شؤون ثقافية

أمير هكاري

طرائف كردية {8}

يقال أن أمير ” هكاري ” خرج مرة مع وزيره طلبا للنزهة ، وقد امتطيا جواديهما وتوغلا بين الأدغال والبساتين والكروم وسارا مسافات طويلة حتى نال منهما التعب فلجأ إلى جذع شجرة ينشدان الراحة وبعد قليل دب النعاس إلى عيني الأمير ثم استغرق في النوم وكان قد توسد فخذ الوزير ولم تمض إلا برهة وجيزة حتى شاهد الوزير ثعبانا هائلا يتجه إليهما فسل الوزير خنجره من غمده ليرهب به الثعبان ويدافع عن نفسه إن اقتضت الضرورة ثم اختفى الثعبان بين أشجار الغابة وفي الوقت الذي كان الوزير يسعى إلى إغماد خنجره أفاق الأمير من غفوته وشاهد الخنجر مشهرة بيد الوزير فساء ظنه بالوزير وخيل إليه أنه كان ينوي الفتك به غدرا فقال للوزير : ماذا يدعوك إلى اغتيالي ؟ !

۔ حار الوزير ولم يدر بم يجيب فسكت على مضض وأخيرا قال له : كما ترى . يعلم الوزير يقينا أنه مهما حاول تبرير موقفه ومهما حاول أن يبرئ نفسه من التهمة الموجهة إليه فلن يستطيع إقناع الأمير لأن الثعبان قد اختفى والخنجر ما وهما سببان قويان لإثارة كل شكوك الأمير ، وبعد أن عادا أدراجهما قال له الأمير : ما رأيت منك يحتم على قتلك ولكن نفسي لا تطيب بذلك لأنني كنت أراك دائما حكيمة عظيمة ولك عندي أياد بيضاء ولست براغب في بقائك ها هنا بعد الآن . فدع هذه البلاد وشأنها وجد لنفسك مكان آخر . لم يجد الوزير بدأ من مغادرة البلاد وقصد بلاد غريبة ونائية ، وفي إحدى القرى وجد لنفسه عملا في مطحنة القرية . أما الأمير فاتخذ وزیرا آخر ليستشيره كلما تأزمت الأمور وأعضلت المسائل إلا أنه لم يكن راضية عن هذا الوزير كل الرضى وما راقه الوزير الجديد لأنه لم يستطع أن يملأ الفراغ الذي تركه الوزير المهاجر فكان يناجي نفسه :
ليتني أعرف لم فعل وزيري ما فعل ولماذا قصد قتلي ؟ !.

وإذ ضاق بهذه الحال أرسل في طلب رجل معروف بالحكمة والمعرفة ولما حضر الرجل الحكيم قال له الأمير : سنأتيك بحمل وسنزنه في البدء ثم نجعله في عهدتك مدى عام كامل و غب مرور العام سنزنه مرة أخرى فإن ألفيناه نقص وزنة أو زاد أعدمناك بجز رقبتك ، فخشي الرجل الحكيم على نفسه واضطرب لأنه يعلم أن الأمير إذا قال فعل فأخذ الحمل وشرع يسائل الناس هنا وهناك عله المعضلته حلا يرضي الأمير وينقذه هو ولكنه لم يجد بغيته لدي أي من الناس فجد في البحث وساح في البلاد وأخيرا ساقته المقادير إلى تلك القرية التي يقيم فيها الوزير الذي أصبح طحانة فنال منه الجهد والنصب وأضناه طول التجوال فلاذ بظل جدار ينشد لديه بعض الراحة والاستجمام لفرط ما لقي من التعب ، وبعد أن أنهى الوزير الطحان أعماله خرج من المطحنة متوجهة إلى داره رأى رجلا غريبة قد أوي إلى جدار فدنا منه ثم دعاه إلى داره وقدم له ما يقدم للضيف من طعام وشراب ثم قال له : أراك حائرة في أمرك لا يكاد يبين لك منهج أو سبيل . أجاب الرجل الضيف الحكيم : إني ” حق ” غريب عن هذه البلاد وقادم من بلاد نائية من مدينة أمير ” هكاري ” وقد جرى لي مع الأمير أمر عجب . وحدثه بإسهاب عن رغبة الأمير فتنهد الوزير الطحان وتحسر وقال له : عد إلى دارك وائت بجرو من جراء الذئاب واربطه إزاء الحمل فإنه مهما تناول علفأ فلن يزيده وزنا وسيظل كما هو لأنه سينظر إلى عدوه كل حين متربصة به.

ولم يكن مطلب الأمير أمرا غامضة فقد أدرك الوزير الطحان أن الأمير يحاول العثور على الوزير المهاجر.

ولما بلغ الحكيم داره اقتني جرو ذئب وربطه إزاء الحمل وبعدما انصرم الحول أخذ الحمل إلى الأمير فأخضع للميزان وتبين أن وزنه لم يتغير ولم يتبدل ولم يزد وزنه ولم ينقص فقال له الأمير : عليك أن تصدقني القول ، من هذا الذي علمك هذه الحيلة ؟ ! . روى له الحكيم حكايته الطحان ثم وصف للأمير حاله وهيئته فأدرك الأمير أنه وقع على وزيره المنفي وأنه قد عثر على ضالته فجمع بعض الفرسان واتجه بهم إلى حيث يقيم وزيره السابق وفي الطريق أعاد الأمير عليه السؤال : لم أقدمت على ما أقدمت عليه ؟ حدثه الوزير بالأمر كله كيف رأى الثعبان وكيف أرهبه بالخنجر حتى لاذ بالفرار واختفى بين أشجار الغابة . وأنه فعل ذلك كي لا يوقظ الأمير . وفي تلك الساعة كنت في حالة نفسية لا تستطيع معها تصدیقي مهما حاولت تبرئة ساحتي وأغلب الظن أنك الآن على يقين بأنني لم أقل لك سوى الحقيقة.

المصدر: تيريز: طرائف كردية -الجزء {الأول والثاني} – صفحات{20-21-22} – الترجمة الشيخ توفيق الحسيني و دلاور زنكي، دمشق 2010.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق