدادي كان على الحدود التركية، وما الجيش الوطني السوري الذي شكلته المخابرات التركية سوى دواعش وقاعدة وإرهابين سابقين مكررين على الطريقة الأردوغانية.

من أروه (دهيه) إلى حفتانين مازالت إرادة الحياة وتحقيق العدل والحرية والحق ورفض الذل والاستعباد مستمراً ومازال تركيا دولة لها وظائفها لترويض شعوب المنطقة وتقسيم المنطقة وبل زادت عدوانها وخطورتها حتى أصبحت تركيا تشكل اليوم ليس خطراً وتهديداً على الشعب الكردي فقط بل أصبحت كذالك على الشعب العربي ودولهم وأمنهم القومي والوطني وأغلب شعوب المنطقة ووجود تركيا والمرتزقة في ليبيا وكذالك قواعد تركيا في عدة أماكن وبدأ البحث عن سبل لوقف تدخلها وإحتلالها للدول العربية للسيطرة والهيمنة ونهب الثروات ولعل حجم البيانات الصادرة من الدول العربية والجامعة العربية في الشهريين الاخيرين تؤكد ذالك لكن متى تترجم وتتحول هذه البيانات إلى مواقف وسلوكيات وأفعال توقف السلطان المعتوه وترده على أعقابه وتكمل ماتفعله حفتانين ومافعلته أروه شمزينان.

احمد شيخو كاتب كردي سوري مختص بالشؤون التركية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق