شؤون ثقافية

حبالُ خَطايا العَطَش…!

حبالُ خَطايا العَطَش…!
 
شعر: مسلم الطعان / النجف الأشرف/ العراق
 
من يمطرُ الغيمةَ العاطلة؟!
قالَها
واختفى خائفاً:
بينَ خفايا الخيوطِ المُبعثرة
 
من بعثرَ خيوطَ الخطايا
وطأطأَ رأسَهُ
أمامَ عواصفِ جيوشِ العَطَش؟!
 
تساءلَ وهو يعاني من عطلٍ فنّي في اذاعةِ شكواه التي
تبثُ برامجَها اليوميةَ من شواطئ العَطَش، النوارسُ
أودعَت أسرارَها في قبضةِ الريح، وهو مصّر على مطاردةِ
ريشاتِ المعنى، المجانين، وهو منهم، يدركونَ وحدَهم
لعبةَ الحوارِ بينَ زغب المعنى وآخر ريشةٍ طارت من جناح
طائرِ العَطَش…!
 
كنتُ عاطلاً عن العملِ
فأومأت لي الحروفُ بمناديلِ ايقاعاتِها
ونصحتني بأن أشتغلَ نسّاجاً
في فنِّ الكلماتِ…!
 
قالت لهُ العرّافةُ ذاتَ عرضٍ ايقاعيّ من فوقِ خشبةِ مسرحِ الماء:الحروفُ خيوطٌ وعليكَ أن تجلبَ أبرةَ النسيج من تلال القش واحذر الأفاعي والعقارب، وثمَة دهاليزٌ تورقُ فيها أشجارُ المتاهات، وإيّاك أن تلتفت، فالنساجُ يبرمج بوصلةَ اشتغالِه على تقدّم أصابعِهِ للأمام وتوّغلّها في غياهبِ الغاباتِ الموغِلةِ بمفازاتِ العَطَش…!
 
النسيج ُ وحدَه يصلحُ العطبَ
عليكَ التمسّكَ بخيوطِ نسيجكَ
ولا تتركها في قبضةِ الريحِ
قالَ لي نسّاجٌ حكيمٌ
كانَ يمتطّي ظهرَ غَيمةٍ
ويرتلُ بحروفٍ مائيةٍ تدعو
إلى اصلاحِ عَطبِ العَطَش…!
 
الحروفُ المائيةُ الهاطلةُ من بطنِ غيمةٍ كان يمتطي ظهرَها
النسّاجُ أدلت بدلوِها وأخبرت الأمواجَ أن تعدّ العدةَ لتصغِ
لأصابعِ الماءِ كيف تصوغُ نسيجَها اليوميّ بإيقاع أناشيد الشواطئ ِ، النسّاجُ يصلّي الآنَ صلاتَهُ المائيةَ فوقَ سجّادةِ
التراتيل في محرابِ العَطش…!
 
دعاءُ النسّاجِ أمطرَ الغيمةَ
وعندما
فتحنا جرارَ أرواحِنا
وجدناها تعجّ بنسيجٍ
حيكت خيوطُهُ:
من نميرِ ماءِ الحكمَة…!
 
الحكمةُ لسانُها يقطرُ منهُ عَسَلُ الفلسفة، الفلسفةُ نسيجٌ خاص
تضمُّ أسرارَهُ جرارُ المعنى، المعنى ماءٌ عذبٌ تحتاج رحلةُ
البحثِ عنه في القيعان البعيدة لجرأةٍ لا ينسجُها إلا نسّاجٌ
يعرفُ كيفَ يفّكُ شيفرة َ خفايا العَطَش…!
 
العاطلُ عن النسيج كفٌ بلا أصابع
الأصابعُ التي لا تصلحُ العَطَب
لا حياةَ لدمٍها عندَ الشروعِ بالإشارة
الإشارة علامةٌ خرساءٌ:
عندما تبدو عاجزةً عن ترجمةِ شحوبِ الشفاه
الشفاهُ بلا خيوطِ الكلمات تبدو عاطلة
الكلماتُ العاطلةُ:
لا تغري الشاعرَ بارتكابِ خطايا القصيدة…!
 
لا شيئ لدى الراوي الآن إلا انتظار شخوص مسرح القصيدة
ليلقوا بشهادتهم الأخيرة قبلَ اسدال الستائر في آخر مشهدٍ سرابيّ من تراجيديا العَطَش، المخرجُ يلّوحُ بيديهِ ولسانُ
اعترافِهِ يقولُ: لا أحدَ يفهمُ كُنهَ دراما العَطَش إلا نسّاجُ الماء…!
 
من لا يتبعُ خطى النسّاجِ الحكيم
تتمرّدُ عليهِ وصايا القصيدة
من تعجزُ جرارهُ عن احتواءِ ماءِ النسيج
لا يصلحُ عطبَ غيمةٍ
ويبقى مقيّداً بحبالِ خطايا العَطَش…!
 
الجمهورُ يصّفقُ بحرارةٍ، وحرارةُ الأداء الدراميّ تجعلُ الماءَ
يتدّفقُ سائلاً من أصابع ِ النسّاجِ، تعالت أصواتُ الموسيقى
والنسّاجُ يطوي حبالَ السراب، لا خطايا للعطش بعد اليوم،
إذ كُسِرَت أغلالُ الغيمِ وأصبحت الغلّةُ وفيرةً والغناءُ اشارةً
لإِشتعالِ المصابيح وتلاشي فلولِ جيوشِ العَطَب…!
 
الأحد الموافق/31/5/2020
الساعة الحادية عشر مساءً
صومعة السومري الغريب في الكوفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق