شؤون ثقافية

هذا العيد

حقاً إنه عيد هذا العيد، فيه فرح وانعتاق من الهموم والأحزان التي فاضت بها روحي، لا يشبه كل الأعياد التي مرت علي منذ دهور طويلة، فإنني ولأول مرة في حياتي أضاعف عيدية الأولاد عشرة أمثال، لأول مرة أعايد أخي بمبلغ من المال أضخم من كل ما سبق أن قدمه لي من مساعدات و أزيد عليها بضعة آلاف من الدولارات، لأول مرة أخرج من منزلي الصغير و أطوف البلاد لأوزع العيديات على كل الفقراء و المعوزين، لأول مرة أزور صديقي على الفيسبوك في الشمال و أجزل له العطاء، لأول مرة لا أَعِدُ أحداً بل أعطي وأعطي بدون سؤال وبلا خشية من قلّة ما في يدي.. ما أسعدني وأنا أخطو خطواتي بثقة واطمئنان!

قاطع صوتي المرتفع استرسالي متسائلاً:
مهلاً يا هذا من أين لك كل هذا المال و أنت تنتظر منحة السوسيال* على آخر رمق؟ هل عثرت على كنزٍ أم سرقتَ أمنية صديقك الدكتور “محمد” و ربحت أنت الجائزة الكبرى في اليانصيب؟
هل أحلم يا ترى أم هذا ضربٌ من التخيلات و الهذيان؟
لا، أنت صاحٍ و ما أراه معك ليس أضغاث أحلام!
قالت زوجتي ذلك و قد دخلت معي في حفل توزيع العيديات، و أضافت:
مهلاً يا جهاد، أين ثمن الثوب و الحقيبة و الحذاء الذي وعدتني به في عيد ميلادي الفائت؟ هات الخمسمئة يورو التي اقترضتها مني قبل أن تفلس مرة أخرى.
قبل أن يغيب وجه زوجتي عن ناظري، قفز أحدهم إلى جانبها و قال:
يسلم فمك يا مدام، هات الألف دولار التي استدنتها مني في مصر لتركب البحر، هل تظن بأني رميت ديوني في البحر؟ هاتها الآن يا بيه.

يا الله من أين طلعت هذه المطالب فجأة أمام وجهي؟ هل ما أراه حقيقي أم هو كابوس آخر؟ طلبت من زوجتي أن تقرصني كي أتأكد من حقيقة ما أراه أو لعلني أصحو إذا كنتُ في عداد النيام، قرصتني زوجتي من خدي و تأوهتُ، لكنني مع ذلك مازلتُ أسمع تكبيرات العيد هنا في فيينا رغم إجراءات التباعد و الغلق بسبب وباء “كورونا” الفتاك، عجيب ما أراه و أسمعه: لأول مرة تسكت المدافع و تزهر البنادق و تتصدع الزنازين، لأول مرة كلمتي لا تذهب هباءً مع الريح، لأول مرة صوتي يُسقِط الطاغية و يحرر العبيد، لأول مرة ينهض الوطن من كبوته و نحن نستفيق.

في هذا العيد رأيتُ فيه المخيمات و قد زالت من بلدي و صارت حدائقاً للعشاق، في هذا العيد عادت “مريم” إلى مدرستها و لبست ثوب العيد، في هذا العيد غادر “أيمن” مأوى المشردين تحت “جسر الرئيس” و عاد إلى عمله الجديد، اشترى لعبة حلوة و كيس بوشار لأخته الصغرى و شالاً من الحرير، في هذا العيد عاد صديقي “عاطف” إلى معمله القديم في “الكلاسة” و عاد “أبو إبراهيم” لزيارته من جديد، عاد صديقي “أحمد” إلى عيادته في “بستان القصر” و عاد صديقي الدكتور “مصطفى” إلى مكتبه في “باب الحديد”، كما عاد صديقي الجميل “أبو الروض” يوزع ابتساماته و تحياته على الجيران في “ساحة الحطب” بعد زوال ركام الغضب من ساحات الحرب، عاد القطار من “ميدان اكبس” بعد طرد الغازي المغتصب و بناء الجسر و سكة الحديد، عاد جميع الأطفال إلى مدارسهم و عادت الطيور تغرد في بلدي السليب، كل هذا حدث في هذا العيد!.

……………………

استيقظتُ على صوت زوجتي و هي تهزني برفق و تقول:
جهاد، هيا انهض يا جهاد، اليوم هو يوم وقفة العيد، انظر في حسابك هل وصلتك منحة السوسيال؟
هيا استيقظ لنلحق أن نتسوق للعيد قبل حلول موعدك مع مكتب العمل ظهر اليوم.
نهضتُ من فراشي متثاقلاً مندهشاً، ثم أدركت بأنني خسرت حلماً جميلا** و لكني ما خسرتُ السبيلا. قلت لزوجتي:
ما أجمل ذاك العيد القادم الذي حلمتُ به معك، للأسف يا أم شهد كان مجرد حلم قصير، لكنه حلمي الطويل الذي يعشعش في وجداني في اليقظة و المنام من زمان، هذا العيد هو حلمي الذي أسعى لتحقيقه مع كل الناس النابضة قلوبهم بالمحبة و السلام، هذا العيد ليس حلماً صعب المنال ولا ضرباً من الخيال، قد لا يتحقق بأيدينا على أرض الواقع اليوم، لكنه سيتحقق حتماً على أيدي قادم الأجيال، أولئك الشبان الواعدون أبنائي و أحفادي، أراهم بعيني الآن يبنون وطناً حراً جميلاً موحداً خالياً من الغزاة، أراني معهم الآن أبني حلمي الذي سيكون هو العيد، هذا العيد انتظرته طويلاً و لم أفقد الرجاء به يا “رجاء”، هذا العيد هو عيدي و عيدك و عيد أولادنا و عيد كل السوريين المخلصين، هذا العيد يقال فيه حقاً: كل عام و أنتم بخير، صباح الخير يا زوجتي العزيزة و كل عام و أنت بخير.

………………………

جهاد الدين رمضان
في فيينا ٣٠ تموز/ يوليو ٢٠٢٠
*منحة السوسيال: مبلغ مالي شهري تقدمه الجمهورية النمساوية (و معظم الدول الأوربية) كمساعدة اجتماعية للمهاجرين و اللاجئين العاطلين عن العمل.
**خسرت حلماً جميلا: عنوان أغنية للفنان مصطفى الكرد من قصيدة “موال” للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق