شؤون ثقافية

هَذَيَانٌ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ اللُّغَةِ و تَرَائِبِ المَعْنَى

هَذَيَانٌ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ اللُّغَةِ و تَرَائِبِ المَعْنَى
حسن الخندوقي
الانتظار
مادة مشتقة من النظر
حاسة البصر العين
ما حاسة الانتظار، يا تُرى؟
الغريب أنك تسأل :
إلى ماذا تنظر؟
و
ماذا تنتظر؟
أين اختفت (إلى)، يا تُرى؟
 
نفس الأمر يعتري
الأمل و التأمل
الأولُ كيمياءُ القلب
و الثاني فيزياءُ النظر
و العجيب أنك تسأل :
في ماذا تتأمل؟
و
ماذا تأْمل؟
أين اختفت (في)، يا تُرى؟
 
التأمل و النظر
يقتضيان حاسة مسخَّرَةً
طَيِّعَةً للإرادة
تأمَّلْ في ما تشاء
و انظرْ إلى ما تريد
أو أغمضْ إن شئت
و تمعَّنْ في عالمك الدفين
“ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسيرٌ”
و كسير…
 
الأمل و الانتظار
أيُّ الحواس تسعفنا فيهما، يا تُرى؟
حاسة الصبر؟
ربما..
و هل رأيتم إلى هذا الجناس الغريب :
بَصَرٌ – صَبْرٌ !
مادة واحدة تتشكل
عبر ضيق الرؤية
و اتساع الرؤيا
إذ كلما امتد بصري
تمادى صبري في الاضمحلال
للبصر كُوَّتان
أُطِلُّ منهما على ما أريد *
فمن اين أطل على صبري
المتهالك هناك
قرب شبحي البعيد؟
لا شرفة مشرعة على الصبر
إلا ما تَعَرَّشَ في الصدر
من عوسج عنيد
أو ما تَمَرَّدَ من لساني
عبر هَيْنَمَة القصيد
أما العالم الدفين فيَّ
فساكنٌ سكونَ ساكِنِي القبورِ
في انتظار القيامة
 
ها قد أمعنتُ النظر في فيزياء الرؤية
و تمعنتُ في كيمياء الرؤيا
فما زادني إمعاني إلا حسرة و انكسارا
و ما زادني تمعني إلا جهلا
بكل المعاني
هل أدركتم الآن الفرق بين أمعن و تمعن؟
يقولون : المباني أواني المعاني
فكم بنيتُ من لغتي
من أوانٍ فاخرةٍ
و ما حملَتْ إلا معانِيَ معاناتي
و بناتِ أفكارٍ مسكونةً بالهذيان
و هذا النصَّ اللامعنى له
و لا بصيرة تهديه
و لا حكمة تدنيه
من شرفة تطل على ما أريد
من الأمل
و الصبر
و الانتظار
و المعنى
 
لي من كل هذا الهذيان؛ مجردُ النظرِ.. و الحسرات
و لكم منه ما شئتم من العِبَر و المعاني.. و النظرات
لي منه؛ اللغةُ
و لكم منه المعنى
لي منه؛ التأملُ
و لكم منه الأملُ.. هنيئا مريئا
لي منه؛ البصرُ
و لكم منه الصبرُ.. إن استطعتم إليه سبيلا
لي منه؛ الرؤيةُ
و لكم منه الرؤيا.. من كان ناقدا حصيفا
لي منه؛ الفيزياء
و لكم منه الكيمياء.. تَعَلَّموها من قارون
لي منه؛العَبَرات.. و العمى
و لكم منه الحكمة و البصيرة.. إن شئتم
لكم منه كُلِّي جاهزاً للدَّفْنِ
بين صُلب اللغة و ترائب المعنى
و لي منه حشرجةُ المَشُوقِ الأبديِّ
إذ يهذي في رحم الغياب
تعرقلُ خطوَه
نحو الغائبِ
ثَآلِيلُ الكلامِ
و ربما بعضُ الأمنياتِ
تَتَخَلَّقُ من/في غيب هذا التراب
ربما…
 
( * سطر شعري لمحمود درويش مع بعض التصرف )

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق