شؤون ثقافية

تباً للفقراء

اجتمع الغلاء مع البلاء في أرض كانت تدعى سوريا، قال الغلاء للبلاء بعد التحية و السلام:
كيف أحوالك يا أخي؟ تبدو مجهداً شاحب الوجه و يداك ترتجفان، خيراً ماذا يجري معك؟
تنهد البلاء و أسند ظهره إلى حائط آيل للسقوط، قال بحرقة و ألم:
ماذا أقول يا أخي؟ ما هذا الشعب العنيد الذي قهرني و فلَّ الحديد؟ صار لي عقود خمسة أضربه في كل الأماكن الموجعة و لم يصرخ بعد!
لا ابنتي “الكوليرا” أوجعت السوريين، و لا ابني “التيفوئيد” فعل، ما تمكن منهم سوى ابنتي الآفة “انفلونزا الضمير”* التي شلّتْ ضمائر العالم.
ماذا أقول أنا يا أخي؟ منذ أن كان كيلو اللحم بأربع ليرات في أول السبعينيات و أنا أحاصرهم مع أعواني “الحيف و الجور و العَسَف” و نرفع الأسعار حتى صارت علبة السردين بألف ليرة سورية و مئتين.
تخيل أنني جعلت ثمن قرص الفلافل بخمسين ليرة سورية اليوم، و ما يزالون يرفضون الصدقة و لا يغضبون!.
ما هذا العناد يا ربي؟
رفع البلاء ظهره عن الجدار المزعزع، أمسك بيد الغلاء و قال له:
يبدو أن حديثنا سيطول و خيبتنا أطول، هيا بنا نبلل ريقنا بكأس شاي بال-ينسون و ننسى، صاحبنا “القهر” افتتحَ مؤخراً “قهوة و مطعم الانبطاح” بالقرب من تلك المدرسة المهدمة، هيا بنا ندردش معه و نسمع منه ما يسر خاطرنا بينما نحتسي القهوة و الشاي.
فكرة جيدة يا أخي، لكنني أخشى من ارتفاع الأسعار.
صفَرَ البلاء بفمه مدهوشاً، ثم قال:
يا للعجب يا أخي، و الله أمرك غريب! أنت أبو الأسعار و الدولار، كل شي يرخص لك و تخاف من ارتفاع الأسعار؟ ماذا أقول أنا المفلس الختيار؟
أخشى عليك ألا تتمكن من دفع ثمن الشاي، ألم تدعُني على حسابك يا أخ أم ستتنصل من الدعوة؟
تابع البلاء سيره بعد توقفه لسماع الغلاء، جذبه بلطف إلى الأمام، و قال متبسماً:
بلى، الدعوة قائمة و على حسابي و الأسعار نار ، لكن أخانا “القهر” صاحب المقهى لا يأخذ مني أي قرش.
تفضل يا أخي، هيا بنا، اِمشِ.
…………………………………………………………………….
داخل مقهى الانبطاح كان ثمة طاولات يجلس إليها “أشباح” في هيئات بشر، طاولة قرب النافذة العريضة المكسورة الزجاج عليها خمسة أشباح بثياب مبرقعة، و طاولة باتجاه القبلة عليها سبعة أشباح بثياب فضفاضة تصل للأقدام، و طاولة في الركن الشمالي الشرقي عليها بضعة أشباح بثياب ملونة و قمصان بلا أكمام، و في الوسط طاولة صغيرة يجلس إليها شبحان عاشقان بلا ثياب، لكن مع كمامات على الفم و العورة.
جال الأَخَوَان “بلاء و غلاء” بصريهما في أرجاء المقهى، وجدا طاولة شاغرة قرب ركن تجهيز الطلبات، انبطحا عليها قبل أن تحتلها الأشباح، شاهدهما القهر صاحب المقهى فسلم عليهما من وراء البار، حياهما مبتسماً و قال:
يا مرحبا بكما، أهلاً و سهلاً شرفتما المكان. لحظات و أكون بين أيديكما.
امسح الطاولة يا ولد.
هرع “صبي القهوة” إلى الطاولة يمسحها و ينظف منافض الدخان، يجلب كاسات الماء و لا ينفك عن القول ببلاهة: أهلاً و سهلاً بضيوفنا الكرام.
خرج المعلم السيد “قهر” من وراء البار، اقترب من طاولة الأخوين بلاء و غلاء، صافحهما و جلس معهما، بادرهما بالسؤال التقليدي:
كيف الأحوال، و ما أخباركما؟
سارع الغلاء بالجواب قائلاً بنبرة لا تخلو من الامتعاض:
بخير و بعض التذمر. لكن أخي البلاء كثير التذمر!
حدّقَ القهر في وجه البلاء المتغضن الكئيب، سأله:
أهذا صحيح يا أبا الريح؟ ابنتك “الكورونا” لم تبقِ أحداً مليح، فلماذا التذمر و الجحود؟
هز البلاء رأسه موافقاً، جرع رشفة ماء ثم قال:
نعم صحيح، و ابنتي الكورونا لم يسلم من شرها أحد إلا هؤلاء السوريين المستهترين، بالكاد قضت على بضعة مئات!
و حياة جدي الطاعون لقد أصابوني بالجنون.
أردف الغلاء قائلاً:
نعم و الله كلامه صحيح، يا أخي حاصرتُ الشعب السوري مع أولادي “ضغط و طمع و استغلال و حرمان” و لم أفلح في جعلهم يحتجّون!
تأوه القهر و شهق بعمق، ثم أشعل سيجارة “حمراء طويلة” و قال:
ماذا تشربان يا أحبتي قبل أن يأخذنا الحديث و ننسى؟ أو هل أنتما جائعان؟
نظر الأخَوَان في لائحة المشروبات و المأكولات و التسالي، قال الغلاء:
ماذا عندك غير” مسقّعة القهر” و حساء “الذل” و شراب “الخنوع”.. تبدو القائمة قاتمة جداً و مؤلمة و حزي… ؟
قاطعه الأخ بلاء و أضاف:
صحيح يا رجل، أما عندك مقبلات مفرحة مثل فتّوش “حرّاق البلد” و كعكة “هادم البنايات” و شراب “مفرّق الأحباب” أو تنبولة** الزعبرة و الرياء؟
فرك القهر يديه و رفع كفيه نحو السماء، قال متأسفاً:
كان عندي سحلب “الصبر” و شاي بالمسخ إضافة للشاي بال-“ينسون” و نرجيلة “معسعس بالتفاهة” و حلوى “الحلم و السلوان” و شاورما الخوف و طاجن “المجالدة بالجلود”… لكنها نفدتْ كلها، الطلب على سحلب الصبر فاق قدرتي و يكاد يقهرني!
يا للهول، ما هذا السحلب الغريب؟
قال الأَخَوَان معاً، ثم نهضا معاً كأنما مسّهما تيار كهرباء عالي الفولت.
ضحك القهر و شد كل منهما بيد، قال مواصلاً الضحك:
هههههه .. هههه.. الصبر يا سادتي شغلة عجيبة، لا ينفع معه البلاء و لا الغلاء و لا القهر و لا الحلو و لا المر، سحلب الصبر هزمنا جميعاً و بقي شعب سوريا متفائلاً مفوضاً أمره لله.
لطالما تساءلنا:
تباً للفقراء ألا يغضبون؟
تباً للفقراء، متى يصرخون؟
متى ينتفضون؟
لكن مع الصبر لا صراخ و لا غضب و لا احتجاج و لا هم يحزنون!.
………………………………………………………………………….
من بعيد و بعد سكوت المدافع و طبول الرقص على الطوابير، تناهى إلى سمع الأخوة الثلاثة و رواد المقهى الأشباح صوت شجي خافت يغني:
بيقولوا زغيّر بلدي،
بالغضب مسوّر بلدي،
الكرامة غضب،
المحبة غضب،
و الغضب الأحلى بلدي!
خرج الجميع مذهولين من المقهى و الخرائب المحيطة به باتجاه صوت الغناء، و هناك من كومة ركام مدرسة الحي الابتدائية القديمة خرج فتية بعمر الورد غاضبون، شمروا عن سواعدهم و أزالوا الركام و الأنقاض و الحطام، حاملين معاول التشييد و البناء، يرددون بصوت قوي واعد خلف الفتاة “أمل” ذات الصوت الغاضب الواثق الشجي:
… الكرامة غضب
المحبة غضب
و الغضب الأحلى بلدي***
……………………………………………………………………………..
جهاد الدين رمضان
في فيينا ٢٧ حزيران/يونيو ٢٠٢٠
*انفلونزا الضمير: عنوان مسرحية للفنان السوري الحلبي المرحوم عبد الرحمن عيد، عرضها في دمشق قبل وفاته عام ٢٠٠٧ بمشاركة الفنان الكبير زهير عبد الكريم.
**تنبولة: تحريف لكلمة (تبولة) و هي أكلة من المقبلات السورية المشهورة، قوامها الخضار و التوابل مع برغل ناعم قليل. و في النص مقصود بها (التنبلة) أي الكسل الشديد مع اللامبالاة. و المسقّعة نوع من الخضار (مثل الباذنجان – الكوسا – القرع – البامية…) مطبوخ بالبندورة و الزيت أو باللحم. الفتّوش طبق مقبلات سوري مشهور يكثر تناوله في شهر رمضان، قوامه قطع خضار خشنة مع التوابل و الحمض بالثوم و الزيت مضافاً إليه الخبز المحمص.
***مقطع من أغنية بيقولوا زغير بلدي: أغنية وطنية للسيدة فيروز من كلمات و ألحان الأخوين رحباني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق