شؤون ثقافية

يوم مقتل الإسكندر الأصغر

يوم مقتل الإسكندر الأصغر
 
لاحت السفن القادمة من المحيط الواسع,كانت في البداية تلوح كصناديق صغيرة سوداء تطفو على سطح الماء في الأفق البعيد,سرعان ما كانت تكبر وتكبر لتظهر تلك السفن الشراعية الضخمة باشرعتها السوداء قبل أن ترسو في شواطئ ,حلكو,كانت المسافة بين الساحل وحتى ,هيمو, ثم حتى دوار التمثال في مدخل مدينة ,قامشلو,كله عبارة عن بساط من ذلك الرمل الشاطئي الناعم الحنون الذي تود أن تمشي فوقه لساعات وساعات حافي القدمين وتحس به وهو يدغدغ حواف قدميك ويمر ناعما بين أصابع قدميك لتحس بدغدغة خفيفة تبعث على الحبور والشعور الرائع بالراحة,بينما كانت الغابة الكثيفة لدرجة لا تصدق الممتدة من الفيلات مرورا من وراء حي الكورنيش وصولا الى مشارف مفرق الصوامع في العنترية,أشجارا كثيفة لا يكاد للضوء الشمس أن تدخل الى مجاهلها,في الطرف الآخر كان شباب قامشلو قد حفروا خنادق واسعة عميقة وبنوا أسوار عالية من الخشب على عجل بمساعدة نجاريي المدينة وعمال الباطون إمتدادا الى الحي الغربي وحول ,جامع قاسمو, وبنوا متاريسا على طول الجهة الغربية ووضعوا منجنيقات في المناطق الأكثر ضعفا على مسافات مختلفة من تخوم الغابة الظليلة في حي الكورنيش وعلى شكل قوس غير متجانس حتى أسلاك الحدود والجهة الخلفية من المدينة الى الهلالية وما بعدها,كانت مجموعة من شباب المدينة الأكثر جرأة كانوا قد شكلوا جبهة خلفية على طول الحدود حيث كانت قطع من العسكر العثماني متربصا على طول أسلاك الحدود تنتظر نهاية المعركة ليكون لها نصيبا من غنائم المدينة
 
منذ عقود من السنوات كانت المملكة قد تمزقت بشكل مخيف الى إمارات صغيرة,ساعد الكل على تمزيقها,أطراف خارجية,ممالك مجاورة أشعلت الخلافات وكرست جهودها لتمزيق المملكة وأمراء داخليين آثروا نفوذهم الشخصي وسلطتهم المطلقة على إمارات داخل جسد المملكة,قواد ومتنفذين يحيكون المؤامرات ضد أمراء إماراتهم ليزيدوها تفكيكا وإنقساما لتنتهي بالنتيجة الى حفنة من الإمارات الصغيرة كحجم الكف بلا حول ولا قوة لتكون فريسة سهلة يطمع بها الكثيرون العثمانيون من جهة ,و من جهة أخرى الأخوة الأقوياء الذين حاولوا بسط كامل النفوذ على تلك الإمارت الصغيرةوالمبعثرة بشكل مرعب,الى أن اتت الساعة ليأتي الإسكندر الأصغر بإسطوله الضخم وجيشه الجرار ليرسو على شواطئ بحر ,حلكو,ويعسكر على رمالها الناعمة إستعدادا لدخول المدينة قلب المملكة المشتتة
 
في زمن قريب كان آخر أمير للمدينة قد قتل,قتل بسهم مسموم وهو يشرب القهوة مع أبناءه ومجموعة من الأصدقاء في حوش دارهم,لذا كان على حكيم المدينة أن يأخذ بمهامه ومسؤلياته والذي نصب خيمة له على أطراف سوق الدجاج لمواجهة الخطر الداهم بمساعدة المدينة وشبابها
 
كانت من أولى الأولويات العاجلة لحكيم المدينة بأن أرسل رسله الى جميع أمراء الإمارت المبعثرة من عفرين الى ديركا حمكو
 
أرسل حكيم المدينة على وجه السرعة أكثر رجاله صيتا ونقاءا الى أقاصي البلاد برسالة قصيرة جدا مفادها
 
,الوطن في خطر,
 
إستيقظ ,هوارو,من موته زاهيا بكامل نياشينه ليكون رسول حكيم المدينة الى بلاد عفرين وكوباني وكل ما يليها ,بينما كان ,محمودو, رسوله الى بلاد عامودا و سري كاني,في حين كان ,فهميكو, الرسول الى تربه سبي وديركا حمكو ودشتا هسنا وما يليها,على الرسل أن يقطعوا المسافات والفراسخ بخيول متعبة أن يتجاوزوا الوديان العميقة وجبال عالية وطرق وعرة وقطاع طرق, ولكن كان على الرسل أن يوصلوا الرسالة بأي شكل من الأشكال مهما كانت الصعاب يجب أن تصل الرسالة ف,الوطن في خطر,
 
كانت الأمارات مبعثرة بشكل مزري وعجيب,إمارات بارتيموس المتقاسمة بين ذاتها, إمارات يكيتيموس,إمارات يساريموس,وإمارت يمنيموس,,إمارات وإمارات وإمارات,إمارات صغيرة مشتتة بطريقة مخجلة ومؤلمة,وأمراء يتناحرون فيما بينهم,يدسون السم في طعام بعضهم البعض في سبيل كرسي الإمارة,يتآمرون ويتحالفون مع الشيطان للحصول على مركز متقدم في حاشية الأمير ثم القضاء حتى الأمير ذاته
 
الرسالة يجب ان تصل,تحدث الرسل أنفسها,خيول تقطع المسافات بالسرعة القصوى,تسابق الريح,تسابق الضوء,الرسالة يجب ان تصل قبل فوات الأوان,أميال من المسافة,فراسخ تتأرجح تحت حوافر فرس,هوارو, اللحظات تسيل مسرعة على درع ,فهميكو,المتجه سريعا نحو الشرق
 
الوقت,هذا الوقت الحقير,يبربر ,محمودو,هذا الوقت اللعين,علينا أن نسبق الوقت,اليوم,الساعة, الدقيقة, الثانية,الثانية مثل المقصلة,علينا أن نسبق عقارب الوهم في ساعة الرمل قبل أن تلدغنا وتنكح سلالة الذين خلفونا,تفو على الوقت,يحدث هوارو نفسه في الطرف الآخر وهو يتصبب عرقا من قمة رأسه حتى حوافر الفرس الراكض بأقصى سرعته
 
جرت مناوشات سريعة بين طلائع جيش الإسكندر الأصغر وشباب المدينة الذين إستبسلوا حتى الموت وقاتلوا بشجاعة سوف لن يكتب التاريخ عنها,دارت معارك عنيفة على طريق المطار إبتداءا من الخنادق الأولى وحتى دوار التمثال دارت معارك طاحنة غير متكافئة بالمقابل مع جيش الإسكندر الأصغر المنظم والمدرب تدريبا جيدا ولكن رغم ذلك إستبسل الفرسان الشباب وقاتلوا بعنف قل نظيره في الدفاع عن بوابة قامشلو حتى المساء,وفي المساء كان جنود الإسكندر الأصغر قد نصبوا خيامهم في ساحة التمثال على مدخل قامشلو واشعلوا النار يشوون عليها الأفخاذ الضخمة للعجول التي غنموها من المكان, في حين كان يسمع من بعيد صوت الأمواج الهادئة التي تنزلق على شواطئ حلكو ورملها الرطب لتعود خفيفة الى البحر,بينما في الطرف الآخر للجغرافيا,كان محمودو,وفهميكو و هوارو,يسابقون الوقت,علينا أن نسبق الوقت كل يقول في نفسه
 
الوطن في خطر
 
في وقت متأخر من الليل جمع الإسكندر الأصغر قواده لوضع خطة الهجوم على المدينة التي أبدت مقاومة عنيفة في يومها الأول من المعركة وأوقفت زحف وتقدم جيش الإسكندر الأصغر بدوار التمثال,أشار أحد قواده بأن يفتحوا طريقا لهم داخل الغابة الكثيفة الممتدة من الفيلات والمرور خلف حي الكورنيش دون اصطدام مع أية قوة محتملة حتى يصلوا الى مفرق الصوامع و قناة السويس والأقل حماية ليحكموا حصارا عبر العنترية على داخل المدينة ويخنقوها حتى تستسلم,بينما أشار عليه آخر أن يعبروا عبر مناطق الخنادق الواسعة المتجهة غربا حتى ,جامع قاسمو,وما خلفها ببناء جسور خشبية لعبور الخيالة والمنجنيقات فبسقوط المناطق الحصينة تكون المدينة قد إنهارت واستسلمت,ولكن بعد مشاوراتهم العسكرية توصلوا الى خطة مفادها دخول المدينة عبر ثلاثة محاور,المحور الأول يكون من الآليات الخفيفة والجنود يعبرون نحو الجهة الغربية للمدينة بينما يكون المحور المؤلف من المنجنيقات والآلات الحربية الثقيلة تتجه شرقا نحو مفرق الصوامع ثم العنترية ثم الإلتفاف عبر جرنك نحو حي القدوربك والتقاء المحور الآخر في قلب المدينة بينما يكون المحور الثالث المؤلف من حامية الفرسان الخاصة والفيلة والذي سيكون على رأسهم الإسكندر الأصغر فسوف يخترقون المدينة مباشرة بخط مستقيم وصولا الى حي السريان ليلتقوا المحاور الأخرى في سوق الدجاج
 
الوقت,هذا الوقت اللعين القحب,كان هوارو يخاطب نفسه وهو يمزق صدر الريح بفرسه متجها نحو عفرين,بينما محمودو كان قد مر على عامودا وسري كاني والحسكة وأوصل رسائله الى ممالك يساريموس ويمينيموس في الطرف الآخر كان فهميكو قد أوصل الرسائل الى ممالك بارتيموس ويكيتيموس في تربه سبي وجل آغا ومتوجها نحو ديركا حمكو
 
الوطن في خطر
 
في فجر اليوم الثاني كانت ثلاثة سفن قد إخترقت المدينة وسط غفلة الجميع صعودا عبر نهر جقجق ووصلت مشارف شارع الجسرين والجسر الكبير ولكن رماة السهام الكرد المهرة إستطاعوا أن يغرقوها بمن فيها بسهامهم المشتعلة لهبا ليحرقوها ولتغرق في مياه نهر جقجق العميقة ولتبقى في قعرها الى أبد الآبدين,كانت خطة فاشلة ورديئة من طرف جيش الإسكندر الأصغر,بينما على الجبهات الأخرى كانت المعركة إبتدأت شرسة و إستعر أوراها,منجنيقات جيش الإسكندر ترمي بالضخور الضخمة على المنازل في حي الكورنيش والأحياء المقابلة لها وتقذفها بكتل حارقة وزيوت مشتعلة إرتفع لهب الحرائق في كل مكان وفي الطرف الآخر جرت معارك ضارية بالسيوف والسهام واللكمات والرفسات وإختلطت الدماء بالماء الآسن المتجمع في الخنادق ولكن حتى المساء لم يتقدم جيش الإسكندر الأصغر سوى بضعة مئات من الأمتار داخل المدينة
 
الوقت يقفز كالأرنب ,الوقت يعزف على الأوتار السفلى للبزق,إلوقت محتال كحنجرة صلاح رسول
 
كان فهميكو يعاتب الوقت وهو على مشارف ديركا حمكو
 
في اليوم الثالث وصل هوارو الى عفرين وبعد أن سلم رسائله وقع مغشيا عليه بكامل نياشينه وهو يهلوس في غيبوبته,الوقت,الوقت,الوطن
 
في عصر اليوم الرابع كانت منجنيقات الأسكندر الأصغر قد دكت صوامع الحبوب وسال القمح في شوارع قناة السويس كالماء ووصل حتى فرن,حسن دري, في العنترية والمفرق المؤدي شمالا نحو جرنك,بينما كان الإسكندر قد وصل مع مجموعة فرسان الحماية والفيلة الى مدرسة الصناعة وعسكر امام المركز الصحي لتلقيح الأطفال,في حين كان المحور الثالث قد إخترق كل الدفاعات وجملة شبكة الخنادق ووصل الى الملعب البلدي والفرن الآلي وعسكر هناك
 
كانت المدينة قد حوصرت في منطقة نصف دائرية محاصرة في منطقة تشبه نصف قمر والتي تختزل قلب المدينة وتاريخها
 
طوال اليومين الآخرين دارت معارك دامية وعنيفة في شوارع قامشلو و أزقتها,أصر شباب قامشلو الدفاع عن المدينة حتى الرجل الأخير,فخرجوا يدافعون عنها بالسيوف والسهام والمناجل والمعاول والمطارق وأمواس الكباس,وصلت المعارك في أحيان كثيرة الى حد المصارعة والملاكمة,كانت ثلاثة فيلة ملقاة على الأرض بقوائمها العالية في المساحة المفتوحة بين تسجيلات سوني وفرن ,ساكو, زغردت النساء لرجلاتها الذين كانوا يزدادون حماسا ليعضوا حتى الهواء,ولكن رغم كل ذلك ما كانت ساعات الأولى من صباح اليوم السابع حتى كانت كل الأسوار قد سقطت من العنترية وحتى بعد شارع البلدية ومن أسوار جامع قاسمو ودوار الهلالية وصولا الى تقاطع الإشارة الذاهبة صعودا الى سينما حداد بدأت المعارك الأكثر ضراوة في التاريخ للوصول إلى عمق المدينة وسوق الدجاج,يوم أشبه يالقيامة,قعقعة السيوف وحمحمة الخيول المتعرقة صراخ وعويل طقطقة حوافر الخيول على الإسفلت العاري,فيلة هائجة مذعورة تركض في شوارع قامشلو,والفجل والخس المبعثر في كل مكان من سوق الخضار,في لحظة ما في خضم المعارك المستعرة في كل مكان أصاب سهم قاتل عنق قائد جيش الإسكندر ليسقط ويتمرغ بدمائه تماما أمام دكان ,عزرا اليهودي,كان يلفظ أنفاسه الأخيرة و هو يشم رائحة الزعتر والحبال القديمة والحناء
 
لكن الحدث الأكثر أهمية في هذا اليوم الفاصل في تاريخ المدينة هو وصول الطلائع الأولى من فرسان إمارات يكيتيموس وأمارات بارتيموس وبعدها بساعة رملية واحدة وصل فرسان إمارات يساريموس ويمينموس و فرسان الإمارات الأخرى
 
إلتم شملهم أمام ,مقهى كربيس, عانقوا بعضهم البعض وقبلوا شوارب بعضهم بعضا في هذا اليوم التاريخي وقفزوا فوق كل حروبهم وخلافاتهم الداخلية
 
فالوطن في خطر
 
إنتشر وصول فرسان الإمارات بسرعة كإشتعال النار في البنزين المدعم,مما أدى الى انقلاب المعادلة بأكملها إمتلأ رجال المدينة حماسة ليس لها مثيل واصبحوا يهاجمون جنود الإسكندر بضراوة الكواسر ويعضون إسمنت الجدران يتسلقون الفيلة والمنجنيقات,بينما دب الرعب والذعر في صفوف الجند,في هذا الوقت كان الإسكندر ذاته محاصرا من قبل مجموعة الفرسان تماما أمام مراحيض سوق المدينة,تلك المراحيض المضاءة إضاءة سيئة جدا حيث تلك الرطوبة المقززة ورائحة النشادر والبول الحامض يعم المكان وفي معركة صغيرة لا يجدر الوقوف عليها كثيرا طعنه الفرسان بالسيوف من كل الجهات ليخر صريعا على وجهة بين مزيح الأوحال والبول وروث الفيلة لتكون نقطة الحسم في المعركة
 
حتى غروب ذلك النهار كانت فلول جيش الإسكندر الأصغر قد تقهقرت بشكل فوضوي مخلفة ورائها آلالات الحرب والفيلة المشردة في شوارع قامشلو,تقهقروا الى شواطئ ,حلكو,في معركة خاسرة لن يكتب التاريخ عنها أبدا
 
تركوا خيامهم المبعثرة على شاطئ,حلكو,وركبوا البحر مسرعين ليرحلوا بعيدا الى مدنا بعيدة أبعد من الخيال ذاته
 
عثمان حمو
12,01,2012

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق