مقالات

تراجع أردوغان في البحر الأبيض المتوسط مستبعد

وفي هذا الصدد، عزز تشكيل السياسة الداخلية إلى جانب النجاحات الإقليمية أهمية هذا المفهوم وقابليته للتطبيق، مع القليل من العراقيل المفروضة من قبل الأطراف المعنية الأخرى.

من المرجح أن يكون لهذه الإجراءات تداعيات كبيرة على مستقبل صناعة النفط والغاز البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تتطلع تركيا من خلال استكشافها الخاص لإحباط طموحات الطاقة للدول الساحلية المتنافسة وشركائها المرتبطين بالنفط والغاز في المياه المتنازع عليها حول جزيرة قبرص.

بالإضافة إلى ذلك، لا تواجه شركات النفط العالمية وقبرص اليونانية أي تهديد مباشر من قبل البحرية التركية لتعطيل عملياتها في البحر، فعمدت شركات “إيني” و”توتال” و”إيكسون موبيل” إلى تأجيل عمليات التنقيب والأنشطة الزلزالية حتى العام 2021، ويعزو ذلك في الأغلب إلى تراجع أسعار النفط والغاز.

إلا أنه من المستبعد أن يكون المشهد الجغرافي السياسي حول شرق البحر الأبيض المتوسط قد تحسّن عندما يُقرّر إردوغان استئناف العمليات خلال العام القادم. ويعود الفضل في ذلك إلى التزام الرئيس إردوغان الثابت بمفهوم “الوطن الأزرق” وإصراره على إعادة انتخابه.

العمل لصالح التصويت الوطني التركي

تسهم تقديرات الانتخابات المتعلقة بالرئيس إردوغان في توضيح سبب اندفاع “شركة النفط الوطنية التركية” (“تباو”) للتنقيب في المياه التي تطالب بها تركيا وشريكتها الصغيرة، قبرص التركية. وما يثير الجدل أن هذه المياه تقع أيضا في ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة المعترف بها دوليا لقبرص اليونانية التي تتمتع بالعضوية الأوروبية.

وبعدما أثار إردوغان حفيظة الجزء الأكبر من أكراد تركيا والليبراليين وقوّض دعائم قاعدته المتدينة قديمة العهد، ازداد اعتماده على القومية المجردة للبقاء في الحكم. فبسط النفوذ في شرق البحر الأبيض المتوسط يخدم بشكل مباشر مجموعة كبيرة من الناخبين القوميين في تركيا كما يدعم رؤية إردوغان لتركيا كقوة إقليمية مستقلة لا يستهان بها.

بالنظر إلى هذه الدوافع، فمن المحتمل جدا أن يزيد إردوغان من حدة التوترات في شرق المتوسط في السنوات القادمة، وهو ما قد يعزز من شعبية الرئيس ويجتذب شركاء الائتلاف القومي المتطرف ومناصريهم في الفترة التي تسبق الانتخابات الوطنية.

التهديد الذي تشكله البحرية التركية ومضايقتها سفن التنقيب التابعة لشركات النفط الدولية سيقابله إلى حدّ ما الوجود القوي المستمر للبحرية الفرنسية في شرق المتوسط

ومع ضعف أداء حزب إردوغان خلال الانتخابات المحلية التي أجريت العام الماضي ـ بما في ذلك الخسارة الكبيرة التي لحقت به في إسطنبول ـ يبدو أن موقف إردوغان الوطني قد أصبح أكثر ضعفا. ومن المقرر أن تجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الانتخابات في العام 2023، إلا أن عددا من المراقبين المحليين يتوقعون أن يدعو إردوغان إلى انتخابات مبكرة في العام 2021 أو 2022 قاطعا الطريق على المعارضة السياسية.

إن مفهوم “الوطن الأزرق” الذي تتبناه حكومة إردوغان يهدف في المقام الأول لكسب دعم “حزب الحركة القومية” المتطرف في تركيا، المتحالف بالفعل مع حزب العدالة والتنمية التابع لإردوغان. وبتأكيد التحالف بين “حزب العدالة والتنمية” الحاكم و”حزب الحركة القومية” المتطرف وترسيخه، سيتمكن إردوغان من الحصول على أصوات “حزب الحركة القومية” المتطرف في الانتخابات الرئاسية، كما فعل في العام 2018.

خريطة المناطق الاقتصادية الخالصة والوحدات المتداخلة التي تسيطر عليها شركات النفط العالمية (المصدر: معهد واشنطن)

تركيا تتمادى بسبب صفقة ليبيا وضعف استجابة الاتحاد الأوروبي

لم تتعرض أنقرة لعقوبات قاسية على تنقيبها في مياه دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وهذا يوضح إلى حدّ ما سبب استمرار أنقرة في اعتماد سياسة حافة الهاوية والمواجهة. فكل ما تلقته تركيا هو تأنيب بسيط من الاتحاد الأوروبي لتنقيبها في مياه قبرص اليونانية، ويشمل ذلك اقتطاع مبلغ 163 مليون دولار أميركي من المساعدات السابقة للانضمام وعقوبات تطال شخصيتين من كبار مدراء شركة النفط التركية “تباو”.

يعلم إردوغان أنه من غير المحتمل أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة سياسية كاملة مع أنقرة قريبا. وفى هذا الإطار، تشعر الحكومة التركية أنها أصبحت تمتلك نفوذا كبيرا في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. وبصرف النظر عن قدرته على التصعيد في الجنوب الأوروبي، بإمكان الرئيس أن يقوم مجددا بإرسال آلاف المهاجرين السوريين وغيرهم إلى عتبة الاتحاد الأوروبي مباشرة إذا ما ضيقت أوروبا الخناق عليه. علما أن السياسيين الأوروبيين لا يريدون مواجهة أزمة هجرة أخرى فوق ما يعانونه من انكماش اقتصادي ووباء “كوفيد 19” المستعصي.

لقد تجلت هذه الديناميكيات مؤخرا في ليبيا، حيث حقق إردوغان ما يمكن اعتباره أكبر انقلاباته الاستراتيجية في السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة. ويتجلى ذلك في توسيع العلاقات الاستراتيجية والأمنية بين أنقرة و”حكومة الوفاق الوطني” الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

ن المحتمل جدا أن يزيد إردوغان من حدة التوترات في شرق المتوسط في السنوات القادمة، وهو ما قد يعزز من شعبيته

فبتوقيع مذكرة تفاهم لترسيم حدود المياه الإقليمية بين تركيا وليبيا، ضمت أنقرة فعليا جزءا من الجرف القاري لليونان. وما يثير غضب اليونان هو استعداد شركة “تباو” للتنقيب في مساحة تقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة اليونانية في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر.

ومما زاد الطين بلة، هو شعور البحرية التركية بالقوة بعد النجاح الذي حققته في البحر، ما زاد الوضع سوءا بالنسبة إلى اليونان. ففي شهر يونيو، منعت سفينة حربية تركية قيام سفينة تابعة للبحرية اليونانية تعمل بموجب عملية “إيريني”، وهي عملية بحرية للاتحاد الأوروبي تهدف إلى فرض حظر الأسلحة على ليبيا، بتفتيش سفينة متجهة إلى ليبيا. مرة أخرى، فشل الاتحاد الأوروبي في الرد على هذا الحادث بطريقة رادعة وبشكل فعال.

وبتوقيع مذكرة التفاهم بين أنقرة و”حكومة الوفاق الوطني”، ازداد الارتياب بشأن خطط اليونان وقبرص اليونانية وإسرائيل لإنشاء خط أنابيب غاز عبر قاع شرقي البحر الأبيض المتوسط. كما توعدت تركيا بمنع البناء في المياه التي تقع تحت سيطرتها.

ويستبعد السياسيون الأوروبيون أن يتمكنوا من إقناع “حكومة الوفاق الوطني” بالتخلي عن علاقتها الاستراتيجية مع أنقرة، فهي تدين لها بالكثير. فالدعم الذي قدمته تركيا لـ “حكومة الوفاق الوطني” من مرتزقة سوريين وطائرات تجسس ومدربين عسكريين وعتاد بحري أدى دورا بالغ الأهمية في منع “الجيش الوطني الليبي” من السيطرة على طرابلس وإرغامه على الانسحاب. على هذا النحو، صارت أنقرة في وضع ممتاز للمضي قدما في مصالحها الخاصة بالنفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط.

اتفاق السلام بشأن قبرص ممكن ولكن مستبعد

لا يمكن على الأرجح كبح لجام تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط إلا بإعادة إطلاق محادثات السلام لتسوية وضع قبرص المتنازع عليها. ومن أحد الأسباب الكامنة وراء عرقلة أنقرة لعمليات التنقيب التي قررها القبارصة اليونانيون هو إجبار قبرص اليونانية على تقديم ضمانات أكيدة بأن القبارصة الأتراك سيستفيدون بالكامل من عائدات الهيدروكربون من الإنتاج البحري قبل تنفيذ اتفاق السلام.

كما يعزو انسداد الطرق إلى رفض أنقرة طلب قبرص اليونانية الذي يقتضي سحب قواتها المقدر عددهم بـ 35 ألف جندي من قبرص التركية قبل تنفيذ الاتفاق. وتتطلب تسوية موضوع قبرص تنازلات من جميع الأطراف، ما قد يتعارض مع مخططات إردوغان السياسية المحلية ما قبل الانتخابات.

طالما أن تركيا تواصل استضافة الملايين من المهاجرين وتتمتع بنفوذ قوي في ليبيا فإن قدرة السياسيين الأوروبيين على فرض إعادة التفكير الجزئي في السياسة التركية ستكون محدودة

وبالتالي، من المتوقع أن يبقى المشهد الجغرافي السياسي في شرق البحر المتوسط معتما. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل منها: استمرار تركيا بالتنقيب في المياه المتنازع عليها والوجود المتزايد للبحرية التركية المستعدة لاعتراض سفن التنقيب التابعة لشركات النفط الدولية وعجز أو ضعف قدرة الاتحاد الأوروبي في احتواء تركيا، وهو ما قد يزيد من حدة الصراع في البحر المتوسط.

وفي الوقت عينه، ليس من المحتمل أن تقوم تركيا بإعاقة عمليات التنقيب الخاصة بشركات النفط الدولية في شرق البحر الأبيض المتوسط في السنوات المقبلة. على الأقل، إن التهديد الذي تشكله البحرية التركية ومضايقتها سفن التنقيب التابعة لشركات النفط الدولية سيقابله إلى حدّ ما الوجود القوي المستمر للبحرية الفرنسية في شرق المتوسط.

تعتبر شركة “إيني” محظوظة جدا بإقامة شراكة مع شركة “توتال” الفرنسية التي تشكل أصولها جلّ اهتمام الأسطول الفرنسي. وما يضفي بعض الانفراج هو أن الوحدة 10 التي تعمل عليهما شركتا “إكسون موبيل” وقطر للبترول” لا تقع في المياه التي تطالب بها تركيا أو قبرص التركية.

ومن المحتمل أن تؤجل شركات النفط العالمية غن خطط التنقيب في شرق البحر المتوسط إلى أجل غير مسمى أو تتخلى عنها إذا استمر فائض عرض الغاز الطبيعي في السنوات القادمة. وقد يضعف ذلك قدرة تركيا ويمنعها من الضغط على الدول الساحلية المنافسة في شرق البحر الأبيض المتوسط، لكننا ما زلنا نتوقع أن تستمر أنقرة في استعراض عضلاتها في المياه المتنازع عليها.

وطالما أن تركيا تواصل استضافة الملايين من المهاجرين وتتمتع بنفوذ قوي في ليبيا ـ نقطة ضعف أوروبا ـ فإن قدرة السياسيين الأوروبيين على فرض إعادة التفكير الجزئي في السياسة التركية ستكون محدودة.

 

أنتوني سكينر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق