شؤون ثقافية

قصّتان / قصّة قصيرة

قصّتان / قصّة قصيرة
 
عبد الواحد السويح
 
 
1- رؤيا ونصف
 
معفّرٌ أنتَ يا صاحبي والحقيقةُ تحتضرُ والمكانُ لا يدعو إلى التّواصلِ. هبّتْ نسماتٌ خجلى من الخارجِ تبحثُ خلسةً عن خياشيم تتنفّسُ. كان قد بدأ مؤتمر برلين وكان هذا الحلم يرسل ذبذباتٍ ميتافيزيقيّة من خلف البحرِ…
من خلف البحر.
واتلُ عليهنَّ النّبأَ الشّبقيَّ إذ جلستْ كلُّ واحدة على أربعٍ تنتظر دورَها وصدرُك يعلو وينخفضُ. رأيتَه مختالا، كان المشهد مثيرا، لا شكّ أنّه كان أميرا في قصر الحمراء قبل أن يهوّدَه أبواه.
 
غسل يديه وجيء بالطّعام… هنيئا مريئا حتّى مطلع الفجر.
 
“مظفّرا كنتَ ومازلتَ ومن شعب مختارٍ، يهوه، تقدّستَ، اسمحْ له أن يمزجَ دماءه بيننا”. صلّين وغسلن أيديهنّ قبل أن يلتقينَ به على المائدة طمعا في إرضائه.
 
“والحمامات لا تأتي من بيض بلا ذكر” قصدنْهُ فأعرضَ، إنّهنّ لا يعرفن قداسةَ السّبت.
 
النّافذة مفتوحة للنّسمات الحمراء. ألقيتَ النّظرَ. من الماء إلى الماء خطوط كثيرة كثيرة كثيرةٌ. لا بدّ أنّكَ قلتَ شيئا في نفسك. اطمئن، لم يسمعكَ.
 
“البحرُ أمامكنَّ والعدوّ وراءكنّ، إن كنتنّ ضمآناتٍ أو قذرات فلا بدّ من استغلال الفرصة، فتقدّمنَ لتروينَ وتتطهّرنَ و، إمّا إذا ما رغبتنّ في التّغيير الجنسيّ، فاستدرنَ إلى الخلف”.كنتَ تفكّرُ.
 
كيف سينتهي المجلسُ ولم نبدأ بكان يا ما كان؟ وكيف ستتخترقُ صمتَكَ وصمتَه؟ كلّما يُضمر أشياءً إلاَّ وتَضمر والنّسمات تصبح في لون اللّهب وحينما اشتعلتْ كنتَ قد اختفيتَ
آه!
آه!
استعوذتَ وبصقتَ ثلاث مرّات على يمينك… يغزوكَ الظّلامُ من جديدٍ
من جديدٍ
أمّكَ مريضة بأسنانها ترتجفُ. إنّها علامة الموت.
 
“ليلة الجمعة سنشعل الشّموع في سيدي موسى، شا اللّه يا مغربيّ!”
 
تضرّعتَ، تضرّعنَ والظّلامُ يشعّ من النّوافذ. تسقط الأسنان على الأعلام الخضراء، ترقّص النّسمات الشّموعَ فتتهاوى ظلال النّساء. كان الصّباحُ.
 
2- اللّوحةُ الخالدةُ
 
مدّثّرٌ أنتَ يا صاحبي والنّساءُ من حولكَ وعلى رأسكَ امرأةٌ حزينةٌ تدعى أمّكَ. لا شكّ أن هذا الاسمَ ليس غريبا عنكَ. قالت زائرةٌ:
– مسحورٌ يا كبدي، لعن اللّه الشّيطان.
وقالت أخرى:
– وجاه سيدي موسى من الحبّ!
– ينسابُ إلى حجرتكَ عزفٌ أندلسيٌّ. هلّلت الأمُّ الحزينة:
– ها قد جاء رفيقه، الآنَ سينهضُ.
 
معطّرٌ أنتَ يا صاحبي والحقيقة تعتكفُ والمكانُ يدعوكَ إلى المخاض وهذه معزوفتكَ الملهِمة تلتهمُ عزوفَكَ… هبّت نسمات ذكيّة من بخور امرأة حزينة تبحث في تحدٍّ رماديٍّ عن مواقع الشّيطان فيكَ. كانت أدوات الرّسم أمامكَ
أمامكَ
تنطلقُ الخطوط الخضراءُ من بحرين نحو قوس قزح. تتصارع معه/ يتوتّرُ العزفُ/ يحتدم الصّراعُ فيتصلّب ماء البحرين ويتحوّل إلى قطعة جليديّة واحدة تدفع خطوطكَ إلى الأعلى/تمرّ ساعة من توقيت جهنّم/ يا إلهي! الصّراع ينتهي، يسقط قوس قزح وتتلاشى خطوطه الفاقعة بعيدا بعد أن راوغه الجليدُ/ العزف الآن في منتهى الرّوعة/ في الرّكن الأيمن تسحُّ النّجمة القطبيّة الدّموعَ فيتأثّر الغيمُ لذلك ويتّجه إليها، في الرّكن الأيسر تطلّ أمُّكَ بوجهها الموشّم وأسنانها النّاصعة.
 
إنّها لوحة خالدة لم أتمالكْ وأنت تنهيها عن البكاء. أيّها اارّفيق كنتُ متأكّدا أنّكَ تعيش حالة هوس، انخطاف، يعقبها إبداع كبير. فلازمتكَ وبقيتُ أنصت لك وعنكَ، وها إني أتمّ أيضا بعد أن استحضرتكَ بعض الكتابة منكَ عنكَ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق