شؤون ثقافية

المرأة الكردية (الثامنة والأخيرة)

النساء القياديات .

لاحظ عدد من الرحالة نسوة كرديات لهن مراكز إجتماعية مرموقة ويتمتعن بسلطة على القوم.

يذكر سون بعضا منهن مثل عادلة خانم وأرملة غلام شاه ، خان سنه ، ونسوة اسر الحکاري ، ويقول سون : يطلق على الواحدة منهن لقب خان وان سطوتهن تعادل سطوة كثير من الرجال في أسرهن رهن ان لم تزد على ذلك . ويعتقد سون أن هذا مؤشر للتفاهم القائم بين الجنسين في هذا المجتمع ويرى أن ذلك يقترب من الأفكار الإنكليزية أكثر مما هو فيه ضمن أي شعب شرقي آخر .
بينما يذكر إدموندز أسماء نسوة أخريات اقل شأنا مما تقدم ولكنهن بارزات في المجتمع الذي عايشه إدموندز آنذاك مثل آغازن ، وفقي عارف ، وفاطمة خانم .
اما مینورسکي فقد ذكر آن نساء كرديات أصبحن رئيسات للقبائل وكان بيدهن السلطات وعندما سيطر الأتراك بصورة نهائية على منطقة حکاری کانت تحكمها امرأة .

لقد تحدث الرحالة عن هذا الضرب من النسوة -على قلتهن ممن كن يدرن شؤون القبيلة فعلى سبيل المثال يذكر إدموندز سيدة كردية تدعى فاطمة خانم بالقرب من راوندوز يعرفها – كما يذكر إدموندز – الضباط السياسيون في المنطقة معرفة جيدة لأنها كانت بعد وفاة زوجها تدير شؤون ثماني قرى وتقوم بكل الأعمال التجارية متصورة مع السلطات الحكومية بنفسها حتى دأب القرويون على اختيارها للتصويت عنهم في الانتخابات النيابية مع أن القانون كان يمنع تصويت النساء .

وفي موقع آخر يذكر إدموندز سيدة عرفت به ( آغازن ) أي زوجة الآغا وهي زوجة سورك آغا فيصفها بالامرأة الأريبة الذكية ويقول لاتتردد الي كثيرة ويملك زوجها ثلاث قرى في شاوور وكانت زوجته آغازن اصغر سنا من زوجها بكثير وكان هو رجلا انطوائية فيه ( غباء وتخريف ) وهي زوجة ولهذا أخذت على عاتقها القيام عنه بكل ما يتعلق بالمحافظة على توازن القرى السياسية داخل الوادي القصي . وكان سورك آغا يرافقها أحيانا الا انها تعمد دائما إلى إتخاذ مجلسها فوقه ويندر أن تتركه ينطق بكلمة واحدة في فترات الصمت لثلاتؤدي عبارته إلى تعقيد الأمور وقد قتل المسكين في الاضطرابات التي وقعت بعد أشهر قليلة فقامت آغازن بالادعاء بثأر زوجها بأشد ما يمكن من الصرامة حتى نالت ما تبغى وفق التقاليد العشائرية .

ولكننا نجد أن أوضح شخصية قيادية نسوية هي شخصية عادلة خانم التي كتب عنها مفصلا سون الذي اقام في حلبجه عندما كانت عادلة خانم تدير شؤون المنطقة وهي زوجة عثمان باشا واقامت في حلبجه وأخذت تمسك بزمام الأمور حتى امتلكت كما يقول سون زمام السلطان السياسي وساعد على هذا كما يبدو أن عثمان باشا كثيرا ما كان يستدعي الى الموصل وکرکوك والسليمانية فكانت تحكم نيابة عنه حتى اصبح عثمان باشا يعتمد عليها لا في غيابه عن حلبجه حسب بل حين وجوده في حلبجه أيضا . كانت عادلة خانم ، من الناحية العملية ، هي الحاكم في المنطقة ويصف لنا سون الأعمال التي قامت بها عادلة خانم مثل تشييدها السوق في حلبجه .

وقد أشاد الناس كثيرأ بهذه الحركة العمرانية وهو بناء مربع الشكل فيه أربعة صفوف من الدكاكين تتصل بازقة فيها دكاكين أكثر ويذكر أنها شجعت التجارة في المنطقة وازدادت أهمية المنطقة حتى بات الأتراك يحسبون حسابها وقد نصحت عادلة خانم الأتراك بان لا يصلحوا خط البرق الذي كانوا قد مدوه لكي يقوى سلطانهم على المنطقة وقطعه الكرد وأنذرتهم أن الأكراد سيقطعون الأسلاك ثانية وعلى ما يبدو كانت عادلة خانم تقصد من ذلك تقليص نفوذ الأتراك في المنطقة وقطع وسائل اتصالهم بها ويبدو انها استطاعت تحسين جمالية المدينة بالحدائق والبساتين .

اما إدموندز فيصف شخصية ( عادلة خانم ) بالشخصية المحلية المهيمنة ويذكر انها كانت تمارس سلطانها عن طريق ابنها أحمد بك القائم مقام بالاسم بينما كانت هي الحاكم الحقيقي حتى شيخ الإسلام كان ينفذ أوامر عادلة خانم . ونعود الى سون الذي اسهم في وصف إنطباعاته والمواقف التي شاهدها عن عادلة خانم عن كثب وهو يصف أحد ایام عملها فقد كانت تتخذ القرارات في مختلف الشؤون التي تردها منها الاقتصادية والجزائية ويتخلل ذلك تدخين لفافات التبغ وعدد من المسؤولات عن خدمتها بملابس فضفاضة وعمامات منسدلة يأتين بهذه اللفافات لها ويحركن المهفات کی لاتشعر عادلة خانم بحرارة الجو .
بينما تدخل خادمة أخرى تحمل ( الشریت ) وماء الورد وليس غريبا أن يدخل مجلسها بائع أقمشة لتشتري منه أو تملي عليه ما ترغب من أقمشة سيجلبها لها البائع الجالس قبالتها.

لقد اهتمت عادلة خانم كثيرا بسون إذ يذكر انها جادت عليه بغرفة عالية في بیت طاهر بگ يستطيع أن يتشوف منها على البستان و السهل والجبال .
وبعد ذلك يصف سون أشكال الحفاوة والضيافة التي لمسها على الرغم من انه يعلق على رغبة عادلة خانم في لقائه في اليوم التالي صباحأ بانه نوع من التعالي .

آن الإنطباعات الأولى لسون عن عادلة خانم إنطباعات تنم عن تأثر بالغ بشخصيتها إذ يقول عنها ، تلكم المرأة الخارقة التي احل في بيتها ضيفة انها من الإسلام لامرأة لا نظير لها اذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تملكه من قوة وفي القدرة التي تبديها في استعمال ما في يديها من أسلحة .
وفي مكان آخر من مذكراته يصف سون المكان الذي كانت عادلة خانم تدبر فيه أعمالها وسلطانها إذ يتحدث عن مقابلته الأولى فيذكر بالرغم مما هو متواضع في کردستان تعد هذه المقابلة خاصة لذلك لم يجد أكثر من خادم و تابعة ومسلحة يقفون عند الباب انتصاية . وكانت الغرفة طويلة ضيقة وفي جدارين من جدرانها ثمانية أبواب مزدوجة تنفتح على الطارمة اما الجدران الأخرى فقد طليا باللون الأبيض وفيهما کوی وارضية الغرفة مفروشة بسجاد فاخر من ( سنه ) . أن اللمحة الأولى كما يذكر سون ، دلت على أنها من أصل كردي خالص . آن وجهها ضيق بيضوي وهي فوها ء نوعما وذات عينين صغيرتين سوداوين براقتين وانف نسري قليلا ولكنها إمارات دالة على ذلك الأصل وتنسجم نحافتها تماما مع العادة المتبعة بالنسبة للقوام الكردي وهو قوام لاتعتوره سمنة ابداً.
وقد استدعت عادلة خانم سون في بعض المهام مثل تكليفه بقراءة وكتابة بعض الرسائل بالفارسية كما انها رغبت بتعليم ابنيها اللغة الفارسية وعرضت عليه عملا تجارية ويشير سون بكثير من الإعجاب الى حفاوة التوديع إذ يذكر كدليل على الإحترام أو من فرط الأدب الرفيع قامت السيدة عادلة بإعداد حرس لسون مؤلف من أربعة خيالة كان رجلان منهم من أشداء قبيلتها ويذكر أن السيدة عادلة قد عهدت به الى ( رسول احمد ) يرافقه ويشير علیه این يستريح في السليمانية .

اننا نعتقد ان عادلة خانم كانت شخصية ذكية جدا وانها قد قبلت أن تظهر بظهر من صدق بأن سون تاجر فارسي يزور كردستان ولكن نرى من خلال مجمل أشكال التعامل والاستضافة الخاصة ، ان عادلة خانم كانت تفترض بسون انه يخفي شخصيته الحقيقية تحت غطاء تاجر من فارس فلا يمكن أن تكون كل هذه الحفاوة والاستضافة ثم التوديع من حلبجه الى السليمانية في معية مجموعة من الحراس الأشداء ، نقول لا يمكن ان تكون كل هذه الحفاوة لمجرد تاجر عابر.

لا ندري هل استطاعت عادلة خانم ان تفتح مغالق شخصية سون أم أنها بقيت عند حدود الافتراض والتكهن ، وربما سيكشف المستقبل عن فطنة هذه المرأة الكردية ودهائها بشكل أكثر وضوحا . وان كان هناك ما يشير الى اكتشاف طاهر بك الجاف امر سون من خلال زلة لسان في لفظه كلمة ( لا ) فقد كان يحادث طاهر بك بالفرنسية ولكنه لفظها بالإنكليزية لكن عادلة خانم وجدت أن من باب اللياقة تجاهل الأمر .

أن إدموندز يتحدث بإعجاب إداري سیاسي عن عادلة خانم ويوضح انها لم تكن قد تجاهلت الادارة البريطانية في عهد الاحتلال إذ يقول إدموندز ولعل الجاف كانوا في أواخر عهد العثمانيين اقوى قبائل جنوب كردستان ولذلك عين الأتراك في منصب القائمقام ( عثمان باشا ) احد اعضاء اسرتها الحاكمة وكان رجلا رقيقا ملاينة كثير الغياب عن مقره فانتقلت سلطته الفعلية تدريجيا الى زوجته ( عادلة خان ) وقد ترملت في عهد الاحتلال الا انها ظلت ملكة شهرزور غير المتوجة .

ويبدو انها كانت كما يذكر إدموندز عونة كبيرة للادارة آنذاك ما دعا سلطة الاحتلال الى أن تخلع عليها اللقب الهندي الرفيع خان بهادر . وقد قام الجنرال فریزر بزيارة عادلة خانم لتقديم شكر القائد العام لها ويرافقه کریتهاوس.

آن مینورسكي بدوره كان قد التقى عادلة خانم وتكونت لديه بعض الإنطباعات عن شخصيتها وقد التقى بها في 1914 في حلبجه أي بعد أن ترملت ويبدو أنها في الفترة التي زارها مينورسكي كانت قد ابتعدت عن الحكم بعد ان ارسلت تركيا موظفا تركيا ليحكم حلبجه ، أي قبل الاحتلال البريطاني ، إذ كما تشير مذكرات إدموندز التي تعرضنا اليها توأ انها كانت فاعلة آنذاك وذكر عنها مينورسكي أنها تحافظ على نفسها بصورة لائقة وقد زارتهم مرة في مقرهم وكان معها جماعة من عروساتها ووصيفاتها ووافقت بسرور على التقاط صورتها وقد شكرته برسالة باللغة الفرنسية جوايا على الهدايا التي قدمت الى ابنها وظهر فيما بعد ان الرسالة كتبت من قبل شاب كردي درس الفرنسية في مدينة سنندج لدى المبشرين الكاثوليكيين .

كانت صاحبة حلبجه والحديث مازال لمينورسكي- تهتم إهتمامة زائدة بالسيدة الأوروبية الوحيدة التي كانت في بعثتنا العلمية هذه إذ كانت هي نفسها تأتي إلينا في مقرنا اذا ما أرادت ان تلتقي بنا ثم يأتي الآخرون ويجلبون لنا اللبن والتوت والبيض … الخ ، لم نسمع بأسئلة غير لائقة أو قهقهة مشمئزة.

كان وجودنا هناك مبعثة للغبطة والسرور وكانوا يستضيفوننا بصدق ويقدمون لنا الهدايا ويقصون علينا عن أعمالهم وأحلامهم . ان هذه القيادية التي لمسها الرحالة لدى بعض السيدات الكرديات وابدوا إعجابهم بهن لايشترط أن تتخذ صيغة الزعامة ، فقد لاحظ ریج في احدى سفراته قافلة كبيرة من عشيرة الجاف ، الكثير من النسوة المسترجلات وهن في فرح ونشوة ويسرن سوية بين النساء الأخريات . ويقول ريج عن هذا ، ويستبان أن لهن سلطة عظيمة في ادارة الجماعات .

المصدر :
دكتور بدرخان السندي المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي -صفحات {1936-1937-1938-1939-1940} الطبعة الاولى 2002- دار ئارس لطباعة والنشر-اربيل.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق