نافذة حرة

المرأة الكردية (5) المرأة والعمل

يصف باسيل نيکتين الأعمال التي تقوم بها المرأة الكردية ويبدو من وصفه لهذه الأعمال انه يقصد المرأة الكردية الريفية إذ يذكر أن الأشغال المنزلية الشاقة جميعا تقوم بها النساء فهن يحملن الدواب وينزلن الأحمال عنها ويصعدن إلى مواطن القطعان لحلب الغنم ويلتقطن الأغصان أو الأخشاب للتدفئة والطبخ ولايتخلين أثناء عملهن هذا أبدا عن أطفالهن الذين يعلقنهم على ظهورهن ويرى نیکتین أن هذه الأعمال المرهقة للمرأة الكردية هي المسؤولة عن فقدانها السريع لأنوثتها فسرعان ما تذوي ملامح الجمال في وجوههن ونساء كبار القوم وحدهن يستطعن الحفاظ على جمالهن لأن حياتهن رغيدة لايقمن فيها بأي عمل شاق وهذا الرأي لا يتفق كثيرة مع رأي سایکس مارك حول احتفاظ المرأة الكردية بأنوثتها طويلا والذي سبق وان أوردناه .

اما إدموندز فيرى أن المرأة الكردية لاتقل أعبائها عن أعباء جاراتها في الشرق الأوسط إذ يطلب منهم اداء أشق الأعمال وفي مقدمتها حمل قرب الماء المثلوج على مناكبهن وهو ينضح على أجسامهن من نبع القرية الى البيت في الصباح الباكر ولم يشاهد رجل كردي يقوم بهذا العمل . على أي حال نشارك إدموندز الرأي فما من رجل کردي يقوم بحمل قرب الماء من النبع لكن هذه الظاهرة أي عدم قيام الرجل الكردي بهذا الضرب من العمل يشترك فيها الرجل الكردي مع كل الرجال في الشرق وربما كان السبب ان الماء هو اقرب الى حاجات المرأة في أعمالها البيتية وعادة فان غسل الأواني وحتى الملابس كان يجري على النبع أو على الشاطئ وكذلك استحمام الأطفال فضلا عن أن الرجل أكثر انهماكا في شؤون الحقل رعی الأغنام وإبتعاده عن الدار بينما المرأة أكثر ارتباطا بالدار وشؤونه . ومن النسوة اللواتي استأثرن بإعجاب إدموندز في مجال العمل عندما كان في السليمانية ( رابعة خان ) إذ يقول عنها انها شخصية تستحق التأمل ورابعة خان هذه كانت رئيسة الخبازين ، ويذكر إدموندز ان في اية مدينة شرقية يكون تموين الخبز نقطة ضعيفة في خط دفاع الإدارة المحلية ضد الدسائس والتخريبات . وكانت ( رابعة خان ) من تلك النسوة القويات الإرادة الذكيات اللائي لا يندر وجودهن في كردستان . لم تكن حبأ للشيخ محمود بينما كانت مخلصة ( للإدارة ) غاية الإخلاص والى نصحها الرشيد وسيطرتها القوية على زملائها الخبازين ويعود إليها ( خلاصنا ) من كل المتاعب التي تجرها قلة تموين الخبز .

ونجد أن شميدت قد قام بما يسمى ( تحليل المهنة ) وهو يصف حياة أم کردية من الصباح الى المساء ، وهي امرأة قروية ويضعنا أمام لوحة مأساوية من العمل المضني والقلق المستمر وهو يذكر ان اما في مقتبل العمر سارت ببطء في الطريق المصعدة وهي ترعى دزينة من الأطفال واربعة أو خمسة من الماعز وتحمل غرارة كبيرة على عاتقها وأردفت أوعية المطبخ وأوانيه وتسوق بغلا محملا وتنسج جوربا وهي سائرة وعند حلول المساء تعود الى القرية وتشعل النار وتخبز كمية من الخبز ، وعند الفجر التالي تنهض لتصنع اللبن والزيد بخض اللبن في زق من جلد الماعز بحركة رتيبة الى الأمام والخلف . وتعطينا هانسن صورة جميلة لعميلة الحصاد التي تشارك المرأة الرجل فيها والأعمال المضنية التي تعقبها ، عملية جمع للسنابل وحزم وحصل على الظهر فضلا عن قيامها بحلب الماعز صباحا ومساء ، بينما نجد برانت قد لاحظ اشتراك المرأة مع الرجال في تبليس في مهنة جمع الصمغ . اما توما بوا فيصف دور المرأة في صناعة الألبان والاجبان كما يصف توما بوا المرأة التي تغزل ففي كل أرجاء کردستان تغزل النساء أصوافهن بهمة ونشاط فما أن يتوقف كل عمل آخر حتى يدور المغزل أيديهن بمهارة وبعضهن ينسجن على النول ايضا . وفي موضع آخر يذكر توما ، تنسج النساء مختلف الأنواع من السجاد سواء من الصوف الممتاز أو من الشعر القصير وتكون الصور متنوعة الألوان مليئة بالحيوية . نلاحظ أن معظم المصادر تؤكد أو تلمح الى ان اخلاق المرأة القبلية هي أكثر رصانة ( بالمعدل ) من الريفية والمرأة الريفية أكثر رصانة ( بالمعدل ) من المرأة في المدينة ، وهكذا سمة العفوية ايضا وربما كان السبب في طبيعة العمل المشترك بين الرجل والمرأة آنذاك ونجد تنويها الهانسن إذ تذكر أن المرأة والرجل يعملان معا بعكس المدن عندما تكون الأعمال مفصولة أو مستقلة . والحقيقة نجد اليوم بسبب عامل التطور الحضاري في کردستان انحسار في الحياة القبلية وانتقال المرأة من الدور القبلي الى دور الإستقرار الريفي لا بل الإستقرار في المدينة أيضا وقد لعبت بعض العوامل والظروف السياسية عدا العامل الحضري في إيجاد نقلات سريعة في الحياة القبلية الى الحياة الريفية أو المدنية . ان ما تقدم من إنطباعات لايعكس الواقع كله فقد لاحظ بعض الرحالة سكون المرأة الكردية في بيتها ونقصد في المدن ، فهناك عدد كبير من النسوة الكرديات ممن يتفرغن الاعمالهن البيتية فقط ويأخذ الرجل دوره الكامل في إعالة أسرته والعمل خارج الدار من اجل تأمين أسباب العيش . فلقد لاحظت هانسن في بعض الأماكن التي كانت فيها مثل السليمانية أو دوکان ان النساء لا يذهبن إلى العمل خارج بيوتهن كما هو دأب النسوة الأوربيات وهي تشبه النسوة الكرديات من هذا النوع بالعنكبوت الماكث في عشه طويلا ولكنهن أي النساء الكرديات يعرفن كل شيء ، وكيف تدور الأمور بعكس المرأة الأوربية العاملة . ولاشك أن المجتمع الكردي تطور اليوم في مهنه وعرف أصنافا من الحرف والمهن التي تعمل فيها المرأة اليوم التي لم يكن من الممكن أن تمتهنها في الماضي . ونحن في معرض الحديث عن عمل المرأة الكردية لابد من الإشارة إلى مدى الإرهاق الذي يصيب الصبايا الكرديات من جراء انخراطهن في أعمال البيت أو الحقل ولا بأس أن نذكر واقع الفتاة الكردية ، فهي فتاة خدوم منذ الطفولة ولقد تأثرت هانسن کثير بأنموذج الفتاة الكردية التي ربما اسهم ظرف حياتها في تحميلها أعباء حفرت في ذاكرة هانسن أخاديد لن تنسى من ( اللاإنسانية ) التي تعامل بعض الأسر بناتها . آن هانسن تتألم على (خجه ) الفتاة الصغيرة الى درجة انها رغبت آن تغادر القرية بأسرع ما يمكن لانها لم تعد تحتمل هذا العذاب إذ تذكر انها كانت تخدم الجميع ويرهقها الجميع وتعمل كثيرة وبشرة يديها قد تقرنت بسبب كثرة الأعمال إذ لم تعد تشبه يد فتاة .

المصدر :
الدكتور بدرخان السندي : المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الطبعة الاولى 2002- صفحات {129-130-131} – دار ئارس لطباعة والنشر-اربيل .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق