تحليل وحوارات

الذاكرة الكردية الجريحة في مئوية الاتفاق العالمي…هل سيختلف الكرد في جنيف كما اختلفوا في سيفر؟؟

مقاربات ومقارنات بين اتفاقية سيفر 1920 واتفاق جنيف 2020

كاجين أحمد ـ xeber24.net

شكلت القضية الكردية منذ القدم هاجساً قوياً ومرعباً لدى الدول الإقليمية، خاصةً تلك التي تقتسم أراضيها فيما بينهم “إيران وتركيا وسوريا والعراق”، والذين حاولوا بشتى الوسائل تدويل القضية الكردية منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

بعد سقوط الدولة العثمانية على يد دول التحالف في نهاية الحرب العالمية الأولى، همت الشعوب القومية المنضوية تحت راية هذه الدولة بالحضور إلى مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس العاصمة الفرنسية، للمطالبة بتقرير مصيرها استناداً إلى مبادئ الرئيس الأمريكي آنذاك ويلسون، خاصة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها والوعود البريطانية لهم.

ومن ضمن الوفود التي حضرت المؤتمر، الوفد الكردي برئاسة الجنرال شريف باشا الذي شارك إلى جانب وفود 32 دولة ووفود غير رسمية ، في 18 كانون الثاني 1918 واستمرت أعماله لغاية 21 كانون الأول من عام 1920والتي سيطرت عليها أجواء تنافسية بين الدول المنتصرة في الحرب لاقتسام تركة الدول المهزومة “ألمانيا والعثمانيين”.

انتخب شريف باشا لرئاسة الوفد الكردي الذي ضم فخري عادل بك، وعادل بك المارديني، وصالح بك حسني مدير شؤون شريف باشا، وغالب علي بك سكرتير شريف باشا، من قبل جمعية تعالي وترقي كردستان، وحزب استقلال الكرد، والجمعية الكردية ، والحزب الديمقراطي الكردي، لتمثيل الكرد في المؤتمر.

وكانت المطالب الكردية تتلخص في الاستقلال عن الدولة العثمانية المهزومة، إلا أنها اصطدمت برسائل خاصة أرسلت من قبل بعض رؤساء العشائر الكردية، والتي رفضت الاستقلال، والمطالبة بحكم ذاتي ضمن نطاق الدولة العثمانية، ما أضعف الموقف الكردي في ذلك الوقت، والذي تسبب في انسحاب شريف باشا من الوفد الكردي فيما بعد.

لعب الوفد الكردي برئاسة شريف باشا دورا بارزا في المؤتمر، حيث نجح بشرح القضية الكردية أمام المجتمع الدولي من خلال اتصالاته الفردية مع ممثليها في المؤتمر، كما عرض على الممثل البريطاني بوضع كردستان تحت الانتداب البريطاني شريطة الحصول على الاستقلال.

ونجحت مساعيه على الرغم من المحاولات التركية والإيرانية بإبعادهم عن المؤتمر وعدم حضور وفدهم، باتخاذ قرار بخصوص كردستان في 29 من كانون الثاني 1919، وذلك بفصل كردستان عن الدولة العثمانية وانتداب ثلاث دول عليها كالتالي: بريطانيا تنتدب على أجزائها الجنوبية وفرنسا على الأجزاء الجنوبية الغربية وأمريكا على الأجزاء الشمالية والغربية، وبقاء الأجزاء الشرقية كمقاطعة ضمن الحدود الإيرانية.

ورد شريف باشا على هذا القرار بتوجيه رسالة إلى الممثل الفرنسي جورج كليمانصو بوصفه رئيس المؤتمر، طالب فيه بدولة كردية مستقلة بحدود تصلها على بحر قزوين والبحر المتوسط، وتشكيل هيئة دولية تشرف على ضم المناطق ذات الأغلبية الكردية إلى الدولة الجديدة، على غرار دولة أرمينيا، التي شكل شريف باشا مع وفدها حلفاً قوياً آنذاك.

وتوجت مساعي شريف باشا باستمالة بريطانيا إلى جانبها، خاصة التحالف القوي الذي شكله مع الوفد الأرميني، واللذين فوتا كل العراقيل التركية والإيرانية بالوصول إلى قرار في المؤتمر بفصل الدولتين عن الدولة العثمانية.

واقترحت بريطانيا في ذلك الوقت، رفض الانتداب البريطاني، أو البريطاني – الفرنسي على كردستان، رفض السيطرة التركية على كردستان حتى وإن كانت إسمية، وربط قضية استقلال كردستان بتشكيل الدولة الأرمنية.، مع حرية الكرد في تشكيل دولة واحدة، أو مناطق متعددة، وأن تقوم فرنسا وبريطانيا بمنع المشاكل الحدودية في المناطق الكردية، بالإضافة إلى حماية الأكراد ضد اعتداء الترك، إن أمكن.
.
وبالرغم من النجاحات التي حققها الوفد الكردي في مؤتمر الصلح، إلا أنا رئيس الوفد وقبل الشروع باتفاق سيفر المصيري بأقل من أربعة شهور، استقال شريف باشا من الوفد وتمثيل الأكراد في 27 من شهر نيسان عام 1920، لأسباب انشقاق الرؤية الكردية في ذلك الوقت ما بين معارض لدولة كردستان مستقلة، وحكم ذاتي في إطار الدولة العثمانية والتي كان لكمال أتاتورك دور كبير في هذا الشقاق.

وتم توقيع اتفاق سيفر في 10 آب من عام1920 من قبل 14 دولة مع الدولة العثمانية في مدينة سيفر الفرنسية، وخصص القسم الثالث من الباب الثالث للاتفاقية للقضية الكردية، وذلك باستقلال أكراد تركيا ضمن دولة واحدة مع إمكانية ضم كردستان العراق “ولاية الموصل” إليها إذا أرادوا ذلك، شريطة تعهد تركيا بتنفيذ بنود الاتفاق خلال ثلاثة أشهر.

ونصت البنود 62و63و64 على تشكيل وفد من الدول الثلاثة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا لإعداد مشروع آخر خلال ستة أشهر يخص الحكم الذاتي للأكراد في شرقي الفرات والحدود الجنوبية من أرمينيا، والحدود الجنوبية من تركيا مع سوريا شريطة الحفاظ على حقوق الأقليات المسيحية في تلك المنطقة.

إلا أن جهود كمال أتاتورك وعدم جدية دول الحلف ومصداقيتها، والشقاق بين الصف الكردي، بخر آمال الكرد بتشكيل دولتهم وإنهاء أحلامهم في ذلك الوقت، والذي انتهى بتفرد تركيا مع دول الحلفاء في مؤتمر لندن والوصول إلى اتفاقية لوزان بسويسرا في عام 1923 والتي لم يرد ذكر للقضية الكردية ولا حتى اسم الأكراد في هذه الاتفاقية.

الأمر الذي يحتم على الكرد ترصيص صفوفهم وأخذ العبرة من هذه الاتفاقية والتمثيل بقوة في الاتفاقات الجارية، للتوصل إلى شرعنة القضية الكردية في المؤتمرات التي تعقد حالياً لبحث الملف السوري وحل أزمتها، بما يتوافق مع تطلعات شعبها، خاصةً وأن التمثيل الكردي في هذه المؤتمرات ضعيف جداً، وهذا ما أوضحه سلسلة اجتماعات جنيف بحلقاتها الثمانية.

اقتصر حضور الكرد في المؤتمرات الدولية الحالية والتي تخص حل الأزمة السورية، على تمثيل الكرد بثلاثة أشخاص من قبل المجلس الوطني الكردي، والذي يعتبر ضئيل جداً لشعب قدم أكثر من 14 ألف شهيد في وجه أعتى تنظيم أرهابي على مستوى العالم، والحفاظ على الهوية الوطنية لشعوب شمال وشرق سوريا بعكس كل التنظيمات الفاعلة على الأرض السورية.

ولا يخفى على أحد مساعي الدولة التركية والإيرانية والسورية، بإبعاد الشريحة الأكبر والأقوى لتمثيل الكرد في هذه المؤتمرات، والتي تملك القوة السياسية والعسكرية على الأرض، وقدرتها على المجابهة أكثر من إخوانهم الممثلين في المجلس الوطني الكردي.

وبمقارنة بسيطة جداً يتبين ضعف التمثيل الكردي لحل قضيته منذ مئة سنة خلت، ففي مؤتمر الصلح كان الوفد الكردي 5 أشخاص، أما في جنيف 3 أشخاص، في الأولى كان كان هناك مساندة قوية من حلفاء الكرد “الأرمن لدعم القضية الكردية، أما الآن في جنيف لايوجد أي دعم بل حتى أنهم أنكروا ذكر القضية الكردية.

في مؤتمر الصلح واتفاق سيفر تفردت بنود خاصة لبحث القضية الكردية على أساس دولة مستقلة، أما في جنيف فإن ذكر القضية الكردية لقت معارضة قوية من حلفائها قبل النظام السوري الطرف الآخر من المفاوضين، ورفض الشريك الأساسي للمجلس الوطني الكردي بإدراج الاتفاق الكردي في الرؤية السياسية بجنيف، حتى لا يتطرقوا إلى ذكر القضية الكردية في هذا الاتفاق.

فهل يتعقل الكرد، وهل لجرح الذاكرة الكردية أن تندمل، هذا لايتم إلى بتمثيل قوي للكرد في كل اجتماع واتفاق أومؤتمر يخص السوريين أو حل أزمتها التي لن تتم إلا بحل القضية الكردية، التي أصبحت رقماً صعباً في المعادلة السورية، والتي من المستحيل أن يتم تجاوزها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق