شؤون ثقافية

رسالة لأختي سلوى في رثاء ولدها كوران

احببت مشاركتها معكم ، فكلكم تمتلكون فقيداً عزيزاً عليكم و لعلّ ما كتبت يلامس قلوبكم و ما شعرتم به ذات يوم.

لم أعزي اختي سلوى بإستشهاد إبنها (كوران) . اتصلت مرة واحدة معها في مكالمة لم تستغرق سوى ثواني معدودة و تحاشيت تماماً واجب العزاء . كنت أدرك جيداً أن عزائي سيكون بمثابة اللاشيء ، سيكون مثل شجرة يافعة نبتت حديثاً أمام غابة عظيمة لا نهاية لأطرافها . كان صوتي متردد النُطق ، أبحث عن بداية موضوع او سؤال او فكرة لكن هيهات . كان بحثي يصطدم دائما بإسشهاد ولدها فيتجمد مكانه ، لتتحول المكالمة القصيرة جداً لسؤال كيف حالكم ؟ كيف الطقس عندكم ؟ تصبحين على خير . و انتهى الحديث بغصةٍ في طرفيّ المكالمة.

اختي العزيزة ، صاحبة الترتيب الثاني في العائلة التي رحل والدها مبكراً و ترك الجميع في عُهدة والدتنا المسكينة . لكن ، و لأن الأخت الكبيرة هي ام ثانية ، تحولتي لأمٍ لنا نحن اللذين كنا كصغار الأوز . ادرك جيداً انك حصلتي على لقب الأمومة بإمتياز . فالأمومة تكبر مع الكُرديات.
أما و أنا أكتب هذه الرسالة او هذا الرثاء فلا أعرف ماذا اكتب تحديداً ، فرأسي يبحث عن الأفكار و بالكاد يربطها بعضاً لبعض لتخرج هذه الكتابة كأعتذار لكِ او فلنقل ، كواجب عزاء تأخر قليلاً.
لا يصدق الانسان الموت ، او بتعبير آخر ، يطرد الفكرة من رأسه كلما شاءت الظروف او الأقدار تذكيره بها و أنا كنت كذلك مساء الرابع عشر من الشهر العاشر لعام 2019 . لم أجد نفسي بعد سماع الخبر الا و أنا أتمشى في طريق فرعي لغابة ، هكذا أنا ، أهرب للوحدة من ضجيج هذا العالم . كنت أستحضر كل ذكرياتي مع كوران و لأكون صادقا في تعبيري هنا ، كانت ذاكرتي كفيلم يُعرض بحالة العجلة ، فتذكرته عند زواية الشارع و تذكرته و هو يحضر لكِ الجرائد كي تفكي لغز الكلمات المتقاطعة و تذكرتُ كيف صفعته عندما تشاجر مع رجلين و أدماهما . أيا ليت شُلّت يدي . و تذكرته كيف وقف معي في محنتي التي عصفت بي على مدار سنتين . كنتُ كمن يلتقط الذكريات و كأنها نجوم تشعّ ، فأقفز من واحدة لأخرى دون أن أترك الأولى و هكذا لساعات طويلة . طوال كل ذلك الوقت كنت أشك في الموت ، و هنا اقصد ، اني مررت بذات الحالة عند وفاة والدتي . كنت ارفض الفكرة ، اطردها من رأسي بعيداً لتعود الحقيقة صارخة في وجهي.
كيف للموت ان يخطف شاباً في مقتبل عمره ؟
كيف لرصاصة او رصاصتين ان تحول الحياة و الابتسامة و الضحك لوجه خالٍ من الملامح ؟ كان عقلي و لازال يرفض استذكار كوران من دون ملامح . لهذا ، احتفظ بمجموعة من صوره الضاحكة . لا أستسيغ مطلقاً تخيل وجهه الساكن . ذلك الوجه الذي كان يرسل الابتسامات لكل من عرفه.

رجعت للمنزل بعد ساعتين او ثلاثة . تمددت على الاريكة ، فتذكرت كيف كان يتمدد كوران بجانب المدفأة و كيف كان يُعلق على اغنية او فيلم او برنامج و كيف أنه يلوح بيديه عند أنفعاله . لازالت صوت قهقهته يرّن في أذني .
اختي العزيزة ، أمازالتي تنظرين للجريدة من فوق النظارة ؟
أما زال شالكِ الأببض على رأسك ؟
اما زلت تتوسدين وسادتين او ثلاثة ؟
اعذريني لاني أكتب ما أكتب ، لكن ، أجد القوة أكثر في الكتابة ، فالصوت يتردد بالخروج و اعترف بأني لم أود مطلقاً أن اكون في عامودا يومها لاني , لم أكن لأمشي خلف نعش يرقد فيه كوران ، بل كنت سأزور قبره ليلاً و سراً . وكي أعوض هذه الزيارة الليلية ، أزوره في غوغل الذي بات يعرف جيداً كيف يوصلني للمقبرة غرب المدينة.

أختي العزيزة .
لن أترحم على كوران ، فالشهيد لا يُترحم عليه . و لن أقول “البقية بحياتك” لاني اعلم جيداً انك ستمضين ماتبقى لكِ من عُمر في ذكره و إستحضاره.

فليحفظ الله كاوا و اطال الله في عمر والدهما.

ولاط العمري

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق