نافذة حرة

المرأة الكردية {2}

أن مسألة زعامة المرأة مع قلة انتشارها تؤكد مسألة اجتماعية وهي أن المجتمع الكردي يتقبل زعامة المرأة ولا عقد له إزاء ذلك عندما تفرض المرأة وجودها بمبررات منظورة أو غير منظورة.

وقد وصل مستوى الزعامة النسوية في المجتمع الكردي كما يذكر توما بوا الى ان تقود المرأة قبيلتها في ساحات القتال عند موت زوجها، ويعلل توما بوا مسألة حرية المرأة وفرصها القيادية إلى مسألة سايكولوجية على ما يبدو ـ فهو يعزو ذلك إلى حب الزوج الكردي زوجته مع توافر فرص المعيشة المشتركة والرجل من وجهة نظر بوا حتى عند الأرستقراطيين الگرد ليس أكثر حرية من المرأة في اختيار شريك الحياة.

ان سون يشير هنا إلى مسألة مهمة حقة، وهي أن كثيرا من الزيجات في المجتمع الكردي جاءت نتيجة التجاذب المتبادل أي ( الحب ) وهذا التعاطف الأصيل بين الزوج وزوجه كما يذكر سون هو نادر بين الأمم الاسلامية يقف الى جانب هذه المسألة أن المجتمع الكردي حسب إنطباعات توما بوا ، يسمح للفتاة الكردية ان ترفض الزواج ، بعبارة أخرى ليس بوسع الأب الكردي أن يلزم ابنته بالزواج من شخص لاتريده زوجة، الحقيقة لا نقول أن هذه قاعدة مطلقة لكني أعتقد أنها مسألة جذبت إنتباه توما بوا ووجد فيها سمة مميزة وغالبة للمجتمع الكردي بالمقارنة مع المجتمعات المتاخمة للكرد.

وفي المقابل نجد أن المرأة الكردية ( الزوجة ) بعد أن ترتضي بأحدهم زوجة فإنها تنتمي اليه والى ذويه تمامأ أي تتقبل السلطة الأسرية، أن هانسن تذكر أن الزوجة الكردية تأخذ الموافقة من والد أو والدة زوجها إن هي رغبت في زيارة أهلها، وبوا بدوره يؤكد أن حرية المرأة الكردية أكثر من سائر الشعوب المسلمة الأخرى فهي لاتضع حجاب على وجهها وأن كان رأسها مغطى دائما وهي كما يذكر بوا تدير أعمال المنزل وأموره المالية وتنظم مصاريف المنزل بحسب رغبتها.

اما مارك سایكس فيذكر ان جمال الكرديات متميز حقا وان ما يبعث الدهشة أكثر حسب رأيه ان المرء غالبا يجد المرأة الكردية التي تبلغ من العمر اربعين أو خمسين عاما صحية وجذابة ورقيقة العواطف و منتصبة القامة وتعمل بكدح، ويذكر السير مارك سایكس أيضا، أن المرأة الكردية حررت نفسها، وعلى الرغم من انها تعيش منفصلة عن الرجال فإنها قادرة على التمتع بأوقات فراغها وامتطاء الحيوان والتجول بحرية وان تتحدى زوجها كأية امرأة إنكليزية ويضيف أن هذا التحرر متأت من قيم عالية وصارمة متعارف عليها ضمن مجموعة مبادئ وأسس وليس من أي شئ آخر، وان الانحراف الجنسي وأعمال الفسق نادرة لدى هذه القبائل التي لا تعرف الحجاب، وأن مرض ( الإخلاص ! ) غير معروف في وسطهم ما يثبت عميقا سخف النظريات المتعلقة باستحالة إزالة الحجاب في المدن.

أن سایکس يستخدم مفردة ( Frank ) ويضعها بين قوسين بالرغم من المدلول العکسی للمفردة ليعني بها عدم معاناة القبائل الزوجية الكردية من الخيانات أو الانحرافات في القيم الزوجية أو ما يتعلق بالعرض والشرف بالرغم من عدم وجود حجاب يحجب وجه المرأة الكردية وهذا مما يسقط دور الحجاب الذي لاحظه سایکس مارك في المدن وقد ذكرنا في موقع آخر من هذا الكتاب أن حجاب المرأة الكلي أو الجزئي من الامور الطارئة على المجتمع الكردي أي المكتسبة من عادات شعوب أخرى . ويكفي أن نقول بأن زي المرأة اليومي أي زيها في حياتها اليومية هو في كامل الاحتشام دون تكلف أو استعراض.

والحقيقة نحن نتفق مع ما ذكره سایکس ما عدا مسألة ( أن المرأة الكردية حررت نفسها ) إذ لا نعتقد أن المرأة الردية كانت مغبونة الحقوق ثم تحررت بل نرى ان السيكولوجية الاجتماعية للكرد كانت أساسا لصالح حرية المرأة، لذا تختلف المرأة الكردية عن كثير من نساء المجتمعات الشرقية الأخرى من رزحن قرونة تحت وطأة استعباد الرجل ثم تحررت عبر سلسلة طويلة من التحدي.

نحن لا نقول أن المجتمع الكردي ( مثالي ) في توجهاته ازاء المرأة ابدأ فهو بدوره مجتمع شرقي وتتقاسمه القبيلة والمدينة وله مشكلاته التطورية والتحولية ولكن عموما ومن خلال مجمل إنطباعات المستشرقين ومن خلال الملاحظة المقارنة يمكن أن نقف على حقيقة صحة الانطلاقة الإجتماعية فيما يخص حرية المرأة زد على ما تقدم ، فإن للمرأة الكردية شخصيتها المتميزة حسب و رأي باسیل نیکتین.

ويعلق هوبارد على حرية المرأة الكردية إذ يذكر أن ما يبعث على الارتياح أن يجد المرء نفسه بين أناس لا يتعاملون مع نسائهم معاملة العبيد ، بل يمنحونهم عملية ذات الحرية التي يتمتع بها الرجال . ان هذه الشخصية المميزة للمرأة الكردية هي التي ساعدتها في أن تتمتع بحريتها وان تتبوأ مواقع قيادية وهي من وجهة نظر ریج افضل بكثير مما هي عليه في تركيا وإيران فالزوجة على رأي ریج تعامل على قدم المساواة مع الزوج وهي تسخر من عبودية المرأة التركية وخضوعها خضوع العبيد ولا شك أن المرأة التركية عوملت معاملة ( الإقامة الإجبارية ) في الدار لقرون طويلة في الوقت الذي يؤكد المستشرقون أن حرية المرأة الكردية لاتتحدد ومع ذلك لم يعرف المجتمع الكردي البغاء كما يؤكد ذلك باسيل نيكتين وكذلك يذكر سون ان نتيجة ا الصريح والحياة الطليقة في المجتمع الكردي فإن لغة الكرمانج ( أي اللغة الكردية ) لاتحفل بالكلمات الدالة على ( بغي سوى المفردة التركية أو الفارسية الأصل وهي كلمات لاتفقه الا في الوقت الحاضر وكذلك يذكر سون ان البغاء ينظر اليه بين الأكراد الريفيين گونه تحللا عجيبة غير طبيعي ، من العقل والأعراف وجزاؤه الموت.

وقد اورد ریج مثالا على شجاعة المرأة الكردية عندما زاره مرة فيض الله افندي الذي كان مرة ( دیوان افندي ) عند باشا بغداد وهو رجل حاذق ذو ولع شديد بالميكانيكيات ووصف الريج ( أرغنا ) صنعه ، وعند مغادرته لي ومجيء خدمه بجواده وإجتماعهم حوله التفت الي وخاطبني قائلا اريد ان اريك شيئة طريفة في بابه قد لا تكون شاهدته في حياتك ثم نادى احد خدمه ليحضر وسألني فيما اذا كنت الاحظ على الخادم شيئا غير إعتيادي فأجبته بالنفي ، وزدت فقلت اني اري فتى قويا فقال لي على اثر ذلك أنه ليس فتی بل فتاة كردية بلباسية وانها كانت احسن فارس واشجع جندي وافضل خادم يتصوره الإنسان.

وان سلوكها لا تشوبه شائية مطلقة ، بل انها زادت في شرف بنات جنسها كما زادت بشجاعتها شرفة على الرجال . وانها باكر ، أراد أحد الأتراك في يوم من الايام بها سوءا فشقت بطنه قائلة انني لا اتردد من شق بطن سيدي اذا حاول معي ذلك ، وهي تفخر لانها اندفعت بهجومها عدة مرات إلى مدفع معبأ دون ان تنكس أو تصوب رمحها الا عند وصولها الى قرب جنود المدفع . وكانت ترتدي لباس رجال الأكراد وعلى رأسها شال حریري . وهي ذات قامة هيفا ، يتراوح عمرها بين الخامسة والعشرين والثلاثين ذات ملامح كردية أصيلة وقد لوحتها الشمس . يؤكد نوئيل ايضا لاتوجد مفردة تفيد معنى ( بغي ) في کردستان ففي المناطق الشرقية من کردستان يستخدمون المفردة الفارسية اما في المناطق الشمالية فيستخدمون المفردة الروسية وفي المنطقة الجنوبية يستخدمون المفردة العربية وفي غرب كردستان يستخدمون المفردة التركية، يتبع.

المصدر :الدكتور بدرخان السندي : المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – صفحات { 20-121-122} – الطبعة الاولى 2002- دار ئارس لطباعة والنشر – أربيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق