شؤون ثقافية

سلسلة حوار:أمينة برواضي في حوارمع الناقد مصطفى عطية جمعة

سلسلة حوار:أمينة برواضي في حوارمع الناقد مصطفى عطية جمعة
 
 
أمنة برواضي في حوار “مع الناقد”
مع الدكتور الناقد مصطفى عطية جمعة من مصر الشقيقة
السلام عليكم دكتور:
أولا، أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.
ليكن أول سؤال:
ـ من هو مصطفى عطية جمعة؟
بداية أتوجه بالشكر لك أستاذتي الفاضلة أمينة برواضي، وممتن لك لإتاحة هذه الفرصة من الحوار المفتوح، كما أثمن جهودك المتميزة في التحاور مع النقاد، ضمن سلسلة من أنشطتك الثقافية والأدبية.
ولُدتُ في مدينة الفيوم، جنوب القاهرة، وفيها أقيم، وإن كنت واصلت دراساتي العليا في القاهرة، كما أنني أقيم في دولة الكويت منذ أكثر من ربع قرن، حيث أعمل فيها، وحيث أعيش مستقرا مع أولادي، وفي الكويت أنجزت غالبية إنتاجي الإبداعي والنقدي والفكري، وقد أصدرت بفضل الله حوالي 35 كتابا، منوعة ما بين الإبداع (القصة والرواية والمسرح وأدب الطفل)، والنقد الأدبي، والفكر الإسلامي، والحضارة الإسلامية، وعندي أكثر من 15 كتابا تحت الطبع.
أما عن ذاتي، فأنا أديب في الأساس ، كاتب للقصّ ، ومن خلال عشقي للأدب عامة ، ولجت مجالات عديدة ، كلها ذات علاقة بتكويني الأساسي ، فكتبت القصة والرواية، والمسرحية، وأيضا أدب الطفل ، ثم ولجت عالم النقد الأدبي حبا فيه ثم تخصصا ، حيث حصلت على الدكتوراه في النقد الأدبي، وترقيت في تخصصي فحصلت على الأستاذية، بجانب دراسات وكتب أخرى في مجالات الفكر الإسلامي، كما كتبت بحوثا في المجالات الفكرية عامة، وكذلك في ميدان الدراسات الحضارية. فيمكن أن تلخّصني في عبارة واحدة : إنني أديب مبدع، ثم صرت ناقدا، وتعمقت بحثا في الفكر والحضارة وقضاياهما. والأهم عندي أنني أبحرت في هذه المجالات في خطوط متوازية ، دون أن يطغى مجال على آخر، ولا يأخذني أحدها بعيدا عن الآخر .. وأدعو الله أن أحافظ على وفائي هذا.
 
سؤال:
2 ـ دكتور ألّفتم: “وجوه للحياة” مجموعة قصصية”، “صفح القيح” مجموعة قصصية، قطر الندي مجموعة قصصية، “نثيرات الذاكرة “رواية، و” نتوءات قوس قزح ” رواية، و” شرنقة الحلم الأصفر ” رواية. والسؤال: بصفتكم ناقدا هل يكون النقد حاضرا وانتم تكتبون اعمالكم الإبداعية، أم يغيب الناقد ليفسح المجال للمبدع بأحلامه وآماله والافاق الوردية التي يرسمها للقارئ بريشته؟
جواب:
منذ بداياتي الأدبية والبحثية والنقدية؛ كنت مدركا لهذه المشكلة، وهي طغيان الحاسة النقدية على الموهبة الإبداعية، ذلك أن الحاسة النقدية إذا تسلطت على الإبداع تجعله باردا، فيكتب المبدع وفقا لمقاييس النقد، وتغيب بالتالي حرارة الإبداع وتوهجه وطزاجته، الإبداع يحتاج إلى مكابدة ومعاناة، بجانب إحساس مرهف عال بالناس وقضاياهم، لا أن يعيد إنتاج المكتوب والمقروء، وإنما لابد أن يبحث عن زوايا جديدة.
لذا، أقول بكل ثقة، أنني حينما أكتب إبداعا فإن النقد يكون غائبا، ويحضر الإبداع فقط، فأترك لنفسي العنان، لأنثر إبداعي، ثم أستحضر الحاسة النقدية لتقييم ما كتبت من إبداع. هنا أستفيد من خبراتي النقدية، على مستوى تقييم الذات. وقد كنت فيما مضى أرسل نصوصي الإبداعية إلى بعض الأصدقاء لقراءتها وتقييمها، ولازلت أفعل ذلك حتى هذه اللحظة، فقد انتهيت منذ أسابيع من رواية جديدة، وأرسلتها إلى مبدعة صديقة، وهي بالمناسبة من الجزائر، وبالفعل عكفت عليها قراءة وفحصا، ووافتني بالرأي فيها، وهي الأستاذة وهيبة سكاي، وكم كنت سعيدا وأنا أرى إبداعي مقروءا في ذائقتها، وفتحت صدري لكل ما قالت من رؤى وملاحظات.
وأؤكد ثانية، أنه لابد من وجود ثقافة نقدية عند المبدع، فالكارثة أن يكون المبدع جاهلا بالنقد، لا يستطيع فهم الخطاب النقدي حول أعماله، ولا الخطاب النقدي المعاصر له، بحجة أن النقد يفسد الإبداع. أقول لا، النقد يغذي الإبداع شريطة أن نفهمه ونعيه، ويكون رافدا من روافد المبدع، مثلما يجب أن تكون قراءة الإبداع رافدا أساسيا من روافد الناقد الأدبي، فكثير من النقاد يتجمدون عند أعمال بعينها، أو جيل بعينه، ولا ينظرون للأجيال التالية ولا تجارب إبداعية أخرى، وبالتالي تتجمد ذائقته. والمثال على ذلك: من يتوقف عند شعر الفصحى ويراه هو الأمثل، غير قادر على تذوق جماليات شعر التفعيلة أو قصيدة النثر، ومن ثم يهاجمها بضراوة.
بالطبع هناك مبدعون فشلوا عندما مارسوا النقد، لماذا ؟ لأنهم حوّلوا معرفتهم النقدية إلى اشتراطات مسبقة في الكتابة، كأن يكتب حسب المقاس النقدي، ليشيد به النقاد في الندوات والصحف، والإبداع لا يعرف هذا، لأن المبدع لابد أن يكون حرا طليقا، يكتب بالفن والقواعد نعم، ولكنه حريص على التوهج والإحساس العالي.
سؤال:
3 – دكتور روايتكم “نثيرات الذاكرة” أحرزت على الجائزة الأولى في مسابقة سعاد الصباح الدولية، في الرواية 1999، وكذلك رواية “شرفة الحلم الاصفر ” ايضا جائزة الرواية من نادي القصة بالقاهرة، عام 2000. وهناك جوائز إبداعية أخرى حصلت عليها في أدب الطفل والمسرح، وهناك جوائز عديدة أخرى حصلت عليها في مجالات النقد والفكر.
والسؤال: من موقعكم كناقد كيف يكون العمل الإبداعي ناجحا؟ وما هي شروط ذلك؟ وهل كانت معايير المعتمدة في النقد حاضرة وانتم تبدعون أعمالكم لتحصد ما حصدته من جوائز؟
جواب:
حقيقة عندما أكتب النص الإبداعي لا أضع شروطا بعينيها كي يفوز، بل إنني أكتب إبداعا يخصني، فاز أم لم يفز هذا أمر لا يشغلني، أي أنني أتقدم للمسابقات بالنص الذي يعبر عني، فإذا لم يفز في المسابقة، أكون أنا قد فزتُ به، ليكون كتابا جديدا يضاف لي، وتلك نقطة مهمة، لابد أن يعيها الأدباء المتسابقون على الجوائز ويفصلون رواياتهم ونصوصهم تفصيلا، أملا في الفوز. أقول لهم: ثقوا تماما أن المبدع الحقيقي ذا الإبداع المتميز حتما سيحقق تواجده، ويصل لما يريد. وأذكر أنني في جائزة الطيب صالح في العام 2016، كان معنا أديب فائز من المغرب، يقول إنه شارك في هذه المسابقة منذ بدايتها، ولم يفز إلا هذا العام، وكان فوزه بالمركز الأول، فأخبره منظم الجائزة أنه كان دائما في القائمة القصيرة، حتى جاء نصه هذا العام فذا رائعا، ففاز به على الفور.
أما كيفية أن يكون العمل الإبداعي ناجحا، فأقول إن المهم أن يكتب المبدع كتابة إبداعية ناضجة راقية، ولا يظن أن عدم فوزه في المسابقات دليل على فشله، بالعكس. فالمسابقات تخضع عادة لذائقة المحكمين، وأنا حكّمت كثيرا من المسابقات المحلية والدولية، ووجدت مواهب كثيرة تحتاج إلى دعم وتوجيه نقدي، لكي تنضج كتاباتها، مثلما وجدت روايات رائعة، ولكنها لم تفز ربما لأنها تخالف في بنيتها ذائقة لجان التحكيم. عدم فوز الرواية لا يعني أبدا أنها ضعيفة المستوى، بل لابد أن يكون صاحبها واثقا من نفسه، ولا يكل ولا يمل عن الإبداع، فدرب الإبداع طويل ممتد، ولا يمكن أن يحقق المبدع الفوز أو الشهرة إلا بتراكم إبداعي كثير ومتتالٍ.
وأحب أن أؤكد في هذا الصدد، أنني أستفيد من النقد في تطوير كتاباتي الإبداعية، ولا يعني كوني ناقدا أنني مبدع فذ، فالنقد يفيد المبدع نعم، شريطة أن يدعم المبدع موهبته بالقراءة ومداومة الكتابة، والاستفادة من التجارب الإبداعية والرؤى النقدية.
أما معايير الإبداع الجيد فهي معلومة ومعروفة، وتتمثل في امتلاك الموهبة أولا، لأن هناك كثيرين يظنون أنفسهم موهوبين وهم في الحقيقة أنصاف أو أرباع مواهب، أو كتّاب خواطر، ولذا يكتبون النصوص القصيرة جدا، يقلدون فيها بعضهم البعض. ويمكن أن يكون موهوبا ولكنه لا يجتهد بالقراءة والاطلاع ومداومة الإبداع، فتموت موهبته سريعا. ومن خلال رحلتي النقدية رأيت مئات المواهب التي ماتت مبكرا أو متأخرا، لأن أصحابها لم يكلّفوا أنفسهم بالاجتهاد والإبداع الجاد. وأيضا لابد من إتقان اللغة العربية وقواعدها وبلاغتها، وهذا أمر تأسيسي ولا جدال فيه. وللأسف الأجيال الجديدة من المبدعين ضعاف المستوى لغويا، وتلك مشكلة كبيرة، لذا يلجأون إلى العامية في الإبداعات والحوارات.
سؤال:
4 – ألفتم العديد من الكتب النقدية منها على سبيل المثال لا الحصر: ” دلالة الزمن في السرد الروائي”، و” أشكال السرد في القرن الرابع الهجري”، و ” ما بعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة”، و اللحمة والسداة”، و ” شعرية الفضاء الإلكتروني في ضوء ما بعد الحداثة”، و” الظلال والأصداء “، ” الوعي والسرد “…. وغير ذلك. كيف يمكن تصنيف المشهد الثقافي ببلدكم مصر مقارنة بغيرها من الدول العربية الأخرى؟ وما هي في تصوركم الشروط التي تساعد على إرساء نهضة أدبية وثقافية شاملة؟
جواب:
بصفة العامة فإن هناك تراجعات في المشهد الثقافي العربي، ولم تعد الثقافة ضمن أوليات الشعوب العربية ولا أوليات الحكومات، وهي جزء من أزمة الوعي العربي المعاصر، فقد تراجعت معدلات القراءة، والإقبال على الفنون الرفيعة، وطغيان الحياة السريعة، وأجهزة المحمول والحاسوب، وأصبح من يقرأ يريد نصوصا قصيرة سهلة، كما انتشر التسطح وهذا ما نراه في المنتج السينمائي والمسرحي والمسلسلات والأغاني. ولكن هذا لا يمنع من وجود تجارب إبداعية جادة في كل هذه المجالات، وتلك هي القضية التي ينبغي أن نؤكد عليها.
وإذا انتقلنا إلى المشهد في مصر، فإنه جزء من المشهد العربي، وإن كانت مصر كانت وستظل لها مركزيتها الثقافية، بحكم أسبقية نهضتها، ووجود مؤسسات ثقافية وفنية وإبداعية كبيرة فيها، بجانب الثقل في المنتج الإبداعي والعلمي. وأرى أن هناك أجيالا جديدة تبدع في شتى المجالات، وهذا مؤشر قوي، ولكن الأمر يحتاج إلى دعم المؤسسات الثقافية الرسمية، وأيضا وجود مبادرات وبرامج لدعم المبدعين والموهوبين، ونشر إنتاجهم، وهذا يصدق على مصر وأيضا على العالم العربي.
أما شروط النهضة في رأيي هي ثلاثة: إفساح المجال للحريات دون كبت أو رقابة، وإيجاد دعم دائم يتمثل في التمويل المالي، والتعريف الإعلامي، وأخيرا وجود حركة نقدية مواكبة وفاعلة ترصد وتحلل وتقيم وترشد. فلا إبداع دون حرية، ولا إبداع دون دعم، ولا إبداع دون نقد، وللأسف الجهود النقدية لا تجد دعما، ولذا، تصدر مئات الكتب ولا تجد من يناقشها أو يكتب عنها نقديا ويعرّف بها.
جدير بالذكر أن مفهوم المركزية الثقافية لم يعد قاصر على العواصم التقليدية مثل القاهرة وبيروت وبغداد، بل اتسع مع تطور الاتصالات الحديثة، وبزوغ كثير من المبدعين في أرجاء وأقطار العالم العربي، وهو ما أوجد زخما حضاريا وثقافيا كبيرا، وأشيد هنا بالمغرب العربي، وقد قرأت كثيرا من جهود مبدعيهم ونقادهم ومفكريهم، وهي تعبر عن نهضة كبرى، لها مكانتها في المشهد الثقافي العربي المعاصر.
وأؤكد في هذه النقطة أن الفضاء الإلكتروني تخطى المركزية بكل صورها، فيكفي للمبدع أن ينشط إبداعيا، وينشر إلكترونيا، ويجعل له موقعا، ويتواصل مع القراء لكي ينتشر ويحقق تواجده، بشرط أن يجوّد إبداعه، ويواصل قراءاته.
سؤال:
5 – سؤال يرتبط بما سبق: ما هي الرهانات التي يراهن عليها النقد العربي ما بعد الحداثة؟
وهل لكم أن تحدثونا عن الرواية خاصة ما بعد الحداثة؟
جواب:
أفرز فكر ما بعد الحداثة كثيرا من الرؤى والأفكار، وهي بمثابة مراجعة نقدية شاملة لفكر الحداثة ومناهجه، حيث صوبت ما بعد الحداثة سهامها إلى مركزية الفكر الغربي واستعلائه على الحضارات والثقافات الأخرى، خاصة أنه ارتبط بفترة الاستعمار الغربي لعالمنا العربي والإسلامي، فجاءت حركة ما بعد الحداثة ساعية لكشف التعصب والتعالي للفكر الغربي وفلسفاته، وتعترف في الوقت نفسه بالثقافات الأخرى. وهو ما انعكس على الفن الروائي، فلم يعد هناك أحادية فكرية تؤطره، كأن ينتصر للفكر الاشتراكي أو الليبرالي بوصف أحدهما حلا وخلاصا للإنسانية، وإنما هو يعرض الفكر بوجهة نظر قابلة للنقد، بل إن هناك روايات تنتقد مختلف التيارات الفكرية التي ملأت الحياة الثقافية العربية في منتصف القرن العشرين وإلى نهايته، وساهمت بتقديم مراجعة جادة وواقعية لها. هذا على مستوى الطرح، أما على مستوى الشكل فإن رواية ما بعد الحداثة العربية، جاءت ببنيات سردية جديدة، فظهرت الأصوات المتعددة، والبنية المتشظية في الزمان والمكان، وغاب السارد العليم، لصالح وجهات نظر سردية متعددة، كما طرحت أسئلة كثيرة عن الهوية وعن أزمة الإنسان العربي، مثلما تناولت التاريخ بوجهات نظر ناقدة، ومتشككة في الروايات التي وصلت إلينا، وصارت تقدم تاريخا بديلا، بعيدا عن المرويات الرسمية.
ولذا، أقول إن الروائي لابد أن يكون ذا فكر ورؤية، حتى يقرأ بها العالم من حوله، ولا يسقط في إسار الأفكار السائدة المسطحة، فلا يوجد روائي متميز بدون فكر عميق، هذا الفكر لابد أن يكون إنسانيا ذا قيم رفيعة سامية، ولابد أن ينتصر للحريات، ويقف ضد القهر، ويحارب المظالم، لا أن يروّج للرومانسيات المصطنعة، ويمعن في تصوير المشاهد الساخنة، أملا في جذب القارئ.
سؤال:
6 – من وجهة نظركم كناقد ما هي المواصفات التي يجب توفرها في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟
جواب:
لابد للعمل الإبداعي أن يكون ملتزما بالشروط الفنية لكتابة الشكل الأدبي، فالشعر لابد أن يكون ملتزما بالوزن والقافية إذا كان عموديا، أو تفعيلة، حسب بنية النص في كل شكل، وأيضا قصيدة النثر لها شروطها الفنية، وللأسف كثير من شعراء قصيدة النثر لا يعون هذه الشروط. ونفس الأمر على القصة والرواية، كلها لها شروط فنية. ويكون السؤال: كيف يعرف المبدع هذه الشروط؟ والإجابة ببساطة وهي أنه لابد أن يقرأ كثيرا كثيرا، ويتشبع بالشكل الإبداعي إلى الثمالة، وساعتها ستستقر الشروط الفنية في عقله ووجدانه، فإذا اطلع عليها في كتب النقد يكون واعيا لها. والنموذج على هذا ما كان يفعله الشعراء العرب في الجاهلية، حيث كان الشاعر الناشئ يلزم شاعرا مخضرما ضليعا، فيحفظ عنه، ويتعلم منه، وينشد على يديه، ومن ثم يبدأ في الاستقلال الإبداعي، فينشئ شعره بناء على ذلك.
وجدير بالذكر في هذا السياق أن ظاهرة الأستاذ تغيب تقريبا عن الساحة الثقافية العربية، فلا يجد الناشئون أساتذة تعلمهم، وتثقفهم وترشدهم، وتنقدهم، وهذا سبب الضعف الإبداعي الواضح. بل إن هناك مبدعين تعملقوا وظنوا أنفسهم كبارا، وعندما نقرأ إبداعاتهم نجده أقل من المتوسط، والسبب في ذلك غياب النقد الجاد لهم، وأيضا غياب الأستاذ المعلم الذي يجب أن يتتلمذ عليه المبدع.
ولذا، أنادي بأعلى الصوت، لكل المبدعين، لابد من عودة ندوة الورشة النقدية، التي يجلس فيها المبتدئون مع ذوي الخبرة والإبداع، فيتعلمون منهم مباشرة، وتوضع نصوصهم على الطاولة، للنقاش والفحص والإرشاد.
لقد غابت ندوة الورشة النقدية، التي تربينا علينا في أندية الأدب في مصر، وتم استبدالها بالمديح والمجاملات على الفيس بوك، وفي المنتديات الإلكترونية، وكلها لا تصنع مبدعا بأي شكل، وإنما تصنع شخصيات تتوهم أنها مبدعة.
سؤال:
7 – أستاذي الفاضل لكم عدة مؤلفات تهم المسرح منها: “التحيز في المسرح العربي، قراءة في الجذور والنشأة والنصوص والتجارب”، و” مقيم شعائر النظام ” مسرحيات، و” أمطار رمادية ” مسرحية، ” سوق الكلام ” مسرحيات، و كما لكم عدة دراسات تعنى بالمسرح.
بصفتكم مهتما بهذا الشكل الأدبي: هل تقرون بأزمة المسرح في الوطن العربي مقارنة بالإنتاج السينمائي. وإلى ما يعزو الناقد هذه الأزمة إلى النص؟ أم الإخراج؟ أم الممثل؟ أم الجمهور؟ أم الجهات المسؤولة عن الثقافة في اوطاننا؟ وهل يمكن القول أن المسرح يعيش فترة انحطاط؟ أم تعتبرون ما يقع بداية واعية لنهضة مسرحية تواكب ما نراه من تطور في باقي الإبداعات الاخرى؟
أزمة المسرح العربي ببساطة جزء من أزمة المشهد الثقافي العام، فازدهار المسرح يتطلب حريات، وتمويلا، وعملية نقدية، ويضاف إلى ذلك وجود مسارح أو قاعات يمكن تقديم المسرح فيها. وإن كانت هناك أشكال عديدة في المسرح لا تشترط المسرح وفقا للشكل الإيطالي (العلبة الإيطالية)، فهناك مسرح الشارع، ومسرح الغرفة، والمسرح السردي، والمسرح الحكائي، ومسرح السامر، وكلها أشكال مسرحية من تراثنا العربي، يمكن إحياؤها، وستكون غير مكلفة، أو تكاليفها محدودة.
المهم في هذا كله، أنه لابد من وجود مساحة كبيرة من الحرية، ليبدع كاتب المسرح، وينتقد الواقع والمجتمع، وينطلق الممثل يعبر عن النص المكتوب بكل حرية، مع الالتزام طبعا بالقيم والأخلاق والسلوكيات.
صحيح أن هناك أدبا مسرحيا مكتوبا، ولكنه يظل محدود الأثر، ما دام لم يجد حظه من التمثيل والأداء المسرحي، وهناك مئات النصوص الجيدة، التي لم يجد مؤلفوها فرصتهم للعرض المسرحي، خاصة بعدما غاب التمويل الحكومي أو ضعف، وانعدم المسرح المدرسي، وضعفت الفرق الأهلية، فلابد من نهضة مسرحية جديدة.
على جانب آخر، فإن لدينا طاقات هائلة من الممثلين الموهوبين، ناهيك عن المخرجين والسينوغرافيا، وكثير من هؤلاء يعتمدون على تمويلهم الخاص من أجل التواجد، في ظل غياب الدولة والدعم هنا. ولكن أجد طاقات من الأمل أمامنا، تبدو في عالم الإنترنت، حيث يمكن لهؤلاء الممثلين ومعهم المخرجون أن يسجلوا أعمالهم وينشروها على الإنترنت في اليوتيوب أو المواقع الإلكترونية الخاصة، والأمر يحتاج إلى دأب وصبر، وإبداع وعطاء، وغير مكلف.
سؤال:
8 – دكتور لكم: ” سفينة العطش ” مسرحية للطفل، و” لكل جواب قصة ” مسرحيات للأطفال. و” على متن محطة فضائية” رواية للأطفال. أستاذي الفاضل الكتابة للطفل تتطلب مجهودا، ووقتا نظرا لصعوبة الكتابة لهذه الفئة العمرية، لو تفضلتم ماهي العراقيل والمتعة التي تجدونها أثناء الكتابة للطفل؟
جواب:
الكتابة للطفل إبداع ليس سهلا، لأنه يتناول شريحة عمرية تحتاج لمن يقترب منها، ويفهم عالمها، ويعرف قاموسها، ويدرك أيضا احتياجاتها النفسية والمعرفية والفكرية. فالكتابة للطفل ليست تصغيرا لعالم الكبار، أو تبسيطا للمعلومات، أو مواعظ مباشرة تنفّر الطفل منها. وإنما هي فن بديع، يحتاج لموهبة خاصة وفذة أيضا.
وقد تطورت فنون الطفل العربي في العقود الأخيرة بشكل ملحوظ، بعد ظهور القنوات الفضائية الموجهة للأطفال لشرائح مختلفة لأعمارهم، وظهر جيل جديد من المبدعين الذين يصوغون الأغاني والموسيقى والدراما وأفلام الكارتون وأفلام التمثيل، بجانب وجود عشرات من مجلات الأطفال.
ومن خلال تجربتي في أدب الطفل، أجد نفسي استفدت كثيرا، وأنني في حاجة إلى المزيد من القراءة والتعمق، ومداومة الكتابة، من أجل مزيد من الخبرة والقربى من عالم الأطفال. وفي هذا الصدد، أقترح إنشاء كراسٍ خاصة لأدب الطفل في الكليات، تبتعد عن أدب الكبار، وتختص بفنون الطفل وعالمه، وتقدم معرفة أصيلة ومكثفة لمبدعي الطفولة، فللأمانة هذا الجانب غائب عن الحركة النقدية العربية، ألا وهو وجود عملية نقدية وتقويمية في أدب الطفل، ترشد المبدعين، وتتعرف على هموم الطفل، وتساؤلاتهم، وتوجد كتبا إرشادية للمبدعين.
صحيح أن هناك دراسات وكتب هنا وهناك، ولكنها متناثرة، وتعتمد على الجهود الفردية، أما مرحلة الدراسات العليا، فلا يوجد تخصص مباشر في أدب الطفل وفنونه المرئية والمسموعة والمرسومة.
سؤال:
9 – السخرية من الواقع الاجتماعي والسياسي حاضرة بقوة في أغلبية النصوص التي تعرض على المسارح العربية. إلى أي حد تكون السخرية في العمل المسرحي ناجحة في امتصاص غضب الجمهور، وتحويل الواقع برمته إلى سخرية؟
جواب:
السخرية فن عظيم، يعتمد في الأساس على مفهوم الكوميديا في المسرح، والذي يعني نقدا اجتماعيا وفكريا للواقع. وأرى أن جزءا من رسالة المسرح والسينما هو الترفيه، فلا يمكن أن نظل نشاهد مسرحيات أو أفلاما تبكينا، أو هي فنون جادة، فنحن نحتاج إلى جرعات من الضحك من أجل الترفيه. ولذا، فإن أية حركة سينمائية في العالم، هناك جزء من إنتاجها كوميدي، وجزء خاص بالحركة أي أفلام الأكشن، وجزء ثالث خاص للأفلام الجادة، والأخيرة لا تحقق أرباحا تذكر، وإنما يعتمد المنتجون في تمويلها على أفلام التسلية والترفيه.
فالسخرية والضحك مطلوبان في المسرح وبقية الفنون، ولكن لابد أن تكون مفعمة بالقيم، مؤسسة على الأخلاق والسلوكيات الحسنة، لا أن تتحول إلى نكات يتبادلها الممثلون مع الجمهور، أو تكون نصوصا تافهة سطحية يكون الضحك فيها مفتعلا أي ثقيل الدم، ولنا أمثلة رائعة في عالم الكوميديا الهادفة مثل مسرح محمد صبحي، وفي السينما أفلام أحمد حلمي، وكلاهما يعتمدون على الكوميديا الراقية العذبة.
شكرا لك أختي الفاضلة، وفقك الله، وتشرفت بالحوار معك.
شكرا لكم أستاذي الفاضل، وفقكم الله في مسيرتكم.
حاورته الروائية أمنة برواضي ( المغرب )

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق