الرأي

الفساد الإداري في زمن الماضي القريب والحاضر

مظلوم هادي

يصعب تحليل ظاهرة الفساد في سوريا دون ربطها بتاريخ الظاهرة في ظل أوضاع نظام الحكم لدى النظام البعث على هذه البلاد، وعليه يمكن القول أن الفساد في سوريا ليس وليدة اللحظة الآنية، بل متجذر في البنية المجتمعية منذ تشكيل حكومة البعث وتوليه مقاليد الحكم في البلاد وسيطرته على جميع مؤسسات البلاد ومقدراته والتي تأسست على الخلفية الطائفية وهذا يكشف عن أحدى الأسباب المهمة في تبلور تلك الظاهرة الخطيرة التي وقفت ومازالت عقبة في طريق تقدم عملية التنمية بأصعدتها المختلفة مبددة الطاقات المالية والبشرية ومكرسة لحالة التخلف في مجتمعنا.
لقد شجع نظام البعث الفساد كنظام سائد في جميع مؤسساته الخدمية والقضائية نتيجة عدم المحاسبة والمحسوبية ونظام السلطة الواحد وسلطة العسكر الاستخباراتية والأمنية. إذ أدت تلك السياسة إلى نزوح الفئات الفلاحية هرباً من الاستغلال لينشؤوا مناطق بائسة مادياً في ضواحي العاصمة، ذلك أن وجود دستور ينص على المساواة بين المواطنين لم يجد له مكان في ارض الواقع بسبب غياب الديمقراطية المبنية على إشراك جميع المواطنين من جهة وفصل السلطات من جهة أخرى. استمرت حالات الفساد الاداري والمالي في جميع مفاصل الدولة حتى تفاقمت تلك الظاهرة بشكل نوعي أبان الحقبة البعثية الاسدية وكانت لعائدات النفط المرتفعة تأثيراً مباشراً في فتح منافذ متعددة استطاعت بؤر الفساد في الدولة النفاذ عبرها من أجل إشباع حاجاتها ورغباتها باستمرار على حساب معاناة فاقت كل الحدود للشعب السوري. إن الاستغراق في تفصيل مفردات الفساد لتلك الحقبة يأتي بنتائج عكسية لأنه يضع في النهاية حدوداً لها في حين أنها غير متناهية في ذاكرة السوريين جميعاً، فبعد الثورة السورية كما تسمى انتقلت مظاهر الفساد المختلفة منها اللامبالاة والأنانية والمحسوبية والمنسوبية والرشوة عبر الكادر الإداري البعثي السابق إلى كل مفاصل الإدارات والمؤسسات والحكومات المتشكلة الجديدة حيث تكونت فئات لا ترتقي لمستوى الطبقة الاجتماعية خلال هذه الفترة وافرازاتها متحصنة بأسلحة متنوعة سياسية، مالية وإعلامية والوطنية لتسيطر على الأراضي والممتلكات العامة وكأنها أصبحت مشاعية خاصة بهم حتى أصبحت هذه الممارسات ما يمكن أن يطلق عليها (ثقافة الفرهود) المتجذرة في المجتمعات البدوية التي أعيد إنتاجها لتتفق مع المعطيات المشوهة لهذا الزمان. ومن جهة أخرى تمثلت حالات الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الإدارة الذاتية خلال فترة تحرير الأراضي وبناء إدارة ومؤسسات لإدارة المناطق المحررة وتعيين اداريين ورؤساء بصفة ممثلين لقطاعات مختلفة من الإدارات والمؤسسات الأمنية والقضائية والخدمية وأصبحوا يديرون الوزارات والمؤسسات الرسمية واغلبهم أن لم يكن جميعهم من العاطلين عن العمل يفتقدون لمعيار الخبرة والكفاءة التي تعتبر من أهم مقومات الحكم الصالح والرشيد. وقد استخدم هؤلاء مناصبهم لممارسة أعمال تجارية كالسمسرة بين مؤسسات الحكومة والشركات الخاصة وانشاء شركات وهمية خاصة لهم مما تسبب بهدر جزء كبير من المال المخصص في تقوية المؤسسات والإدارات لتلبية الخدمات وتجهيز البنية التحتية بمعايير وجودة قوية.
إن التحليل الموضوعي لظاهرة الفساد الإداري عموماً يقتضي بيان جانبان أساسيان لتلك الظاهرة:
* الجانب الأول :- وهو الجانب الأخلاقي المرتبط بظاهرة الفساد والذي يعتبر معيار ومدى التزام المجتمع بالعادات والتقاليد واحترامها، وضمن هذا الإطار تختفي النظرة إلى العمل بوصفه الحاجة الحيوية الأولى للإنسان بل وتهتز نظرة الناس إلى الإخلاص والأمانة والنزاهة، فإذا ما أدى كل منا واجباته على وفق ما تمليه أخلاقيات الوظيفة العامة، فإن مساحة الفساد ستنحسر إلى حدودها الدنيا. وتظهر مظاهر الفساد جلياً من خلال الممارسات التي قامت بها نظام البعث ابان سلطته.
* الجانب الثاني:- وهو الجانب المالي الذي يعتبر المحرك والدافع الأساس لتلك الظاهرة، إذ ينشأ شعور داخلي لدى الأفراد أو الجماعات بفكرة تتجذر في نفوسهم تستند إلى كون أن من يملك المال يملك السلطة، ومن يملك السلطة يملك المال، مستغلين بذلك مواقع المسؤولية لتحقيق مزايا ومكاسب تخالف القوانين والأعراف السائدة في المجتمع.
إن أوضاع الفساد الذي ساد واستشرى خلال فترة حكم نظام البعث السوري قد فتحت أبواباً واسعة للعنف غير الرسمي والذي أصبح من الصعب التحكم بمساراته ويمكن أن يصبح وبائياً في المجتمع السوري والذي ما يزال بقاياه واثاره الى الان، ولاسيما أن حالات الكسب السريع من خلال وسائل الفساد يؤدي إلى التزاحم لحفظ الفاسدين على مراكزهم الوظيفية وهذا بالتالي يدفعهم إلى العنف في سلوكهم اليومي.
. إذن فلكلّ ما سبق تأثير كبير في مسار عملية التنمية والتي لم تقتصر على زيادات معدلات النمو ورفع معدلات الإنتاج المحلي وتطوير كفاءة الإنتاج وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين فحسب، بل هي كذلك من خلال تغيير جذري في البنية الاجتماعية يفضي إلى تلك المؤشرات للانتقال بالمجتمع ككلّ إلى حالة أفضل اقتصادياً واجتماعياً بالمعايير المتعارف عليها. فالتنمية لهذا المجتمع تقوم على بُعدين أساسيين اقتصادي واجتماعي، حيث إنّ البُعد الاقتصادي ينطوي على أمرين أيضاً: الأوّل هو زيادة فعالية الحكومة من خلال مؤسساتها في توجيه النشاط البشري. أمّا الأمر الثاني هو توفير المناخ الديمقراطي وإتاحة الحرّيات العامّة للمواطنين للمشاركة في توجيه السياسة العامّة للبلاد. وبتكامل الحكومة والمجتمع يزداد كلّ منهما مناعة وقوّة فيما لو تميز عمل الحكومة بمؤسساتها المختلفة بالشفافية وحس المسؤولية لدى القائمين عليها. وهذا هو الإطار النظري أو المثالي للتنمية، أمّا الواقع فقد يبتعد عن ذلك قليلاً أو كثيراً وفقاً لحكمة القيادة السياسية وحرصها على التنمية في تحقيق الأهداف التي رسمها المجتمع للوصول إلى وضع أفضل ومعاصر والتي يفترض بها أن تسعى جاهدة على فرض قضيتي الشفافية والمساءلة القانونية على جميع مفاصل عملها بدءاً بأعلى الهرم وانتهاءً بقاعدته لتكفل تحقيقاً ناجحاً لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمختلف مستوياتها ولتحصن بذلك المجتمع من آفة الفساد وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللامبالاة وانعدام الحس بالمسؤولية. وعليه إذا كانت القواعد المنظمة للحياة العامّة موضوعية وعلنية وكذلك القرارات الحكومية وإذا كان المسؤولون كلّ في مجال عمله على مستوى السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة، وإذا تم تغيير ومحاسبة المسؤولين الذين خرجوا عن القوانين، حينها تتوافر الشروط المناسبة والصحيحة للتنمية وتتحقق الأهداف المرسومة تباعاً وكما تم رسم مساراتها كمياً وزمنياً من جهة وتقل معدلات الهدر وظاهرة الفساد من جهة أخرى. فالفساد هو العدو الأوّل للتنمية وهو ظاهرة معقّدة تتداخل فيها قضايا السياسة والإدارة والمال، لذا يفترض بالقيادة السياسية متابعتها بدقة والعمل على عدم انتشارها من خلال فصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية واحترام ممارسة المواطن لحقوقه المدنية والسياسية بما فيها من حرّية التعبير إلّا أنّ الديمقراطية لا تمنع الفساد في المجتمع رغم ما تتضمنه من شفافية ومصارحة ولكن في ظلها لا يتحوّل الفساد إن وجد إلى ظاهرة مستشرية ومن ثم يمكن تطويقه ومكافحته بسهولة من خلال مساءلة ومحاسبة المسؤولين المتورطين بقضاياه بالإضافة إلى ذلك يجب حصر ثروات كبار المسؤولين وتحديد مصادرها من قبل الأجهزة الرقابية التي يفترض بها أن تتحقق من ذلك قبل تولي المسؤولية العامّة وفي أثنائها وبعدها، كما يجب إنشاء أجهزة رقابية ذات فعالية وصلاحيات واسعة تتمتع بالاستقلال في عملها تعدّ تقاريرها بشكل دوري وعلني للمواطنين كافة بالتعاون مع مختلف المؤسسات الإعلامية مع التركيز دائماً على نشر الوعي الاجتماعي والسياسي والتأكيد على القيم الأخلاقية والإنسانية عبر المؤسسات المختصة في التربية والإعلام والثقافة لإعلاء القيم المجتمعية النزيهة وضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة من قبل القادة والمسؤولين في الحكومة. والأهم من كلّ ذلك هو سيادة القانون وعدم تجاوزه بأي شكل من الأشكال من قبل جميع أفراد المجتمع من مسؤولين ومواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق