شؤون ثقافية

حينما سيموت العالم

حينما سيموت العالم
سأكون قد اختفيت
ستكف البحار عن اخافتي
الأنهار عن شد يداي نحو الغرق
ستكف الأشجار عن المشانق التي تلوح عالياً
العصافير .. عن الثرثرة
وضجيج الحرية الفارغ
المطارات .. عن توقف قلبي المفاجئ اثر حاجز أمني
 
حينما سيموت العالم لن اضطر بعد الآن أن أفعل كل العادات اللئيمة
أغسل أسناني
وأستحم ،
وأنظف غرفتي ،
وأرتب حياتي ،
وأفرق شعري ،
وأقول للجميع أني ناجح
وأنا خاسر كبير
وأنني منتصر ، وأنا مهزوم
وأنني ذكي
بينما يُعلّق الجميع
على أخطائي
في النحو
والصرف
والإعراب
 
حينما سيموت العالم
سأكون أخيراً قد هدأت
سيستطيع الطغاة أن يتنفسوا الصعداء
أصدقائي :
أن يفضحوا أسراري علانية
أن يبصق الكبار دون حرج
والصغار أن يتجنبوا اسمي كاملاً
سيكتفون بحرفين ، أو اشارة
 
حينما سيموت العالم
سيتوقف قلبي كما أظن
ولن يكون هنالك طريقاً آخر للرجوع
سأنسى قصة المغفرة
أو الانتقام
سأنسى أن كثيراً من الأشياء الهامة
لا تستحق الذكر
وستموت معي دون أسف
رغم أهميتها القصوى
رغم تعويلي عليها بالكثير
 
حينما سيموت العالم
ستكف الذكريات عن الدمع
ستحترق الصور القديمة
دمشق لن يبقى لها أثر
الطاغية الصغير لن يجرب رصاصاته المشبعة بثاني أوكسيد الخنق
 
حينما سيموت العالم
سأكف عن القصائد
ولن أشعر بالغيرة من أحد
ولن أعتقد كما أفعل طوال الوقت
أنني الشاعر الأهم ، رغم ركاكة العبارة
وأخطاء الإملاء القاتلة
وملاحظات أصدقائي المطفئين
الذين يجيدون اقتناص الفرص
السمسرة
والنصوص الرديئة
 
حينما سيموت العالم
سأجنح للسلم
وسأكف عن حروبي الأبدية ضد كل الآخرين
سأكف عن تخيل العالم على أنه جبهات حرب
وساحات قتال
وأن على هذا الجندي
أن يستريح
 
حينما سيموت العالم
ستهدأ حركة السير الحثيثة في رأسي
ستموت العواصم كلها
الميتروات السريعة والطائرات
سيتجمد الناس في المشهد الأخير
سأغطس في بحر الأبد عميقاً
ولن تشغلني فكرة البحث عن أمل
أو التأسف على حياة لم تحدث
أو تفصيل لم يكن
… عن حبيبات ، وعشاق ، وأطفال
ودُمى ، وأمهات وآباء ، بطعمٍ مختلف
 
حينما سيموت العالم
لن أراقب جسدي وهو ينهار
ظلي الذي لطالما عاش خارجاً عني
وكان يراقبني طوال الوقت
مثل مخبر سري
ويغادرني حين أسقط
كخائن متمرس
 
حينما سيموت العالم
سأفقد صلتي بالأشياء كلها
سأريح الجميع من عبء حضوري الثقيل
لن تبكي أمي وتشعر بالذنب لأنها فقدتني ذات أب
لن يخجل أشقائي بي
بالفضائح المتسلسلة التي أسببها
… كلفتهم كثيراً من الخجل
ومزيداً من الاهانة
ستحزن زوجات العمومة لأنني سأكف عن كشف أسرار العائلة التي يسددون إليها نيران أحقادهن
طوال الوقت
 
حينما سيموت العالم
سأكون حدثاً عابراً لا قيمة له
وسيتأكد لي بما لا يقبل الجدل
أنني لم أكن أبداً يوما بذات الأهمية
أو على أي محملٍ للجد
 
عندما سأكف عن هذا العالم
وأختفي
وأفقد صلتي بكل الأشياء الهائلة القيمة
سأكون قد نجوت
كما أعتقد ،
وصلت
كما أظن
وصار لزاماً عليّ أن أخلع خوذة الحرب
وأفك أربطة النجاة
سيقذفني الموت بقوة على امتداد يده
فيما كنت اعتقده طوال الوقت
 
أنه حياة
 
..
وفائي ليلا /سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق