الرأي

انعكاسات الفساد الإداري

2

للفساد وبشكل عام وعلى وجهه الخصوص الفساد الإداري أسباب وانعكاسات عديدة يمكن ملاحظتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى الوجه الخصوص داخل المؤسسات وتأثيراته على هيكلية المؤسسة ودور وفعالية المؤسسة في التقدم والتطوير على أن هذا لا يعني أن الفساد مقتصر على وجود هذه العوامل فقط ولكن لأغراض البحث العلمي ولأهمية هذه العوامل في بنية وتكوين المجتمع وتطويره ومواكبة التطوير والخروج من الازمات عند حدوثها.

ففيما يتعلق بالجوانب والأسباب السياسية الملازمة لظاهرة الفساد، يمكن القول إن عوامل مختلفة تقف وراء شيوع هذه الظاهرة تتناغم في شدتها ودرجتها طردياً مع تنامي ظاهرة الفساد منها عدم وجود نظام سياسي فعّال يستند إلى مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بشكل انسب أي غياب دولة او حكومة المؤسسات السياسية والقانونية والدستورية وعند هذا المستوى تظهر حالة غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد في ظل غياب حكومة المؤسسات وسلطة القانون والتشريعات تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والتهميش والإقصاء الوظيفي.

وهناك عامل آخر يتعلق بمدى ضعف الممارسة الديمقراطية وحرية المشاركة الذي يمكن أن يسهم في تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي ذلك أن شيوع حالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية في العديد من البلدان يسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة وعندها يفتقد النظام السياسي أو المؤسسة السياسية شرعيتها في السلطة وتصبح قراراتها متسلطة بعيدة عن الشفافية، فضلاً عن حرية نشاط مؤسسات المجتمع المدني.

والعامل الاخر لظاهرة الفساد الطمع والجشع وجمع المال بطرق غير شرعية واستغلال الوظيفة التي يترأسها لمصالح شخصية متناسياً المصلحة العامة وذلك لغياب الرقابة والأخلاق في العمل. هناك عامل آخر يمكن أن يسهم في تفشي ظاهرة الفساد متمثل بقلة الوعي (الوعي السياسي) وعدم معرفة الآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة السلطة. وهو أمر يتعلق بعامل الخبرة والكفاءة لإدارة شؤون الادارية.

يضاف إلى تلك العوامل والأسباب السياسية المتعلقة بظاهرة الفساد عوامل أخرى اقتصادية منها غياب الفعالية الاقتصادية في الحكومة ذلك أن اغلب العمليات الاقتصادية هي عبارة عن صفقات تجارية مشبوهة أو ناتجة عن عمليات سمسرة يحتل الفساد الإداري او المالي فيها حيزاً واسعاً، وهو ما سينعكس بصورة أو بأخرى على مستوى وبنية الاقتصاد الوطني، إذ ستؤثر هذه العمليات على مدى سير عملية تنفيذ المشاريع وبالتالي على عملية الإنتاج. من جهة أخرى، أن مستوى الجهل والتخلف والبطالة يشكل عامل حاسم في تفشي ظاهرة الفساد ذلك أن قلة الوعي الحضاري الثقافي ظلت ملازمة أو ملتزمة بالرشوة. كما أن ضعف الأجور والرواتب تتناسب طردياً مع ازدياد ظاهرة الفساد.

ومن خلال هذه العوامل والأسباب الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لظاهرة الفساد وبشكل عام، يمكن اظهار بعض الآثار الاقتصادية المتعلقة بتلك الظاهرة عموماً.

1. يساهم الفساد في تدني كفاءة الاستثمار العام وأضعاف مستوى الجودة في البنية التحية العامة وذلك بسبب الرشاوى وتفضيل المصلحة الخاصة على العامة من قبل المسؤول عن أي مؤسسة او إدارة التي تحد من الموارد المخصصة للاستثمار وتسيء توجيهها أو تزيد من كلفتها.

2. للفساد أثر مباشر في حجم ونوعية موارد الاستثمار الأجنبي، ففي الوقت الذي تسعى فيه البلدان النامية إلى استقطاب موارد الاستثمار الأجنبي لما تنطوي عليه هذه الاستثمارات من إمكانات نقل المهارات والتكنلوجيا، فقد أثبتت الدراسات أن الفساد يضعف هذه التدفقات الاستثمارية وقد يعطلها مما يمكن أن يسهم في تدني إنتاجية الضرائب وبالتالي تراجع مؤشرات التنمية البشرية خاصةً فيما يتعلق بمؤشرات التعليم والصحة.

3. يرتبط الفساد بتردي حالة توزيع الدخل والثروة، من خلال استغلال أصحاب النفوذ لمواقعهم المميزة في المجتمع وفي النظام السياسي والإداري، مما يتيح لهم الاستفادة بالجانب الأكبر من المنافع الاقتصادية التي يقدمها الحكومة بالإضافة إلى قدرتهم على مراكمة الأصول بصفة مستمرة مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين هذه النخبة وبقية أفراد المجتمع.

كما يمكن لظاهرة الفساد أن تنمو وتتزايد بفعل عوامل اجتماعية ضاربة في بنية وتكوين المجتمعات البشرية ونسق القيم السائدة، إذ تلعب العادات والتقاليد الاجتماعية وسريانها دوراً في نمو هذه الظاهرة أو اقتلاعها من جذورها وهذه العادات والتقاليد. كما أن التنظيم الإداري والمؤسسي له دور بارز في تقويم ظاهرة الفساد من خلال العمل على تفعيل النظام الإداري ووضع ضوابط مناسبة لعمل هذا النظام وتقوية الإطار المؤسسي المرتبط بخلق تعاون وتفاعل ايجابي بين الفرد والمجتمع والفرد والحكومة استناداً إلى علاقة جدلية تربط بينهما على أساس ايجابي بناء يسهم في تنمية وخدمة المجتمع. وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن العوامل السابقة يتمثل في غياب الثقة في تطبيق المثل الإنسانية.

ومن خلال هذه الأسباب والآثار المتعلقة بظاهرة الفساد، يمكن أن نسلط الضوء في المقال القادم المقارنة بين الفساد في عهد النظام البعثي السوري وكيفية انتقاله الى مؤسسات الإدارة الذاتية في الفساد الإداري رغم ان الفساد بين الادارتين البعث والإدارة الذاتية بينهما فروقات وجوانب مختلفة كلياً، ومدى سلوك هذه الظاهرة منذ نشأتها وحتى الوقت الحاضر وأهم أسبابها وانعكاساتها، وصولاً إلى وضع الخطط والسبل الكفيلة للحد من هذه الظاهرة الوبائية في المجتمعات عموماً وان عمقنا النظر في انعكاسات ظاهرة الفساد سنجد الكثير من الجوانب الكارثية لها المؤثرة بشكل كبير على الاقتصاد والحالة الاجتماعية والثروة الوطنية وهدر الطاقات وفوضى في السياسة الداخلية وبتأثيرات تطال جميع جوانب الحياة في البلاد.

يتبع …

مظلوم هادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق