الصورشؤون ثقافية

أمنة برواضي في حوار “مع الناقد”

الحلقة العشرون من سلسلة مع الناقد مع الدكتور محمد بكر البوجي.

أمنة برواضي في حوار “مع الناقد”
الحلقة العشرون من سلسلة مع الناقد مع الدكتور محمد بكر البوجي.
السلام عليكم دكتور محمد بكر البوجي.
أولا أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.
ليكن أول سؤال:
من هو محمد بكر البوجي؟
جواب:
والدي من قرية بينا وأمي من مدينة يافا الفلسطينية. يافا من أهم موانئ شرقي البحر المتوسط من مواليد مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، هذا المخيم أقيم عام 1951 بعدما تم تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه إلى قطاع غزة ومناطق أخرى في العالم حيث تم بناء خيام لهم. أنا ولدت في خيمة للاجئين الفلسطينيين، أبي من قرية يبنا الفلسطينية عبر التاريخ، وقرية يبنا تقع جنوبي يافا بعشرين كيلو متر أنا ولدت في هذه الخيمة، وتعلمت القران الكريم في خيمة مجاورة ثم دخلت المدرسة وكنت أذهب حافي القدمين؛ مدرسة من الكرميد الأسود والبناء البسيط جدا تعلمت فيها وحفظت جزء عم من القرآن قبل أن أدخل المدرسة، ثم حفظت جزء تبارك وأنا في الصف السادس الابتدائي ثم درست مراحل الإعدادية. في حرب 1967 توقفت عن الدراسة مدة عامين، وكنت أعمل في كل المجالات من أجل توفير لقمة العيش لأهلي وإخوتي، ثم عدت إلى المدرسة بعد عامين وحصلت على الثانوية العامة ودرست في كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر بالقاهرة، وحصلت على الليسانس بتقدير جيد، ثم دخلت الدراسات العليا في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة منحة من سفارة فلسطين وحصلت على الماجستير على يد الأستاذة الراحلة الكبيرة الدكتورة سهير القلماوي.
أثناء دراسة الماجستير تغير فكري تماما من إنسان أزهري إلى إنسان مؤمن بالفكر القومي العربي، في هذه المرحلة تتلمذت على يد أساتذة كبار في الوطن العربي منهم: عز الدين إسماعيل، ويحيي الجمل، وجابر عصفور، وسهير القلماوي، من المغرب العربي جاءنا أستاذ زائر لفترة ومن العراق ولبنان أساتذة زوار هذه الشخصيات أثرت في مستقبلي الفكري وتحولت من التطرف الديني إلى الفكر القومي العربي.
سؤال:
2 – دكتور في رأيكم ما هي العلاقة بين النقد والإبداع؟
جواب:
من أفضل الأشياء أن يكون الناقد مبدعا له تجربة في كتابة الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح يكون هو من ابن البيئة ومن ذات الرحم، أما إن يكون ناقدا لا يعرف الإبداع فأعتقد أنه سيكون أقل أداء من الناقد المتخصص الذي أيضا يمارس الكتابة الإبداعية لأن الكتابة الإبداعية في حد ذاتها هي عملية ولادة ومخاض فكري، عملية إعادة صياغة لحياة جديدة في نص أدبي متميز، الناقد المبدع فعلا يراقب نفسه أثناء الكتابة أو ما بعد الكتابة عندما يعيد تنقيح النص، النص بعد الإبداع له عملية تنقيح وتبديل واستبدال مفردات، الناقد يحاول قدر الإمكان أن يعمل ذلك لكن لا يمكن أن يكون جيدا مئة بالمئة. ليس هناك عمل إبداعي ممتاز مئة بالمئة لكن أن يقع في هفوات أو هو يعرفها ولا يستطيع أن يغيرها لأن النص ولد هكذا، الناقد المبدع متميز عن غيره طبعا لا يمكن أن نميز في الذات الواحدة في الشخص الواحد بين أنه مبدع وناقد كلاهما خلطة واحدة، نستطيع أن نتعامل مع هذه الخلطة في شخصية واحدة، نقول فلان الشاعر والناقد. الروائي والناقد، نستطيع أن نقول ذلك لكن القراءة إن لم يكن المبدع ناقدا متخصصا في النقد مثل نجيب محفوظ ليس متخصصا في النقد لكنه كاتب قصة قصيرة وكاتب سيناريو وكاتب مقال وهو صحفي بالأصل لكن قراءات نجيب محفوظ قراءات الرجل المبدع للأعمال الأدبية العالمية. والدراسات النقدية لها تمنحه الحس النقدي التي تجعله يتابع أعماله أثناء أو بعد الأداء. إميل حبيبي ليس ناقدا لكنه أبدع أدوات النقد، والكتابة عنده القصة القصيرة والمقال الساخر هو الذي أنشأ راوية المتشائل. شكسبير لم يكن ناقدا، كان كاتبا روائيا مستفيدا من التراث الأوروبي أعاد صياغته بطريقة مسرحية مبهرة جدا ستبقى عبر التاريخ؛ لكن شكسبير هو يدرك تماما ماذا يفعل يعرف أدوات الصناعة ويمتلكها، إذن المبدع إذا لم يمتلك أدوات الصنعة جيدا فلن يكون مبدعا كبيرا.
سؤال:
3 – كيف ترون مستقبل النقد في الوطن العربي مع كثرة الإبداع؟
جواب:
في السنوات الأخيرة بدأت ملاحظة ازدياد عدد الشعراء في الوطن العربي ازديادا هائلا في كتاب القصة القصيرة والرواية، وهذا شيء جدا ممتاز أن الوعي الأدبي والثقافي بدا يتحرك نحو الإبداع الراقي التعامل مع النص الأدبي العربي قد يجمعنا في بوتقة واحدة، أكون فخورا جدا عندما أناقش نصا روائيا من المغرب أو قصيدة من اليمن أو قصة قصيرة من العراق أو قصيدة من السعودية أو الخليج أو مصر، هذا يجمعنا في بوتقة واحدة يوحد طبيعة الأداء النقدي والثقافي والعربي، أنا مع المنتديات الشمولية في الأدب في الوطن العربي حتى لو كان في المغرب منتدى أو صالون لكنه يستفيد من التواصل مع نقاد و شعراء في مصر والعراق وسوريا واليمن هذا رائع جدا أن تكون لدينا خيوط الوحدة الثقافية العربية وهذا سمة العصر. الآن إننا موحدون في المجال الثقافي الآراء النقدية والفكرية تنتقل بسرعة البرق من المغرب إلى الخليج إلى مصر إلى فلسطين، في كل أقطار الوطن العربي الإبداع كثير لكن لا يستطيع ناقد واحد أن يلاحق كل هذه الإبداعات في الوطن العربي، حتى أنه لا يستطيع أن يلاحق هذه الإبداعات في داخل القطر الذي يعيشه الناقد، في مصر لا يستطيع أن يلاحق معظم الأدباء، والمغرب كذلك وباقي الدول، لكن أستطيع كناقد أن أتعامل مع النص القوي، النص الذي أرتاح إليه لكن وجود الصالونات الأدبية خلقت نوعا من الشللية، أو كل مجموعة لها نقادها ولها أدبائها هذا تاريخيا موجود وفي كل الثقافات وفي كل العالم ليس عيبا أن يكون لكل مجموعة في الوطن العربي نقادها ولها ادباؤها في صالون موحد أو ملتقى ثقافي موحد ليس عيبا وليس خطأ بل هي ظاهرة صحية جيدة في الوطن العربي على أن تكون هذه البوتقة فيها أدباء من كل أنحاء الوطن العربي. مثل صالون غادة صلاح الدين ، وكؤسسة الكرمة للثقافة والفنون، في القاهرة.
سؤال:
4 – مواصفات العمل الأدبي القابل للنقد؟
جواب:
الناقد الجيد يتعامل مع النص الذي يصل إلى مستوى النقد، النص الناضج من حيث الفكرة ومن حيث الشكل، أما أن يتعامل مع نص ضعيف فهذا ليس ناقدا كبيرا، ولا يمكن أن يكون ناقدا كبيرا بل يتحمل مسئولية هذا الخطأ الذي يرتكبه، لا يمكن أن يتعامل مع نص ضعيف ويحلله ويشرحه ثم يقول هذا نص ضعيف هذا خطأ نقدي معيب، فقط الناقد الجيد يتعامل مع عمل أدبي يصل إلى مستوى النقد في جودته ونضجه وتمرده وتميزه وإضافة علامات جديدة إلى الإبداع العربي، هنا يتدخل الناقد ويحاول أن يشرح ويحلل، وأنا عندي مفهوم النقد ليس هو أن أقول للأديب أين أخطأت وأين أصبت ليس هذا جيدا، إنما أقوم بعمل تحليل لمفردات النص من حيث الأفكار والقضايا التي يطرحها النص والشكل الفني الذي يلائم هذه القضايا. هذا هو دور الناقد في أن يحلل ذلك؛ وهي عملية إبداعية جديدة يوصلها للمتلقي، وعندما يقرأ المتلقي هذا التحليل يفهم النص جيدا، إذن نحن أمام عملية تحليل نص أدبي وهناك نظريات كثيرة في هذا الاتجاه، آخر شيء أنا كتبت كتابا “الطاقة في تحليل الإبداع الأدبي” لأن النص عندما يخرج من نفس الشاعر يخرج عبر طاقة معينة وعندما يتلقى المتلقي القصيدة الشعرية يتلقاها ويستقبل طاقة معينة، هنا دور الناقد في أن يحلل الطاقة الصادرة للمتلقي. وهذا الكتاب: “الطاقة في تحليل النص الأدبي” نظرية جديدة في النقد، صدر في القاهرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، وهناك دراسات أجريت عليه وهناك شبان يحاولون تطوير هذه النظرية لتصبح سائدة في الوطن العربي. جيد أن تكون هناك أفكارا نقدية جديدة أما الأدوات التقليدية التي مر عليها من الزمن ما يقارب السبعة عقود فهذا أمر لا يمكن قبوله في أي حال من الأحوال، علينا أن نجدد في الأدوات النقدية في كل مرحلة من المراحل هذا العصر نحن في حالة من التطوير والتجديد في كل مرحلة، على الناقد أن يوجد أدوات نقدية جديدة.
سؤال:
5 _ تقييمكم للحركة الثقافية الفلسطينية، وكيف ترون مستقبل الحركة الثقافية في الوطن العربي؟
جواب:
الحركة الثقافية والأدبية في فلسطين هي قديمة جدا تكاد تتوازى مع الحركة الثقافية في مصر وفي لبنان، فلسطين من بداية 1920 وهي تكتب القصة القصيرة والرواية، إبراهيم طوقان رائد الحركة الأدبية الشعرية الحداثية الذي ربط الشعر بالواقع في فلسطين منذ عام 1930 الحركة الثقافية في فلسطين راقية ومتطورة جدا، قبل النكبة لدينا روايات ولدينا مسرح وقصائد شعرية وقصة قصيرة ومجلات ثقافية… حدثت النكبة وتشتت مليون فلسطيني في كل أنحاء العالم؛ هناك من هاجر إلى لبنان، وهناك من شرد إلى سوريا والأردن ومصر وقطاع غزة..إذن الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية أصبحت مشتتة، وهذا أدى إلى تباين مواقف الأدباء فيما بينهم؛ من عاش في مصر أصبح ناصريا، ومن عاش في الأردن أصبح يوازي النظام الأردني في تلك الفترة، ومن عاش في سوريا أصبح يعادل النظام البعثي السوري، ومن عاش في لبنان كانت له أفكار مختلفة…
لكن كل الكتابات وكل هذه الأفكار تصب في نقطة واحدة فلسطين أولا و أخيرا بغض النظر عن طرق الأداء والأفكار في الحركة الأدبية، مثلا الأدباء الفلسطينيون والمثقفون الذين عاشوا في دول الخليج كانت وجهتهم إسلامية، الذين عاشوا في قطاع غزة كانت وجهتهم قومية وناصرية الثقافية العربية الفلسطينية في كل بقاع الأرض أدى إلى تباين الأفكار وتعددها وتعدد الأدوات الفنية التي شكلت هذه الأفكار لكنها في النهاية تصب نحو هدف واحد هو فلسطين. بعد عام 1967 كان الأداء الفلسطيني في الراوية جيد، لكن بعد أوسلو ازدادت بكميات كبيرة جدا الحركة الثقافية والأدبية في فلسطين وأفرزت شعراء على مستوى العالم أو ما يسمى بشعراء المقاومة الثلاثة سميح القاسم، توفيق زياد، محمود درويش، هؤلاء صاروا من أهم شعراء المقاومة في العالم وتدرس أعمالهم في معظم جامعات العالم خاصة درويش وسميح القاسم. كذلك أبدع المشهد الثقافي الفلسطيني راوية عالمية على يد جبرا إبراهيم جبرا المقيم في العراق وكانت وجهة نظره أقل من غسان كنفاني الذي عاش في صلب الحدث في لبنان وكان ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وله دور كبير جدا في ترتيب وإعادة صياغة الرواية والقصة القصيرة في فلسطين، أما إميل حبيبي المقيم في الداخل الفلسطيني المحتل في حيفا كانت له رؤية مغايرة تماما، رؤية ثورية، رؤية سخرية من الحاكم العسكري الصهيوني، من الدولة الصهيونية وكان يدعو إلى الثورة وإلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم . الثقافة الفلسطينية استطاعت بحق أن تؤدي دورها وأن تشخص أبعاد النكبة وما جرى للشعب الفلسطيني منذ التشرد والضياع وأيضا إن هذه الدولة الجديدة الصهيونية لن تستمر طويلا في بلادنا العودة حق مقدس لكل فلسطيني أينما وجد.
سؤال:
6 – كيف ترون مستقبل الحركة الثقافية في الوطن العربي؟
جواب:
سؤال كبير جدا يصعب حصره في إجابة شخص واحد مهما كان مفكرا ومطلعا؛ لأن الثقافة في الوطن العربي أصبحت واسعة جدا يصعب حتى على فريق أن يلملم أطراف هذا الإبداع، لكن بالمجمل نستطيع أن نقول أن الثقافة في الوطن العربي بخير وأنها معطاءة ومتجددة خاصة في المجال الروائي هناك أسماء روائيين كبار في الوطن العربي في تونس في الجزائر والمغرب ومصر والشام والخليج، هناك أسماء روائية لامعة تستطيع أن تصل بالرواية العربية إلى أعلى مستوياتها. استطاعت الراوية العربية أن تستفيد من تقنيات الرواية الغربية وأن تصل إلى مستوى العالمية على يد هؤلاء . طبعا يبقى السؤال الأهم هل استطاع أحدهم أن يتجاوز نجيب محفوظ أعتقد الإجابة على هذا السؤال ما زال مبكرا. أيضا في المجال الشعري، الشعر العربي بخير، بعد رحيل الشاعر العالمي محمود درويش لا زال الشعر العربي يراوح مكانه رغم وجود شعراء كبار من جيل الستينيات والسبعينيات لا زالوا على قيد الحياة لكن عطاءهم تكرار لما قالوه في السابق، لكن بعد درويش لم أسمع أو أقرا لشاعر كبير بمستوى درويش أو يقترب من درويش، الشعر العربي شعر جيد محليا، لكن لم نستطع أن نتجاوز به المحلية إلى أعلى مستوى بعد درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وعبد المعطي حجازي، يصعب أن نقول بأن الشعر العربي فيه الجديد الآن، الآن عاد الشعر العربي إلى مرحلة البارودي الستينيات والسبعينيات أقول بصراحة إن الشعر العربي اليوم يعيش عالة على شعراء الستينيات والسبعينيات قد يغضب البعض هم أحرار لكن لم أجد جديدا في الوطن العربي بعد درويش لم أجد شاعرا جديدا على الإطلاق، هناك صراع لا قيمة له بين المتزمتين للقصيدة العمودية وبين شعر التفعيلة وبين قصيدة النثر، أقول بصراحة لا جدوى من هذا الصراع الأدب هو فعل ذاتي وليس وظيفة، لا يتقاضى راتبا الشاعر لذلك من حقه أن يختار الشكل الذي يريد؛ التفعيلة أو العمودية أو النثر المهم أن يعطيني أدبا راقيا يستطيع أن يعبر عن نبض الجماهير يستطيع أن يعبر نبض المرحلة وعن الحالة التي يعيشها المناخ الثقافي العربي من تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية أتمنى أن يتطور الشعر وأن ينجو من الخلافات القائمة بين الشعراء وأن نجد شكلا جديدا الآن نحن في مرحلة تطوير شكل القصيدة العربية إلى ما بعد قصيدة النثر. الشعراء العرب وأنا قلت هذا في القاهرة نحن عاجزون عن التطوير لهذا نتصارع فيما بيننا. المشهد الثقافي رغم ذلك بخير وهناك شبان قادرون في المستقبل على تطوير أشكال الأدب العربي سواء في الرواية أو الشعر أو القصة القصيرة، لكن مشكلتنا الآن في المسرح؛ أداء المسرح الآن ضعيف جدا لا يوجد كتاب مسرحيون على مستوى عالي في الوطن العربي هذه الإشكالية لأن المسرح يحتاج إلى طاقة وثقافة وعبقرية، وهذه الآن غير موجودة على الساحة العربية .
بالنسبة للمشهد النقدي في الوطن العربي أرى أنه متقدم نوعا ما وقد تجاوز مرحلة السبعينيات لكن تبقى لدينا مشكلة وهي الاختلاف في المصطلحات واضطراب المصطلحات النقدية في منطقة المغرب العربي يستخدمون مصطلحات فرنسية بأسمائها دون الترجمة إلى العربية في مصر يستخدمون مصطلحات انجليزية وفرنسية وروسية بأسمائها دون التنسيق مع النقاد في المغرب العربي لا بد من وجود لجنة لتنسيق المصطلحات النقدية بحيث تتوحد هذه المصطلحات وبلغة عربية مثلا لماذا نقول الهيرموناطيقا بل يجب أن نقول التأويل وهو مصطلح ديني لاهوتي معناه التأويل. إذن لماذا لا نقول التأويل بدلا من المصطلح الأجنبي هناك إشكالية في اضطراب المصطلح النقدي
سؤال:
7 _ أستاذي الفاضل اصدرتم عدة كتب هل لكم ان تحدثونا عن أهم كتاب صدر لكم؟
ــ مسقط رأسي غزة ، لكن جذوري في قرية .. يِــبْنَا .. عمبت كتابا عن قريتي ، أخلد فيه جغرافية القرية وذاكرتها الاجتماعية .
ـــ قرية يِبْــنَا عندما هاجمها الصهاينة، اضطر أهلها للمغادرة جنوبا، باتجاه مدينة أسدود ومدينة المجدل وغزة، في الطريق وكان الجو حار جدا، استقر معظم الناس في احراج بيت لاهيا التي تقع شمالي قطاع غزة، وعندما جاء والدي لزيارتي في قطاع غزة من السعودية وقد ذهب إلى هناك للعمل قبل حرب 1967 ثم عاد زائرا بعد ذلك، رفض زيارة قريتنا يِبْـــنَا، وقال قولته المشهورة : إما أن أعود رافعا راسي مستقلا، أو لا أعود بتصريح صهيوني. ذهبنا أنا وإخوتي في زيارة إلى بيتنا في قرية ” يِبْــنَا ” ،وجدنا القرية مدمرة بالكامل، المسجد مدمر، فقط نصف المئذنة ولا تزال شامخة حتى يومنا هذا، لم نجد بيوتا باقية، وجدنا بيتا واحدا هو بيت آل الأسمر، وهو عبارة عن بيت باطون، كانوا يسمونه قصر الأسمر، ذهبنا إلى هناك كان يسكنه يهود من اليمن.
، كتاب لجأت فيه إلى كبار السن، وكل من تحدثوا في هذا الكتاب ذكرت أسماءهم، و كانت المعلومات تتقاطع، وأثبتها، عملت كتاب عن الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية في ” يِبْــنَا ” وشهدائها من عام 1930م، حتى سنة صدور الكتاب، الشيء المهم، أنني شاركت وأوعزت لبعض زملائي من أهالي ” ِيْــبنَا ” الذين يعملون مدرسين في الجغرافيا، أوعزت لهم بأن نرسم خريطة قرية ” يِبْـــــنَـــا ” قبل النكبة، وفعلا اعتمدت على اثنين من أهل البلد، عدة محاولات، جاؤوا وأرفض وأعدل، إلى أن صدرت بطريقة غريبة جدا، سجلنا فيها كل شجرة موجودة في ” يِبْـــــنَـــا ” قبل النكبة، وكل بيت وكل ملامحها موجودة في الخريطة، لم يرسم أحد مثل هذه الخريطة، وأشرفت عليها عندما كتبت بخط اليد، ثم أشرفت عليها عندما رسمت علي الكمبيوتر، وأصبحت الآن، في أيدي كثيرة من الناس، وطَبَعْنا منها ألف وخمسمائة نسخة، ووزعناها مجانا إلى الناس، خريطة مثل هذه هي حق لكل أهل ” يِبْــــنَا ” ، أن يحتفظوا بها، وأن يقولوا هذا بيتي قبل النكبة، هذه بيارتي وأرضي ومزرعتي، هذا هو الوادي الذي يدخل ” يِبْـــنَا “، هذه هي المدرسة الثانوية التي كانت، كان فيها مدرسة زراعية قبل النكبة، لأنها كانت منطقة زراعية، وأرض خصبة من الطراز الأول، إذن الخريطة والكتاب، أهم ما قمت به في تاريخي، وأصعب كتاب أكتبه في حياتي، لأن الدمع كان يذرف على الحرف والورق بصدق وأنا أكتب.
سؤال:
8 ــ اتهمت إسرائيل بسرقة التراث الفلسطيني ما هي أدلتك؟
جواب:
ــ الباحث يعيش حالة من التفكير الغريب والمدهش، وأنا بطبيعتي لا أحب التقليد، أحب الشيء الجديد في أبحاثي ودراساتي وتفكيري، طرحت سؤالا في نفسي، لماذا لا نقوم بهجوم ثقافي معاكس على إسرائيل؟ وما زلت أدعو إلى ذلك، نحن بحاجة إلى هجوم ثقافي مكثف، في كل أنحاء الوطن العربي والعالم على إسرائيل، نحن في حالة دفاع، و دائما حالة الدفاع هي الخسارة لا شك، لجأت وقرأت العهد القديم التوراة، ودهشت أن كلمة الفلسطينيين موجودة في التوراة، أكثر من سبعة وستون مرة، وأن الصراع بين العبرانيين والفلسطينيين عمره حوالي ثلاث ألف سنة، ليس صراعا من اليوم أو المعاصر، و أدركت من خلال التوراة، أن داوود نبي الله تعلم من الفلسطينيين صناعة الحديد، وتربى عند الفلسطينيين حتى أصبح صبيا يافعا، كان دائما عندهم وعند القائد الفلسطيني جالوت، هذا موجود في التوراة، هذا جعل القائد اليهودي شاؤول أن يطلب منه أن يقتل القائد الفلسطيني جالوت، بمقابل أن يزوجه ابنته، وافق داوود وذهب ليلا إلى مضجع خيمة جالوت وذبحه بالسيف، ولهذا انا أنفي قضية المقلاع، قصة المقلاع قصة صهيونية توراتية ليست صحيحة، أنا أنفي هذه القضية بناء على التوراة، ومرة كتبت مقالا إلى كتَّاب القصة القصيرة في الوطن العربي، وأصبحت قصة مشهورة، وطبعت كثيرا في مصر. ذهب داوود لأجل أن يتزوج بنت شاؤول فقتل القائد الفبسطيني الكبير، وأخذ رمحه و درعه إلى خيمته، ودرع جالوت كان مرسوما عليه سداسية أشعة الشمس، لأنه كان يؤمن بالمعتقد الفرعوني، لكن اليهود استطاعوا أن يقولوا إنها نجمة داوود، لكنها ليست نجمة داوود، هي نجمة فرعونية موجودة الآن على أعمدة الكرنك، أنا رأيتها شخصيا، أما اليهود فقد سرقوا السداسية ونسبوها إلى الملك داوود . أما بالنسبة لعملة الشقلة هي موجودة في فلسطين، هي عملة بابلية، كانت موجودة في فلسطين كنعان قبل اليهود بمئات السنيين، وكان معمولا بها في فلسطين، وهذا موجود في التوراة كثيرا، هي الأشياء التي أخذوها من الكنعانيين ومن الفلسطينيين والفراعنة والبابليين ونسبوها إليهم، لا يوجد لهم أي دليل تراثي في فلسطين بل إنهم يزرعون تراثا لهم في فلسطين وهذا معروف في كتابي موجود وفي مقالاتي على الانترنت موجودة.
سؤال:
9 ـــ الثقافات والذاكرة.. جعلتهما موضوعين لصراع رصدته في كتابين مهمين لك عن الأدب الفلسطيني.
جواب:
ــ حاولت أيضا، ضمن الحفاظ على الذاكرة، و الهجوم الثقافي ضد الثقافة الصهيونية، وخوفا من أن تضيع التجربة الفلسطينية هباء، ولا يلتفت إليها أحد في الوطن العربي، حاولت جمع هذه التجربة الأدبية والثقافية والفكرية في فلسطين، منذ النكبة حتى يومنا هذا، في موسوعة اسمها ” التجربة الأدبية في فلسطين”، هي ثلاث آلاف صفحة، صدرت في ستة أجزاء في جامعة الأزهر في فلسطين، فيها أحاول قدر الإمكان أن أحتفظ بالذاكرة الفلسطينية، استطعت خلال أكثر من عشر سنوات، أن أصل الى معظم الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء الفلسطينيين، سواء داخل ال48، أو الضفة الغربية والأردن وسوريا، بل ذهبت بالاتصال التكنولوجي إلى أمريكا وكندا والعراق، لأجمع ما تركه هؤلاء القادة الثقافيون الكبار، أمثال جبرا خليل جبرا وحسام الخطيب ويوسف الخطيب، وعدد كبير جدا من المثقفين العرب، جمعت تقريبا تراث أكثر من مائة أديب فلسطيني بعد النكبة، من معين بسيسو حتى أحمد دحبور، حديثا استطعت أن أجمع أفكار هؤلاء وليس كتبا بل أفكارهم.
سؤال:
10 – ما الذي يميز أدب الداخل وأدب المنفي الفلسطيني ، وأيهما في رأيك كان الأقدر علي التعبير عن أزمة الإنسان الفلسطيني؟
جواب:
ـــ هذا الطرح بسيط جدا نظريا، لكن الشتات الفلسطيني، أكبر من أن يقسم بهذه الطريقة، لدينا داخل ال48، وفي غزة والضفة الغربية، وأوروبا والدول العربية، وفي العالم الإسلامي، هذه الأماكن، التي ينتشر فيها الأدباء والمفكرون والشعراء الفلسطينيون، كل يعبر بحالته من خلفيته الثقافية والدينية، لكن الأقدر على التعبير، هم الذين عايشوا النكبة، مثل غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان وراشد حسين وسليمان دغش، واستمروا في أن يعبِّروا عما رأوه، وما يتوقعونه بالمستقبل من ويلات، الأدب الفلسطيني في الداخل، لا يختلف كثيرا عن الأدب الفلسطيني في المنافي، الموضوع واحد، هو فلسطين، لكن زوايا الرؤية تختلف من مكان إلى آخر، لقد استطاع غسان كنفاني، الذي خرج من حيفا وعمره اثنتا عشر عاما، استطاع أن يعبر بصدق عن الحالة الفلسطينية، وعن الدراما والمأساة الفلسطينية، لأنه عايشها بشخصه، وبأهله وجيرانه، وعايشها كذلك في كل مكان توفيق زياد، استطاع أن يعبر عن ذلك شعرا راقيا ورائعا، لدينا أهم شعراء المقاومة الثلاثة توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش، وأنني أرى ــ ويرى كثير من النقاد ــ أنهم أهم شعراء مقاومة في العالم، الشعراء معين بيسيو وهارون هاشم رشيد، استطاعوا من غزة أن يعبِّروا بصدق وبإخلاص في كل مكان الأدب الفلسطيني في الداخل والخارج موضوعهم واحد، أولا وأخيرا هو فلسطين، لكن يبدو كما أرى ــ ويرى غيري من النقاد ــ أن الداخل أكثر مساسا بالحالة النفسية، والحالة التي يتم فيها تغيير الواقع على الأرض داخل فلسطين، فهم أقدر الناس على التعبير عن هذه الحالة، وأعتقد أن لدينا شعراء كبار بمعنى الكلمة، داخل ال48، لدينا حنا إبراهيم و لدينا حنا أبوحنا وتوفيق زياد و سميح القاسم و محمود درويش وحسين مهنا وراشد حسين، لدينا شعرا و روايات وقصص قصيرة كبيرة جدا ولها قيمة أدبية وفكرية وتوثيق، أدب الداخل هو عبارة عن حالة من التوثيق لكل ما يحدث وحدث في فلسطين منذ الآن حتى يومنا هذا، قد يكون أدب الخارج فيه توثيق لكن الذي عايش البلد وعايش النكبة هو الذي يوثق إما بعد الجيل الخامس والسادس أعتقد أنه يتكلم عما سمعه من أبائه وأجداده يتكلم عما يقرأ عن فلسطين فيوثق حالة مختلفة تماما في الأحداث التي تحدث اليوم في محاولة العالم كله في عملية سحق القضية الفلسطينية وسحق الإنسان الفلسطيني الصامد على أرضه والصامد في كل مكان، الإنسان الفلسطيني في كل مكان هو مقاوم من الطراز الأول سواء كان في الداخل أو الخارج.
 
كتبوا هذه الكتب وكيف طبعوها ونشروها، والمشاكل التي واجهوها أثناء تأليف هذه الكتب، والمناخ الذي أحاط بهم، إستطعت أن أجمع خلال عشر سنوات عبر البريد الالكتروني، تجارب حياة، تجربة مواقف، وإن لم أجد الاديب علي قيد الحياة، ألجأ الى أبنائه وأصدقائه، واستطعت أن أجمع عددا هائلا من هذه التجارب، أعتقد أنها ليست سير ذاتية، بل تجارب، كل فكرة من الأفكار التي طرحها الكاتب، موجودة عبر أسئلة، كنت أطرح أكثر من ثلاثين سؤال على الكتَّــاب، وهي أسئلة أدبية فكرية منذ النكبة حتى يومنا هذا، أتمنى أن يعاد طباعة هذه التجربة، في طبعة خاصة خارج نطاق قطاع غزة .
سؤال:
11 _ أخيرا تم تتويج رحلتكم بحصولكم على جائزة الدولة التقديرية، واستلمتوها من الرئيس الفلسطيني شخصيا قي رام الله، لكم الكلمة دكتور.
جواب:
جيد أن يشعر الانسان بآثار اجتهاده ، كانت عن كتابي الموسوعي ، نفحات جذور شعبية موسوعة التراث الشعبي الفلسطيني ، في الف ومائتي صفحة ، استغرق معي هذا العمل حوالي ستة عشر عاما ، من الجمع والتحليل والتنقيح ، واسميته: “نفحات” لأنها تعني رائحة الأرض مجبولة بدم الشهداء، برائحة الانسان الفلسطيني الذي أبدع هذا التراث عبر آلاف السنين ، ثم يأتي آخرون ويسرقونه ، هكذا مجانا وبدون مقدمات ، هنا نرسخ علاقتنا بالارض والوطن وإفرازاته الإبداعية، مثله كباقي شعوب الأرض، في فلسطين لدينا ما نعتز به من تراث منذ اكثر من سبعة آلاف عام ، اي قبل الأديان.
 
شكرا لكم أستاذي الفاضل وفقكم الله في مسيرتكم.
حاورته المبدعة أمنة برواضي (المغرب)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق