شؤون ثقافية

بير رستم والجنرال مظلوم( قصة قصيرة واقعية)

بير رستم والجنرال مظلوم( قصة قصيرة واقعية)
 
عباس عباس
 
في عام ١٩٧٣ دخلت بناية التجنيد في مدينة القامشلو بحجة الحصول على لامانع من أجل السفر، حينها كنت أود السفر وصديقي الأرمني المرحوم آرمين مع عمه إلى برازيل، وبينما يحدثني المساعد الجالس وراء الطاولة حتى دخل المكتب شرطيان من الشرطة العسكرية، وألقي القبض عليَّ كوني متخلف عن الخدمة العسكرية وأنا كنت أظن بأني مؤجل دراسياً !..
من سجن الشرطة العسكري في حلب إلى ثكنة هنانو، وبعد أيام وبمعية أحمد كفتارو إبن المفتي كفتارو والذي قدم من بلغاريا ليخدم هو الآخر إنتقلنا سوياً لمدرسة الشرطة العسكرية في دمشق، والحقيقة هو رجع كملحق عسكري لبلغاريا وأنا بقيت في المدرسة لأقضي فيها ستة أشهر وفي عزّ قرّ الشتاء بين أح وإيح، وللعلم كنت الكوردي الوحيد بين طلاب الدورة المائتان، بينما الأخرون كانوا ككل موظفون من قبل ذلك في المخابرات العسكرية أو في الأمن السياسي أو غير ذلك!..
بعد مضي ثلاثة أشهر لي في المدرسة، إشتعلت الحرب بين العرب وإسرائيل، ولحاجتهم لكل جندي تم إستخدامنا ونحن كأغرار في بعض المهمات على الحدود، والمهمة التي أوكلت بها مع بعض الزملاء تجميع الجنود والعربات الشاردة نتيجة تفكك الفرق المقاتلة على الحدود والتي نالت نصيبها من الدمار!..
للتاريخ لاحظت في الأيام الأولى من الحرب التفوق المذهل للجيش السوري، وتعداد الأسرى الإسرائليين من الطيارين وغيرهم في المدرسة نفسها كان خير شاهد، ولكن بعدها ماذا حصل العلم عند البنتاغون؟..
في ليلة ظلماء وبردٍ قارس كلفت مع زميل آخر مراقبة طريق قد يمر بها البعض من الجنود الفارين من الجبهة أو الذين تراجعوا فرادا بعد تقدم الجيش الإسرائلي!..
لم يكن من الممكن تحمل درجة البرد، فأقترحت على الزميل أن نتبادل على الحراسة بينما أحدنا يختبأ في مخبأ للجيش كان قد بني من الإسمنت المسلح وهو الآن خال من كل شئ!..
بدأت بالحراسة بعد منتصف الليل على بعد أكثر من خمسين متر كما حدد لنا على التقاطع بين الطرق الترابية، أي بعد أن ترجلنا من عربة النقل مباشرة، وطلبت من الزميل أن يرتاح لحين أوقظه أنا، والحقيقة كنت أود البقاء أطول مدة ممكنة كمساعدة مني له بعد أن شاهدته وهو يرتجف بشكلٍ فظيع وإعتبرتها لبرودة الجو!..
بعد عدة ساعات طويلة ومملة ناديته، وطلبت منه أن يقوم بالحراسة لمدة قصيرة أو لحين أعيد القليل من نشاطي، خرج من المخبأ ودخلت أنا، وللحظات حتى بدأت أتقيأ من شدة الرائحة الكريهة، لأنه كان قد فعلها بالمخبأ نفسه لخوفه من فعلها بعيداً عن المخبأ أو عني!..
لم أترك في حينها مسبة كوردية أو عامودكية تذكرتها إلا وصرخت بها في وجهه، مع ذلك لم ينطق بكلمة إنما بقي صامتاً وهو مايزال يرتجف، وأقسم خوفاً وليس فقط من برودة الجو!..
هذا الشخص وبعد إنتهاءنا من الدورة التدريبة والتي كانت لمدة ستة أشهر، إستلم مكتب التحقيقات في الأمن السياسي في محافظة الحسكة، وأنا إستلمت مساعد مدير السجن العسكري بدير الزور، وبعد عدة اشهر ضربت شخصاً رتبته أعلى من رتبتي كرقيب ليتم بعدها طردي من الشرطة العسكرية إلى كتيبة خدمات في تدمر مع عقوبة سجن لمدة ستة عشر يوماً( بالمناسبة في تدمر كذلك ضربت ملازماً أول بسبب إهانته لصديقي الجندي زهر الدين نذير عليكي بطي وعقبت كذلك بستة عشر يوماً سجن، اي اصبحت لدي عادة أن اضرب الرتب الأعلى) !..
والآن اقول لكم لماذا أتيت بهذه القصة القصيرة من حياتي، قد تكون مسلية أو سخيفة، والحقيقة هي أن الذي فعلها في المخبأ اصبح يشار له بالبنان في منطقة الجزيرة كلها، والملازم الأول الذي ضربته في تدمر لم يكن يخرج بعد هبوط الظلام خوفاً من ضبعٍ شارد مهما كانت الدوافع، وقد أصبح نقيباً قبل أن أترك الخدمة!..
فهل تعلمون كم عدد الجبناء من أمثال هؤلاء في الجيوش العربية والتركية والفارسية وهم برتب جنرالات؟!!!..
مع ذلك تستكثرون على مقاتل كوردي كالأخ مظلوم وقد أمضى سنين عمره وشبابه وهو يقاتل أعتى الجيوش وأشد المنظمات إرهاباً في التاريخ من أن يملك هو الآخر لقباً نبيلاً يستحقه بجدارة ؟….ما أسخف الحياة!..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق