شؤون ثقافية

الثالثة ودقيقتان فجرا

الثالثة ودقيقتان فجرا
 
إدريس علي
 
تردد كثيرا قبل أن يكتب ما يحصل له ولعائلته، كان قد حمد الله ذلك اليوم مئات المرات لأن ابنه الصغير بسنواته الخمسة نجا بأعجوبة من حادث سير، حين صدمته سيارة دفع رباعي وألقته أرضا أمام باب بيته، تاركة كدمات خفيفة على جسده الغض ووَرما في الجانب الأيسر من رأسه وبقعةً بنفسجية قاتمة تحت شحمة أذنه اليسرى.
حمد الله مئات المرات لأن ابنه مازال حيا، وكان من الممكن أن يخسره في لحظة سهت فيها عينُ ملائكة الرحمة عن حراسته.
كلّ ما مرّ به لم يفقده الثقة والسيطرة على نفسه، بل تحامل على وجع قلبه وأوجاع صغيره حين تعامل مع أهل السائق الشاب في المشفى بكل احترام وود يليقان به.
بقي متماسكا رغم سيل الشتائم التي تلقاها مرارا من ذاته الأخرى التي أنبته في الكثير من المواقف المشابهة على بقائه في هذه البلاد التي “لم تعد تشبه بلاده” رغم الفرص المتكررة التي سنحت له للهرب نحو الشمال البارد.
لكن ما حدث معه في تلك الليلة أفقده كل هدوئه وثباته الزائف، فبعد أن انفضّ عنه ضيوفه الذين توافدوا عليه للاطمئنان على صغيره، صغيره الذي لا يكاد ينجو من فخ موت إلا ويقع في آخر، وكأن الله يمتحن صبره في أولاده، حملَ مع زوجته صغيريهما إلى سطحِ المطبخ حيثُ منامة العائلة صيفاً.
كانت ليلة حارة جدا، يصعب النوم فيها من الحماوة ومن تكاثر البق والناموس، ولا يخفى على أحد العلاقة الحميمة بين الليل الحار والبق، إلا أن عدم وجود الماء في بيته منذ أيام هو ما أقلقه أكثر ، فهذا الأمر كفيل بأن يفتح عليه باب جهنم النكد من زوجته التي ساندته في كل المصائب والمحن طيلة سنوات زواجهما، وتحملت معه كل شيء إلا أمر الماء وفقدانه من البيت.
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل ولا يزال الماء غائبا والأواني والصحون المتسخة مكدسة في المطبخ، لذا آل على نفسه ألا ينام حتى تتكرّم عليه آلهة الأرض بساعة من الكهرباء لعله يستطيع فيها من مساعدة ” دينمو الماء” في شفط ما علق من ماء في أسفل أنابيب شبكة المياه وبذلك يكسب ود أم العيال ويزيح عن قلبها بعض الهم على صغيرها الجريح النائم بعد إعياء.
كان ممددا إلى جانب الصغير، يربت على ظهره كلما تنحنح أو آنّ من ألم رأسه المتورم حين جادت آلهة الأرض بالكهرباء، انسل بحذر من يد الصغير على صدره، ونزل من السطح مسرعا نحو ال “دينمو” شغّله وفتح اللولب الموصول به من الخط الرئيسي لشبكة المياه وبدأ بالشفط.
كان قد اكتسب خبرة في معرفة فنون شفط وسحب الماء، فمن خلال السحبة الأولى يعلم إن كان هناك ماء أم لا، الأنابيب مليئة أم فارغة، لذا أسعده جدا الثقل في فمه وهو ” يشفط” الماء مساندا للدينمو، وما هي إلا تسعُ أو عشر شفطات حتى تدفق الماء. صاح بزوجته أن تبدأ بغسل ما تكدس من صحون وآواني المطبخ، وراح هو يعب صدره بدخان سيكارة أشعلها للتو.
دقيقة، دقيقتان، ثلاث دقائق وانقطعت الكهرباء، وسمع صوت انسحاب الماء من الأنبوب المعدني بعيدا ، شعر بألم في معدته، وبصوت تكسّر شيء ما في صدره.
قرفص في الممر المعتم، مسندا ظهره المتعرق إلى الحائط الساخن وراح يلحم ما تكسّر في صدره بدخان سيكارته. جاورته زوجته دون تأفف هذه المرة، بل أخذت من يده سيكارته المبتلة وعبت صدرها بدخانها، تلحِم هي الأخرى كسرا داخلها.
دقائق خمس وعادت المنحة الإلهية من جديد، الكهرباء، وهدر صوت الدينمو من جديد، توجّهت الزوجة بدلا عنه نحو الأنبوب لتسحب الماء وتركته يستلذّ برائحة التحام كسور صدره. لكن لا ماء، ضحك بصوت عال وتقدّم نحو الأنبوب المعدني وأزاح زوجته بلطف وبدأ هو بالسحب والشفط ، ماء حار ملأ جوفه، لكنه لم يتوقف، شعر بثقل في كيس معدته، ولم يتوقف، عشر دقائق أو تزيد مرت وهو يقاوم، وأخيراً تدفّق الماء.
توجهت الزوجة إلى المطبخ وهو إلى السطح حيث ينام أطفاله.
دقيقة.. دقيقتان.. ثلاث دقاق وانقطع هدير الدينمو مع انقطاع الكهرباء من جديد.
الساعة في هاتفه تشير إلى الثالثة ودقيقتين فجرا، نزل إلى الأسفل، كان يعلم أن زوجته ستفقد أعصابها، اقترب منها من الخلف وحضنها طابعا قبلة على رقبتها، فشعرت بقشعريرة سرت في قلبها ولم تردعه. بقيا هكذا للحظات كانت عبرات كليهما تسقط نحو جوفيهما مصدرة صوتا يشبه كثيرا صوت تساقط الألم.
عادت الكهرباء من جديد، وهدر صوت الدينمو ببحة عميقة، ومن دون الهمة السابقة توجه نحو الأنبوب وبدأ بالسحب والشطف، أحس أنه يبلع أشياء كثيرة نحو جوفه، أشياء بنكه مختلفة وطعوم مختلفة، بعضها حلو وبعضها بلا نكهة والكثير منها مر ، أشياء كثيرة بلعها نحو جوفه لكن لاشيء منها ماء.
تعب أصاب التحامات صدره، أطفأ الدينمو وصعد إلى السطح وكأنه برؤية أطفاله وهم نائمون سيستعيد بعضا من همته، وعلى ضوء قداحته الخافت راح يتفقد صغاره. همّ بالنزول ليعيد الكَرّة في سحب الماء من جديد.
لم يكدْ يلمس السُّلمَ الحديدي حتى جمدَ في مكانه، إذ دوّى صوت انفجار ضخم هزّ قلبه قبل أن يهزّ البيت، تلاه أصوات رصاص كثيف، فارتمى على السطح الأسمنتي وحبا نحو طفليه اللذان استيقظا هلعين، وصار لزاما عليه تهدئتهما وإعادتهما إلى النوم بحكاية ما.ِ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق