شؤون ثقافية

سماء الشعر صافية بلا ضباب

سماء الشعر صافية بلا ضباب
بقلم: د. محمّد البـدوي (تونس)
وأنت تقرأ بانتباه مخطوط ناهد الشمري “سماء لا تنكر إلا زرقتها” تستبد بك نشوة تدفعك إلى قراءة المخطوط ثانية وثالثة، وتعود إليه مشتاقا فتُقْبل عليه وكأنّك لم تقرأه من قبل. أيّة متعة هذه التي تهزّك، وتدفعك إلى الوقوف على حافة الوجود متأملا ومتألما في آن. كيف يمكن لكلمات شاعرة شابة أن تفعل فيك هذا الفعل وأنت الذي تمرّست بمئات الدواوين وآلاف القصائد؟
أي شيطان شعر ينفخ في كلمات ناهد الشمري حتّي تستقيم نصوصا شعرية مختلفة عن المألوف من القصائد، وحتى تحتوي كلّ هذا المهرجان من الصور والمجازات، وتختزل حكمة الكهول والشيوخ بعيدا عن منطق الوعظ والتوجيه؟
إن سماء الشاعرة لا تنكر إلا ما هو بديهي (زرقتها) وهذا فاتحة الاستغراب والتعجب.
إن قارئ هذا الديوان يظل يبحث عن تفاصيل مرجعية تساعده على التقبّل واستيعاب النصّ وما جاوره، فلا يظفر إلا بالقليل الذي قد يمثل بصمة توقيع الشاعرة حتّى لا يفلت نصّها من زمانه ومكانه:
ليس للأرض ذراعان تكفياني /هي ساعة أو تزيد /كان الفرات شاهدا / حين انهمرت على ظهره لوعة الشمس
وليس غريبا أن يفهم القارئ بالقوة ما تضمره الشاعرة في قولها :
فنحن قوم أنبتتنا الدماء / طلعنا كان مماويل وموتنا / موبوءة أرضنا بالكرامات/ ننتقل بين حرب وحرب / كمومياء ضلت الطريق إلى المقبرة .
فالعراق الذي عانى ما عانى من حروب متتالية وقصف أصاب كلّ شيء وترك بصماته على الجميع ففاض على ما وصلنا من إبداع هو بعض صدى لما كان من جحيم شبه دائم.
وإذا استثنينا هاتين الإشارتين، وإشارة ثالثة لأرض كور بابل فإن قصائد هذه المجموعة تنتمي إلى فضاء مطلق تعانق فيه قضايا الوجود وهشاشة الكائن منذ الأقاصي الأولى:
تهرب عن ساحات الوقت / تسرق عمرًا لا يُخضعه قانون الزمن / ترتدّ معها الأرض إلى أول تكوينها / لا شيء هناك غير عذرية البداية / تختبئ كعصفورٍ بلَّله الموت
والشاعرة على امتداد القصائد ظلّت تتردد بين ضميرين متقابلين.
أما الضمير الأول فهو المتكلم المفرد يجعلها تحس بذاتها ووجودها:
أخلع عني صدفتي
أبتعد عن أصابع الغيم
أنا والهذيان في حوارٍ عقيم
فأنا المصلوبُ بين الله/ الذي تمضغه أطماعُ المسافةِ/ وبين الشياطين أصحاب الكرامات / أتأرجح في الوقت
كنتُ تلك الفتاة الراقدة على/ ظهر فراشة/ وعندما اقتربتُ من نار حلمي / احترقتْ بساتين الكُروم
أما الضمير الثاني فهو المتكلم الجمع تحتمي به الشاعرة ليعصمها من وحشة الوحدة فتنخرط مع المجموعة:
هكذا نحن / كلماتٌ على قيد الشعر والأماني/ تزدحم عند عتبة الانبثاق/ حروفنا
نصمت / نوجِّه حروفنا إلى داخلنا/ نحدِّث هواجسنا/ نصمت / حين تُستباح طقوس أرواحنا/ تلك التي رسمتْها أجيالٌ من السِّياط،
حين نشعر بالاختناق / نحاول فكَّ طلاسم المشانق/ ومن وحي انحسارنا/ ننسج ثورةً / وعلى جسد بطولاتنا المطفأة / نرتِّب للسياط رحلاتها…/ فلا الموت يقلق امتداد رؤانا / ولا الحياة تمسك بعرَى أرواحنا.
 
وبين الصمت والليل تتحرك الشاعرة بحثا عن حياة جديدة بعيدا عن صخب اليومي والواقع:
نجمةٌ تتدلّى بضفائر الحلم / أرعبتها أرض الواقع
 
ففي قصيدة “صمت” يتحول فعل “نصمت” إلى لازمة تتردد على كامل القصيدة ، فتخرج الشاعرة باستنتاج : الصمت /هذا البوح المهيب / لا يسمعه إلا راسخٌ في الحياة / كل العوالم في داخلنا…/ الصمتُ قوقعتي /أُشرق داخلها لأكون
أما الليل فله امتداد إيجابي تدرك ناهد الشمري قيمته ومعناه:
وقد يُهدي الليل بعتمته حياةً / لنجوم تذوي في صدري.
 
 
إنّ الشاعرة رغم اختلاف نصّها ، لا تكتب من ذاكرة بيضاء بل ذاكرة مكتضّة بالكثير من النصوص وفي طليعتها النصّ القرأني مستفيدة من بلاغته:
لا تسمح لشموس الدنيا أن تزَّاورَ عنها
يتيمًا، حتى مطلع الأمر
أما المجاز فكان فرس الرهان في كلّ القصائد حمّلته من المعاني ما يجعل القصائد كرنفالا من الصور الشعرية يضيق المجال عن حصرها.
ولعلّ هذا المجاز بما وفّره من فتنة التصوير وتعدّد الأبعاد والدلالة يلطّف مناخات الحزن والقتامة التي سكنت القصائد بفعل الحديث المتواتر عن الموت والزمن وضعف الإنسان في مواجهة المصير، إضافة إلى ما يزخر به الواقع السياسي والاجتماعي من كوارث لا تكاد تغادر أرض العراق.
كان بكاؤها لحنًا بلونِ الفيروز/ يسكن شواطئ حزني / كانت دموعي قُبَّرات / يتراقصن للحصاد بين رموشي … حين كنت أرعى الغيم هناك / وأسرق من الأقمار ضحكاتها / فيبتلعها عاشقي المجنون/ ولعًا بالقتلِ والأسرار
 
ومهما تعدّدت المواضيع فإن الشاعرة تحتمي بنصّها الشعري وتعتبره سبيلها إلى إثبات ذاتها، وكيانها لا يتحقق إلا به :
الشعرُ جريمةُ بوحٍ لا أرتقيه / لكن حرفي جريء/ يقفز من بين أصابعي كالضوء/ حوَّلتها المناجل إلى ناي حزين /عشقت الشعر منذ الوجع الأول / أكاد أستشعر بكاءَ قصبةٍ/ قطّعتني الكلمات بوحشيّةٍ/ فكان نزيفي ثرثرةً على قيد الشعر/ عبرت أفقًا للزمن/ تحمل مواكب من الصور/ فكانت قصيدة / وكنت!
 
وتضفي شاعرتنا قداسة على الشعر لأنه موسيقى ونشيد ” لبعض الكلمات طعمُ الموسيقى” ولا تتردد في الاستنتاج والتصريح : فالغناءُ نشيدُ السماءِ
ولكنّ هذا الوعي بالكتابة وقداستها له طعم خاص لأنه صادر عن شاعرة تحسّ بذاتها وتميزها وأنوثتها :
في دوامة تاء التأنيث / غرقت أمنياتي/ تضطرم في باطنها ممنوعات العمر/ ويلٌ للوقت / لا يحمل ترتيل امرأةٍ /تُسقَى من أثداء الغيم يقينًا،
إنّها تحسّ باعتزاز أنوثتها وكأنها تصفّي حسابها مع تاريخ ذكوري طويل عاشته المرأة في النسيان والإهمال والقمع :
كنتُ تلك الفتاة الراقدة على/ ظهر فراشة/ وعندما اقتربتُ من نار حلمي / احترقتْ بساتين الكُروم / ما كانت أُمِّي سوى نجمةٍ / تُرتِّل اسمي تعويذةً للخلاص / حين كنت أرعى الغيم هناك / وأسرق من الأقمار / ضحكاتها/ فيبتلعها عاشقي المجنون / ولعًا بالقتلِ والأسرار/ وها أنا أبصقها بوجه صمتكم /ذاك الذي قطع رأس الفراشة / وأنا على ظهرها /أطارد الحياة.
 
وهذه الأنوثة بقدر ما فيها من اعتزاز مشروع بالذات ، فهي لا تمثل نزعة نسوية بل تنخرط في إيقاع جماعي يذوب فيه التأنيث والتذكير.
إنّ ناهد الشمري تسعى من خلال انخراطها في الكتابة الشعرية إلى نحت ذاتها التي قمعتها الموروثات والتقاليد إضافة إلى تأثيرات الواقع السياسي الذي دمّر العراق وحوّله إلى “وطن ضباب”:
النهرُ مُكتظٌّ بالضفادع التي/ تُمارِس الدعارةَ على أرصفة الموج / تقبل على الضوء بمستحضرات الفرح والنَّقِيق / وأنا أحاول عبوره إليك/ أخيط أوجاعي قنطرةَ دُخَان … فيحملني الماء إليك، بلا أماني/ علامة سؤال ترعبها تباشير الإجابة/ وأنت “وطنٌ” من
ض
ب
ا
ب.
فهل يسعف الإبداع الشعري ناهد الشمري في تجاوز “الضباب” بحثا عن سماء صافية صالحة للغناء والنشيد ، وصالحة للحياة.
7 ماي 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق