شؤون ثقافية

قراءة انطباعية في نص الشاعر هيثم رفعت / مصر

قراءة انطباعية في نص الشاعر هيثم رفعت / مصر
نص الشاعر { كلّ آهٍ و أنتم بألف قصيدة }
 
كلما ركضتُ خلف طفل القلب
و أمسكتُ به
قلت : هذه المرة الأخيرة !
 
كم أرهقنا المجاز
و حوائط البكاء
نسقط و نطير …
نُطفئ لنشتعل من جديد !
 
المسافرون على متن اللاستغراق
كلَّ من فقدوا
في أعاصير الحلْمِ
و لم يتبقَ منهم
إلا أصوات مزعجة
تؤرق المدينة
كلما غفت
على سرير الصمتِ !
 
كلَّ من انشغلوا بالبحيرة الراكدة
و تحدثوا بلغةِ الحجر
 
المنسيون على جليد السطور
من يكتبون بدموع أيوبٍ و مستهم القصيدة
من قالوا مراراً ” لتكن مشيئتكَ “
 
كلَّ هؤلاء الأخوة في الضوء
لم يحرروا قمحة
أو زيتونة استباحوا عرضها !
لم يستخرجوا شظية واحدة
من جثة الأمس
 
و بكلّ ِ هذه الهزائم النارية
العصافير المنكسرة
يكفيها شرف الصياح
و الغضب
كلَّ آهٍ وأنتم بألف قصيدة
تقول : الأغصان
 
_____________________________
– نصوص غاضبة جداً
 
القراءة الانطباعية بقلمي أحمد اسماعيل /سورية
 
أجمل ما يقدمه لنا شاعرنا الهيثمي بعيدا عن الوجبة الدسمة من المعاني و الدلالات و الرسائل في نصوصه الغاضبة جدا
هو العتبة العنوانية لكل نص
فكل عنوان ومضة مكثفة وهي بحد ذاتها قصيدة و عميقة الدلالة
لاحظوا العنوان كل آه و أنتم بألف قصيدة
هذه العبارة العنوانية توجد عبارة أخرى قريبة منها تستخدم في الأعياد
كل عام و أنتم بخير
لكن مبدعنا جعل من الإنزياح فيها حالة إنبعاث تتحرك معها الأسئلة
الآه كلمة تستخدم مع حالة الألم الكبيرة
لكن لم ربطها الشاعر بقوله و أنتم بألف قصيدة
هنا القصيدة أتت بدلالات مفتوحة
هل هي الخيبة؟
هل هي الفرح؟
هل قصد بهما المعنيين معا؟
 
هذه التساؤلات تحملنا مع كم هائل من الفضول الذي زرعه مبدعنا في العنوان المدهش
لذلك كان الاستفتاح بالمقطع الأول مليئا بالحب و الحنين
فطفل القلب هو مجاز فاخر يقصد به شاعرنا مدى الارتباط بمن يحب
وهنا كان استدعاء الطفل مبهرا لأنه متعلق بشكل كبير بأمه ويبكي كلما أخذوه منها او ابتعد عنها
والانزياح في نهاية المقطع يعني التوبة و عدم الرجوع
فكيف يتخلى الطفل عن براءته وحبه
هذه العلاقة الفيزيائية لا يمكن فصلها
وهنا تكمن الحنكة الدرامية في تصوير المشهد
فالأم و الحبيبة هنا الوطن
و الشاعر يحبه بكل براءة نبضه
و مع إرهاصات الواقع يصبح في موازنة حتى يستطيع الحياة وبدون حب
وكأنه يتنازل عن حياته
لكن هل يفلح
مايدل عليه المقطع أنه دائما يفشل في إعلان التوبة عن حبه
والإنزياح في نهاية المقطع خير دليل
 
المقطع الثاني هو امتداد لفكرة المقطع الاول
فهو من خلاله يصف آلية الحنين لحب الوطن ثم قرص الواقع له و تراجعه ثم عودته ثم تراجعه
وهنا نلاحظ كيفية اعتماده على الأفعال المضارعة الحركية و التي تعطي الصيرورة
نسقط… نطير…
نطفيء… نشتعل
 
وهنا يؤكد أنه لا يتكلم عن حالة فردية
بل عن الذات الجمعية التي يقوم عليها المجتمع الواعي
وهذه الذات الجمعية الواعية لا تعرف السكون
هم الاشواك التي تؤرق نوم أنظمة الفساد
هم مؤمنون بأنه لا معنى لاستمرار حياتهم في الحلم
و هنا لابد لنا من الذكر أن الشاعر استرسل في وصفهم لأنهم يجسدون معنى الحب الحقيقي
مثال
المسافرون على متن الاستغراق…
 
لم يتبق منهم إلا أصوات مزعجة تؤرق المدينة…
كل من انشغلوا بالبحيرة الراكدة…
المنسيون على جليد السطور
من يكتبون بدموع أيوب….
من قالو مرارا..لتكن مشيئتك…
 
المقطع الثالث
يتكلم عن إنجازات هؤلاء المتفانين بالحب
والذين شبههم الشاعر بالإخوة في الضوء
هؤلاء دائما يعودون بخفي حنين
لم يحرروا شبرا
ولا تفلح نداءتهم
ولم يعيدوا للوطن حيويته و جماله
فالوطن مازال جثة والشظايا تملا كل ذرة منه
هنا نعود لفلسفة العنوان
لنكتشف أن الآه هو الخيبات المتتالية
لكن هل كانت سببا في التوبة وترك الوطن بلا سند
 
المقطع الرابع كان صلة الوصل
فهؤلاء الإخوة في الضوء لم تثنهم تلك الهزائم عن عزيمتهم
ورغم كل الانكسارات مازالوا عصافير يصدح الواقع بزقزقتهم
وهم مؤمنون بأن شرف المباردة تكفيهم
لأنهم يتوهجون بهذا الحب رغم كل الألم الذي يسببه لهم
وهنا نكتشف أن القصيدة كانت باجتماع معنى الخيبة و الفرح
ففي كل آه هم يفرحون رغم الخيبات و الآلام التي يتكبدونها
فشرف المحاولة يثبت للحجارة الصامتة أنه آن أوان أن تتحرك مع جريان النهر الهادر
حقيقة نحن هنا مع جمالية خاصة للنثر
حيث يأخذنا لمساحات من الخيال التي تفرض إيقاعا عاليا للنص
فالشاعر هنا كان ك كارل اورف في كونشيرتو الدخول إلى الجنة
ما أجمل أن يفرح المحب بمبادرته الخائبة المؤلمة وهو يندفع ليصنع عيدا للوطن ليخلق جنة في ربوع الوطن
نثرية لايطيب للقارىء مفارقتها
بك الحرف أجمل هيثم الشعر
أحمد اسماعيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق