الرأي

الافتتاحية: خطر تركيا الدائم

بعد عقود من زرع الألغام بين حقول القمح وكروم الزيتون ، بعد سنوات من مين الأسلاك المكهربة وبناء الجدران الكونكريتية، بعد أقل من سنة من الغزو التركي على منطقة جبل الأكراد ومدينة عفرين ، وبعد أشهر من سفك الدماء ، التهجير ، الإحلال السكاني والتغيير الديمغرافي، بعد كل عمليات الاغتصاب ، السلب والنهب ، بعد كل الممارسات الوحشية والعنصرية لعملاء حكومة أردوغان من المجموعات المسلحة ومن ما يسمى ( بالائتلاف السوري المعارض وحكومته المؤقتة ) …. بعد تحشيد شذاذ الآفاق من بقايا القاعدة وشبكة الإخوان المسلمين بتسمياتهم الجديدة والمخادعة ورفضهم بثقافة الطرف القومي والديني / المذهبي معا ، ومن ثم إطلاق غرائزهم العدوانية لتدمير منطقة آمنة ، منطقة نامية حاضنة للعديد من المكونات، منطقة كانت متجهة لبناء مجتمع منتج سالم متحاب … بعد كل ما حدث ، وبعد إبعاد قوات Y.P.G بحجة خطرهم وتهديدهم المزعوم للأمن التركي ، وبعد ترسيخ احتلال الدولة التركية للمناطق جرابلس والباب والراعي ومساحات واسعة من محافظة إدلب، بعد كل هذا وذاك، جدد الرئيس التركي أردوغان تهديده باجتياح ما تبقى من مناطق شمالي سورية ، خاصة تلك التي تقع شرق الفرات بحجة أن أمن تركيا مازال مهددة .

وكأن جل أمن تركيا وسلامتها متوقفة على المناطق المنكوبة في شمالي سورية، وكأن، أيضا، أمنها هش لدرجة لن يستتب إلا بعد احتلال وتخريب ما تبقى من المناطق المستقرة في شمالي سورية وشرقها .

بات واضحة للجميع أن الهدف والغاية لم تكن عفرين وحسب ، وإنما الهدف والاستراتيجية التركية ستظل معتمدة على سياسات التوسع والهيمنة وتقليص مساحة سورية وقضم منطقة منها بعد أخرى .

فمشروع أردوغان السياسي الطموح سيطال البنية الديمغرافية لسورة المستقبل، بما يترتب عليها من مخرجات سياسية وتوازنات جديدة في القوى .

وقد تكون الحرب طويلة ، مدمرة ، فتركيا تخطط لسنوات وعقوډ قادمة ، فهي تنفذ مشروع استراتيجية وليست عملية عسكرية وقائية كما ادعت وتدعي .

لقد تمادى أردوغان وأتباعه في طموحاتهم بعد اعتقادهم بأن تجربة ( درع الفرات ) قد نجحت من حيث إعادة ترتيب ديمغرافية منطقة شمال حلب ، بدءا من جرابلس على الفرات وحتى إعزاز غربا مرورا بعفرين وصولا إلى مناطق واسعة من محافظة إدلب غربا ولا سيما أنهم لم يجدوا موقف واضحة من المجتمع الدولي يردع جرائمهم وغطرستهم وتدين ممارساتهم اللاإنسانية في عفرين، مما دفع بهم الأمر إلى التفكير في السيطرة على مناطق شرق الفرات .

فبات العدوان التركي خطر يهدد المنطقة برمتها ويزيد الطين بلة، سيبقى الخطر التركي قائمة ، وسيتواصل ويستمر خطر الثقافة السياسية لتركيا ، تركيا الدولة الاستيطانية التوسعية ، تركيا الأحزاب القومية والدينية العنصرية، تركيا الاقتصاد الاحتكاري الجديد . فالمسألة تجاوزت إبادة الأرمن وترحيل السريان وإذابة اليوناني ، الموضوع لن يتوقف عند الكورد … فخطر تركيا قائم لأنه مرتبط عضويا مع ثقافة الغزو والتوسع الإمبراطوري والاستعلاء القومي العنصري ، سيما على الكورد .. وسيبقى هذا الخطر قائمة إن لم يتم التفاعل بعمق معرفي وسياسي من قبل فعاليات دولية وإقليمية مع تركيا الجديدة ، والضغط بأتجاه أن تتعرف على نفسها من جديډ : فتركيا نتاج إشكالية تاريخية كبرى ، شيدت بآليات الغزو والتوسع عن طريق الإحلال السكاني والتغيير الديمغرافي ، بل استقرت على أساس تربية انكشارية ، بأساليب التخويف والتتريك شعوب ومكونات بأسرها وإعادة تربية أجيال من الأيتام والأسرى حسب منهج عنصري – دیني تركي إسلاموي … وكذلك سيبقى ځطر تركيا قائمة ما لم يتم الإقرار الواعي من قبل ديمقراطييها ومثقفيها وبالتالي قواها الفاعله من أنها قد أجرمت بحق شعوب المنطقة الأصيلة وأبادة الأرمن والسريان واليونان ، كما أباد البلغار والطليان والروس، ومستمرة في حرب إبادتها ضد الكورد وباقي المكونات التي لم تندمج في البوتقة التركية العنصرة الدينية .

عندما تعي تركيا ذاتها وعندما تضغط شعوب العالم والجوار التركي تحديدآ لكي تقر بجرائمها التاريخية، وتعرف حدودها، وعندما تستفيق القوى الديمقراطية التركية والأوربية على هذه الحقيقة وتتجه للاعتذار، سیمد ذلك الوعي الجديد الطريق لكي تتحول تركيا المعاصرة الى دولة شبيهة بألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية . وعندما تنتزع مخالب تركيا الأيديولوجية وتفرغ شحناتها الدينية والعثمانونية الجديدة وتقر بحق تقرير المصير السياسي للشعب الكوردي وترفع غطاءها عن سورية وتنسحب من شمال قبرص ، عندها وعندها فقط لن تشكل خطرا على سوريا ونصفها الشمالي على وجه الخصوص .

وإلا فالخطر التركي دائم وقائم، سواء ذهب أردوغان أم جاء غيره، حكم حزب العدالة أو من يحكم بعده، فلا شيء يغير الموازين، سوى ثقافة الدولة الديمقراطية ، ثقافة الحب التي تستمد نسفها وروحها من ماض غير مجيد، يعتذر عنه، ماض متخم بالدماء والغزوات والحروب .

ومستقبل سيبقى خطرة على كل الجيران ما لم يبين على أساس حسن الجوار والإقرار بحقوق الآخرين . في هذا العدد المخصص لمحنة أهلي عفرين والجريمة المستمرة المرتكبة بحق أهلها ، تحاول تبيان أهداف الغزو التركي وأتباعه ضد جبل الكورد / کرداغ / عفرين ، وتوثيق جوانب مما ارتكب ويرتكب بحق أهلها ، والأهداف البعيدة للاحتلال التركي وأعوانه.

وكذلك بعض الجوانب التاريخية والجغرافية للمنطقة ، هذا مع التنويه أن مجلتنا ، ومن صدورها قبل ( 25) عامة قد أولت أهمية لهذه المنطقة الكوردية الأصيلة ، خاصة في مجال التوثيق والتاريخ ، ونادرا ما خلا عدد من « الحوار » من ذلك . وسنواصل البحث في تاريخ ومجتمع منطقة جبل الأكراد ، التي لم ينل منها الاستبداد البعث طوال عقوډ ، ولن يستطيع الاحتلال التركي ورديفه الإخواني / القاعدي النيل من خصوصيتها القومية والاجتماعية ، وأهلها الأشداء ، مما فعلوا . المجد لجبل الكورد الأشم ، والاندحار للغزاة وكل المستعمرين .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق