شؤون ثقافية

دائرة تجاذب

دائرة تجاذب
 
كل تجاذب مع محيط لا يخالفك فحسب ، لكنه يحقنك بكل تفكير يكسر جناحك ، ويشل حركتك
ويجعلك مسلوب الارادة ، هذه ليست إعاقة كما جعلوني أعتقد ، الأعاقة ليست ما يشل تفكيرك وإنما ما تفكر به.
أعتقاد شائع بأن الأشخاص المتنورين فكريا الذين يتميزون بوعي وقدرات إدراكية عالية ليسوا بشرا عاديون ، اختلافهم مثير للتساؤل أو حلقة مفقودة في بناء شمولي كلي لا يعترف بالفردانية والتميز . لكنهم عاديون جدا ، لا شيء معجز في شخص مميز منحته طاقته الفكرية أو الروحية الكثير من الاشعاع ، وجعلته مرصودا من طرف محيطه ، إن بشكل إيجابي أو سلبي ، لكن المفارقة الغريبة والمختلفة في هذه الخاصية هي حاجاتهم !
السؤال : ما الذي يحتاجونه لكي يوفقوا في طريق تحقيق ذواتهم ونجاحاتهم ؟ بالتأكيد لن تقتصر حاجتهم النفسية والعاطفية ولا المادية على النمط العادي للاستهلاك ، بالتأكيد اشخاص مميزون يتمتعون بطاقة فكرية غير عادية يحتاجون الى دائرة استهلاك أوسع وأثرى وأعقد ، مما يحتاجه شخص بدين أو عامل بناء ، أو أمرأة عانس ، أو فتاة في فترة الطمت ، مع أن الوضع لا يدعو للسخرية بتاتا .
لهذا كان العمل الفكري هو العمل الأصعب على الإطلاق . بالعودة الى سير المفكرين والعباقرة التي وسمت بالكثير من الخرافة والتجاوز والغرابة ، بسبب تشابه قصص الجنون والإنتحار والمرض ، لدرجة جعلت العالم يربط العبقرية بالجنون والسقم ، واصبحت هذه الفكرة من المسلمات ، لكن لماذا يصاب العبقري بالجنون أو بالسقم ؟ لماذا أنتهت حياة الكثير من الشعراء أو الكتاب أو الرسامين بمصحة نفسية ؟
أو بالموت بسبب المرض في مقتبل العمر ؟
ماهي الحلقة المفقودة في دائرة احتياجاته الكثيرة والمعقدة كطاقة مبرزة وغير عادية ؟
هل كان الالم ضروريا ؟! هل تعتبر الحاجات العاطفية في محيط غير متجانس ولا يحقق أدنى
إشباع نفسي أو ذاتي ، محفز حقيقي للعمل والرقي ؟
بالطبع لا ! لا بكل تأكيد ! لأن التميز والقدرة على العطاء وفائض الطاقة الإيجابية ملكة وليست سلوكا مكتسبا والملكة بذرة ، والبذرة لابد وأن تستهلك ما يلزمها من العالم و من المحيط لكي تثمر ولكي تتقدم ولكي تنمو .لهذا كل محيط لا يقدم احتياجات الفرد كل فرد على حدة ، هو محيط معاق وغير قادر على استيعاب وحداته بلغة الفلاسفة ، محيطنا الفكري والإبداعي محيط مشلول ومعاقب معاقب باختلافه وبدائرة تجاذبه الغير مثمرة مع محيط مصاب بالتكلس الفكري و الهرش الابداعي ، عالم لا يؤمن بك ، لا يقدس طهارتك ، يحسدك في اختلافك وفي جرأتك و في قدرتك على التقدم وعلى التجاوز ، يحسد طبيعتك النافرة وتكوينك المجبول على الحركة والدفع ، وسلاستك في تكسير الجاهز ورفض المسلم الباهت ، يحسد أسرارك المعلنة وغير المعلنة ، يحسد ألوان الحياة والروح الباذخة والشكل المبهر الذي يجعلك تطل عليه في نسق مهيمن ومسيطر وموجه ضمن دائرة تجاذب ضعيفة وباهتة ، يخاف منك ،من سرعة تقدمك ونفاذ فاعليتك التي هي بشكل ما تهدد كيانه .
 
أمينة بنزموري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق