شؤون ثقافية

آفاق الشعرية في قصيدة النثر التونسية من خلال نماذج معاصرة

آفاق الشعرية في قصيدة النثر التونسية من خلال نماذج معاصرة*
 
*سامي المسلماني (شاعر وناقد من تونس)
1)تمهيد:
يتيه الشاعر المعاصر في بيداء اللامعنى والفراغ السديميّ ،وكلّما غام الكون وتلبّس الوجود بالرّماد والرماديّ أشرقت شموس في باطنه ليضيء ماغام وعتّم وليبدّد طبقات الرماد وكسر الرمادي الداكن وليشعل حطب كينونته أكثر علّه ينير زاوية أخرى من زوايا وجوده الذي هو جزء من الوجود العام المرئيّ و اللامرئيّ.
هذا الكلام يجسّد في وجه من وجوهه سمة من سمات الشاعر المعاصر وأخصّ بالذكر شاعر قصيدة النثر ،ذاك الشاعر الذي وان أوغل في متاهات الغموض فانه قد أصبح يقول أكثر ويتحرّك أكثر ،ويسبح ويغوص أيضا.اذ يبدو أن التجارب الشعرية التونسية المعاصرة في مجال قصيدة النثر قد غدت –بحقّ- عملية تأرجح مرعب بين السديم والكينونة،
بين الكمون والتجلّي،بين الموت والحياة.فمابين الوجود والعدم،في برزخ هلامي ضبابي ،ينبثق الشعر التونسي المعاصر صادقا حتّى النخاع لا يقول الا ذات قائله ولا يستأنس الا بما تعتّق في الأعماق من تجارب ذاتية
 
ومن ارهاصات وجدانية ووجودية والا بما ترسّب هناك بعيدا وعاليا من ثقافة متشعبة عميقة زادت من سواد الذاكرة وبياض الشعر.
شاعر قصيدة النثر المعاصر أصبح اليوم أقدر على التقاط مالم يستطع السابقون التقاطه :المزاوجة بين العقلي والشعوري ،بين المجرّد والمحسوس،بين السفليّ والعلويّ، بين المدنّس و المقدّس…ولكنّ هذه المزاوجة وهذا الزواج مهدّدان في كل لحظة بالطلاق البائن ومغريان في كل حين أيضا بنوع من التماهي العجيب الذي يحجب الخيوط الفاصلة والنقاط الفارقة.لاشيء ثابت ،لاشيء مستقرّ.كل شيء قابل للتحوّل .كل شيء خاضع لقانون التجاوز.
لذلك لن تفيدك كثيرا أسلحتك النقدية ،أيّها الناقد ،وأنت تواجه نصوص قصيدة النثر التونسية المعاصرة ،ستتكسّر نصالك على جدرانها الصمّاء الصّامتة.
تلك الجدران ستبعثر كلّ ما عرفته عن البنية وعن اللغة وعن الايقاع وعن الصورة…ستتحطم سيوفك وأنت تقارع عباراتها البسيطة الصّلدة وتراكيبها المنسوجة على غير منوال .أنت تحتاج الى أكثر من مجرّد أسلحة المفاهيم النقدية والمناهج التأويلية والى أكثر من ترسانات التصنيف والتبويب …أنت تحتاج الى أن تكون عاريا تماما حتى يبلغ ماء ينابيعها روحك القارئة .عليك فقط أن تكون قارئا بريئا وحالما،مسالما وعاشقا خاصّة، يتماهى مع النصّ ولا يقف بعيدا عنه أو يقيم سورا ما يفصله عنه.
وللتوسّع فيما ذكر آنفا سنشتغل في هذه المقاربة القرائية على مدوّنة تضمّ
 
 
أربعة من شعراء قصيدة النثر وهم:جميل عمامي،سامية ساسي ،وئام غداس و منصف الخلادي.
وذلك سعيا وراء استجلاء بعض خصائص قصيدة النثر المعاصرة بالانطلاق من متن نصّي، حتى لايبقى المشغل النقدي الشعري المتصل بقصيدة النثر حبيس التنظير وسجين المناصرة والتأييد أو المعارضة والعداء.
ولن ندّعي هنا أن هذه المقاربة ستفي قصيدة النثر حقّها من الدرس والتأويل ولكن سنحاول فقط استخلاص مجموعة من الملاحظات والرّؤى المتعلقة ببنية قصيدة النثر التونسيّة المعاصرة وايقاعها وصورتها وما تحيل عليه من سعي الشعراء الى ارتياد آفاق جديدة تثري القول الشعري وتحبله بأبعاد جديدة .
2) قصيدة النثر تتحدّث عن قصيدة النثر
ما يلفت الانتباه في المدوّنة التي نشتغل عليها حضور قصيدة النثر
ابداعا ومفهوما ،اذ نجد العديد من القصائد التي يتحدث فيها أصحابها عن رؤيتهم للشعر وعن وظيفته وعن مناخاته ،فاذا بقصيدة النثر تتحدث عن نفسها وترى ذاتها في مرآتها ،بل ان بعض القصائد تدعو القارئ دعوة صريحة الى الاقبال على قصيدة النثر والتخلّص من حججه الواهية التي يبرّر بها رفض هذا الشكل الشعري .لقد آن الأوان كي نلقي بأوهامنا جانبا ونقبل على الحقيقة كما هي نعانقها وتعانقنا :قصيدة النثر أصبحت حقيقة ماثلة أمامنا لا مناصّ من قبولها والتسليم بها نمطا شعريا فرض نفسه في الاوساط الشعرية العربية وأخذ يخطو خطوات حداثية هامة على أديم الابداع .ولا شيء قادر على دحضها أو الغائها من المشهد الشعري الراهن .فهل تدحض الشمس بمجرد وضع كفوف ايدينا أمام عيوننا؟؟وهل نطفئ شمعة تضيء ركنا من أركاننا كي نبقى في الظلمة؟؟
اذن،هكذا نكون كمن يضع أصابعه في أذنيه كي لا يسمع صوت السكسيفون ،وكمن ينام كي لايقرأ قصيدة نثر.يقول منصف الخلادي في قصيدة “حجج”:
ياملائكة السكسفون
ياشقيقاتي
أحبكم لا بحجة أني أتعاطف مع تاريخ السود
بل بحجة أنني لا أضع الأصابع في الأذنين.
ويقول أيضا في نفس النص:
” بحجة أننا شعراء لغة نطفئ شموعا شفاهية
وبحجة أننا لا نريد أن نقرأ نصّا نثريّا كهذا
ننام.”
 
فقصيدة النثر اذن مازالت ،في واقعنا التونسي ،ردّة فعل جامحة ازاء ماترسب من مقولات شعرية كلاسيكية أوغلت في عالم المبالغات الفجّة أحيانا كثيرة وابتعدت عن الواقع المعيش في صميميّته ،ومن ثمة فهي تؤمن بضرورة النبش في الواقع الذاتي والجماعي وتجنّب التضخيم مهما كانت تمظهراته،فهي سعي جدّي الى انارة أكثر الزوايا عتمة في الذات وفي الكون وفي الآخر.تقول وئام غدّاس في نص “أخفّ من قشة”:
“أكتب اشياء ولا أعرف بعد ذلك
كيف أصنع منها قاربا أو سريرا
لأبتعد أو أنام
أمرّر أصابعي على الحروف
لأتأكد من متانة المعاني
أرأيت؟..
كلّ هذا الخشب في اللغة
والقشّة المنقذة أنبل.”
ولا تحضر قصيدة النثر في قصائد النثر التونسيّة المعاصرة من خلال جهازها المفهومي فقط ولكنها كائنة ايضا من خلال تسميتها أو ذكر بعد من أبعادها أو رائد من روّادها .يقول منصف الخلادي في قصيدة” في انتظار مرض ما”:
 
“هكذا أهذي ذاكرا مرض أرتور رامبو العظيم
منبهرا بنقالة تحمله
وبساقين أكلتهما الدوالي.”
كما تلفت الانتباه في المتن النصي لقصيدة النثر التونسيّة المعاصرة الاحالة على مفهوم الشعر ووظيفته ،فالشعر ملاذ يحتمى به من فظاعة العالم .تقول وئام غداس في نص”الشعر”:
أعيش بالشعر
أحتمي به
وأختبئ من اليأس
في المجاز”
بل للشعر وظيفة كونية اسطورية.تقول في نفس النص:
“لكنه الشعر
مالا يضخ الدم الا في العروق المشلولة
عجوز تؤلمه مفاصله
ويئن من هشاشة العظام
يرمّم الصدع الأعمق
في جدار الكرة الارضية
رغم كل ذلك”
 
 
والشعر ايضا أجنحة تطير بالشاعر حيث يراد له أن يطير فعبر التجريب تلغى الاهداف المسبقة ويعيش الشاعر مغامرة الكتابة في دهشتها وعفويتها الخالقة .فما أروع أن يكون الشاعر خفيفا طليقا حرا كقشّة في الفضاء .تقول وئام غداس في”نصوص” مستلهمة رواية ميلان كونديرا”كائن لاتحتمل خفته”:
“انسي فقط خرافة الحواس
وتعلمي الخفة في الحياة
أن تقذفي بعض الكلمات من النافذة
الآن..الآن
ابدئي ب(كثيرا)
واتبعيني هكذا مثلما أشير اليك
سترين كم السطح منعش
كم العمق خانق.”
ويحضر مفهوم “المجانية” بقوة في بعض النصوص،فشاعر قصيدة النثر المعاصرة مازال يؤمن بأن قصيدة النثر لا تجري نحو هدف معين سواء أكان أخلاقيا أو سرديا أو فلسفيا..وهذا المفهوم في وجه من وجوهه هو سبيل الشاعر الى البحث عن لغة بكر تقال للمرة الاولى ،لا تقول شيئا معينا ولكنها تقول اشياء كثيرة ،و”لا تصوّب على أحد” ولكنها تصوّب على الجميع لتخترق حجب القول الشعري الجماعي كي تقبع في الزاوية.
 
 
ثمة سعي اذن الى جعل اللغة تقول أكثر مما كانت تقول،فالشعر شوق لا ينقضي الى مالم يقل ،والغموض بوابة للدلالات التي تتراءى وتغيب كحلم لذيذ.ومن هنا تتجلى سمة من أبرز سمات قصيدة النثر المعاصرة وهي”التلعثم اللغوي”التي تشي بسعيها الحثيث نحو ضفاف لغوية جديدة تتلجلج في اعماق الشاعر بين الكتابة والمحو وتاخذ بناصيتها قصدية التجريب وما تختزنه من ثنائيات من قبيل الاثبات والالغاء،التقدم والتراجع،الايحاء والتصريح…فكأن قصيدة النثر تصبو الى كتابة الصمت الآهل بالاصوات عبر اللهاث وراء المعنى الضائع للحياة.
 
 
فالتجريب اذن سلّم الشاعر الى آفاق شعرية جديدة والسلّم الى التجريب هو المجاز من حيث هو ضرب من التشكيل اللغوي ،لذلك تتراءى قصيدة النثر التونسيّة المعاصرة اقامة في المجاز ،والانسان في نهاية المطاف مجاز يغالب مجازه،وفي هذا دلالة واضحة على أن المجاز لم يعد مجرّد وسيلة تصوير بل هو تجاوز وفضاء اقامة وكينونة ،فالشاعر المعاصر يعيش بالمجاز وفيه ،أي هو يعيش بالشعر وفيه،فالشعر وسيلة اقامة في هذا العالم المحاصر بالحقائق الواهمة والعقل الكاذب ،وبذلك يغدو الشعر بهجة سرية فيبتعد كل البعد عن النزعات النفعيّة والجري وراء أي نوع من انواع السلطة وعن الجاذبيّة الارضيّة الخانقة.
 
ومن بين قصائد النثر التي تصف نفسها نجد ايضا قصيدة “ثلاثة شعراء في الليل” لجميل عمامي ،أين يومئ جميل الى أنّ الايقاع الخارجي في النص الشعري يخرج الشاعر من عالم الشعر أكثر مما يدمجه فيه ،فمعانقة الشعري لاتكون الا بالخروج عن الايقاع الخارجي والتمرّد عليه ولا يخفى هنا الانتصار لقصيدة النثر والايمان بها من حيث هي شكل شعري يرتكز على بدائل ايقاعية تنأى عن الوزن الكلاسيكي وقوانينه الجامدة.يقول جميل عمامي :
“الشاعر الثالث
كان يقضم الضوء بلا رأفة نكاية بالايقاع
الخارجي.
الشاعر الاول- الشاعر الثاني
يخرجان من المشهد.
الشاعر الثالث يدخل القصيدة.”
 
 
كما يرى جميل عمامي أن الشعر أقوى وأنصع وهو يمور في أعماق الروح وعندما يكتب على الورقة يفقد الكثير من نصاعته وكثافته وتنقص مهاراته وقدرته على الطيران ،فأجمل نص هو ذاك النص الذي لم يكتب بعد .وفي هذا الاطار يشير الشاعر الى قضية من أهم قضايا قصيدة النثر وهي مسألة الحرية والتحرر من القيود مهما كان نوعها ايقاعية او صورية او لغوية لانّ قصيدة النثر لا تؤمن بالشروط المسبقة وترفض أن تحنّط في شكل معيّن أو في قالب مخصوص فهي تكتب لتتجاوز وهي سيرورة فنيّة لا تقف عند نقطة معيّنة ولكنّها في بحث متواصل دائم عن آفاق جديدة وعوالم مجهولة وهي تحلم دوما بأن تختزل الكون في فلكها وتقول العالم في نبضاتها.يقول جميل في قصيدة “فكرة”:
“هكذا انت الآن بحر من المفردات
عليك أن تغوصه
كي تصطاد قصيدة
قصيدة واحدة لأجل كل هذا الليل.”
فالنص الشعري، اذن،في عرف شعراء قصيدة النثر المعاصرة هو نص يحلم بالكمال،هو نص لم يكتب بعد،فكل شاعر يحلم بقصيدة تختزل الذات وتختزل الوجود في الآن نفسه،قصيدة يبقى صداها يتردد عبر الدهور، لا يخبو ألقها ولا ينقضي أريجها.
 
 
فالقصيدة التي يحلم بها الشاعر هي قصيدة لا تخضع للمقاييس المسبقة،تكتب على غير منوال ،مستقلة وجامحة وثائرة تمحو ماقبلها دفعة واحدة وتشرع الابواب امام المجهول.انها قصيدة تكتب خارج الزمن.
انها حتما قصيدة يحلم بها كل شعراء قصيدة النثر المعاصرة لذلك نجدهم يعمدون الى كل أشكال التجريب والى استخدام كل مايتاح لهم من آليات ولعل أبرز هذه الآليات طرق بناء القصيدة .
 
3) في بنية قصيدة النثر التونسيّة المعاصرة
 
تستعمل قصيدة النثر كل الآليات الشعرية ،فهي شكل شعري مفتوح تكتب نثرا وتقدم ضمن سياقات شعرية ،فقصيدة النثر لا تملك “شكلا” مسبقا تختصّ به ،فهي تبحث دائما عن أشكال ثقافية أو أدبية أخرى تتّخذ منها قوالب وتفصّل منها بنية تخدم مناخاتها ،فهي لا تؤمن بالشروط الشكلية وليس لها بنية مخصوصة .لذلك فالطريقة الوحيدة الملائمة للكلام عن البنية في قصيدة النثر هي ان نتكلم عن أنماطها ،وهذه الانماط ليست ثابتة او ساكنة وانما هي ببساطة أنماط تحدّد نزعات شائعة في البناء وذلك لتيسير البحث والقراءة ،وهذه الأنماط أيضا تحيل على احتمالات قصيدة النثر وآفاقها الرحبة وليس على رغبة في حصرها في أطر معيّنة.
 
 
ومن خلال استقراء المتن النصي الذي بين ايدينا يمكن استجلاء الانماط التالية:
*قصيدة النثر الحكاية
يقوم هذا النمط على تقرير سردي موجز ينهض على تجربة شخصية او أحداث ضمن سياق تاريخي معلوم ولا تسير قصيدة النثر الحكاية نحو مغزى او عبرة معينتين وانما تسعى الى الكشف عن حقيقة ذاتية او رؤيا مخصوصة نستشفها من ثنايا الاحداث .ويتضح في هذا النمط الميل الى التقرير او التسجيل السيري التاريخي ،وقد يعتمد على تجربة شخصية وتفاصيل واقعية تضفى عليها حساسية أسطورية أو خرافية ،ويتجاوز هذا النمط الحدث الفردي الذي يقوم عليه ليبلغ صورة فنية متكاملة ترجّع صدى ما يسمع من وراء مدلول التجربة المبدئية ذاتها ،وقد يوحي برؤى جديدة تناهض الرؤى المتوارثة .فهذا النمط يقوم على تقنية الاختراق أي اختراق ظاهر الاحداث والشخصيات والمكان والزمان… والارتقاء بها الى رؤية أشمل للوجود ولذواتنا ولقيمنا…ومن هنا فان تتالي الاحداث لا يحيل على رغبة في سرد قصة ما ،لأن هذه الاحداث في حد ذاتها لا تنتظم وفق حبكة معينة وانما هي تتلوّن بتلاوين نفسية ورمزيّة وتستحضر غلائل الأعماق الضبابية فاذا بنا ازاء قناع يخفي قناعا .
نحن مع هذا النمط من قصيدة النثر نسير في غابة من الأقنعة ونوغل في سجف متراكمة و طبقات كثيفة يواري بعضها بعضا.،فتلتقي النزعة السردية مع النزعة الشعرية على أرضية زلقة وفوق رمال متحركة
 
 
تزلزل ثبات النص ووثوقيّته وتؤسّس لنصّ مخاتل يتظاهر بالسرد ويبطن الشعر .
ومن النصوص التي تمثل هذا النمط نص”هلوسة ” لوئام غداس ،أين تبدو الأحداث بعيدة كل البعد عن سماتها التعاقبيّة والزمنية والمنطقية ولا علاقة تربطها ببعضها سوى مايجمع بينها من خلجات نفسية تنبثق من ذات الشاعرة ،فهي”تسكن علبة صغيرة قديمة ” و”تطلي الجدار بالاحمر كي يمكنها الخروج كل يوم بلا ضجة كبيرة” مثل “نقطة دم” ،والوحدة تهجم عليها مثل خنزير نتن فتعود الى الحيطان تقشرها مرة أخرى .انها قصة الذات تنزّ الرؤى من أعماقها الحزينة مثل دم أسود،فتلوذ بالذكريات معلّقة على الجدار وبالمهدئات التي لا تفلح في كبح جماح الحزن والألم ينخران الروح.تقول:
“ركبت العزلة
ثم شددت الحزام
أثارتني هبة هواء متماوجة
ضغطت على الالم ليستفيق
وذوّبت آخر ماتبقّى من المسكنات
في بحيرة صغيرة
أسفل عيني..”
كما تلفت انتباهنا قصة “شاحنة البيرة” في نص “أقود شاحنة بيرة ،حين أكتب” لسامية ساسي ،فهذه الحكاية في الحقيقة تعكس قصة الشعر وقصة
 
 
الابداع عند الشاعرة.فهي تقيم عبر الاحداث علاقة تقابل بين “البيرة” و”الشاي” .ف”البيرة” هنا تحيل على الخروج عن الجماعي المألوف والمقبول أمّا”الشاي” فهو يرمز الى الجماعي المشترك ،وكأنها من خلال ذلك تكرس تلك المفارقة بين قصيدة النثر بما هي ضرب ل”التابوات”الشعرية وخروج عنها و قصيدة الوزن التي تكرّرت وتكلّست حتى غدت نمطا جامدا لن يضيف الكثير الى الشاعر العربي ولا الى الشعر العربي .تقول:
“وأحبّ شاحنة البيرة التي تركن الآن ،فارغة،أمام بيتي
فأسكر بلحس الحبر بين أصابعي
تحت عريشة العنب…وأغني.”
فالشاعرة مسكونة بهاجس الاختلاف شعريا لذلك فان عملية الكتابة بالنسبة اليها هي”قيادة شاحنة بيرة”،هي لاتخفي شيئا ولا تخشى شيئا “ولا شيء يترنح تحت ورق التوت” ولا يعنيها كثيرا”استغفار الشاي في المقاهي”وانما هي تستمرئ لعنات المجموعة القطيعية وتستمتع بحجارة الاطفال يرمونها بها سخرية وهزءا .وبذلك تتجلى لنا صورة الشاعر النبيّ الّذي يرى مالايراه الآخرون مهما كانت كثرتهم .انها نبوءة
“الاصابع التي تقذف سريتها خلف النوافذ وتحت الجدران” فيغدو نجس الشاعرة طهارة ونحسها بركة تحل بها وتعمّدها.
ومن بين هذه النصوص ايضا نص “حشرجة” لجميل عمامي ،اذ ينطلق هذا النص من “البرميل الاحمر” فيضفي عليه الشاعر حساسية أسطورية أي أنه “يأسطره” ويبعث فيه الروح ليغدو كائنا ذا مغزى شعري شفاف
 
 
يرتسم في ذاكرة الشاعر رمزا لفترة الطفولة ،أين كان الشاعر يمتطي صهوة ذلك البرميل كفارس يمتطي صهوة حصان ،ولكن ذلك البرميل يغدو حصانا طائرا يلامس سماء الاحلام ،أحلام الطفل وهو يتطلع الى الوجود .يسترجع الشاعر هذه الذكرى ليعلن عن موت الماضي الجميل من خلال عبارة “حشرجة” ،ولكنه اذ يعلن عن ذلك هو يعلن في الحقيقة عن موت “طفولة العالم” وبراءته وبساطته وعفويته من ناحية ويستنكر راهن هذا العالم الخانق الذي اغتيلت فيه الاحلام من ناحية اخرى.يقول جميل:
“ذلك البرميل الاحمر الجاثي على عتبة الباب
حمّالة نهد،
منذ عشرات السنوات وهو يقبع هناك،منسيا
وصدئا،
كم رقص الطفل الذي كنته على صهوته،
كم منع رياحا عاتية من العبث بادباش الجدة.
ذلك البرميل الاحمر الصدئ كان مسلّة أحلامه
وذخيرة جدته في وجه الطقس.
رحلت تلك الايام بلا رجعة …والجدة نامت نومتها.
الباب الخشبي المنخور تدميه الاصوات بلا شفقة.
من يفتح رأسي ليزيل حشرجة الماضي.”
 
 
*قصيدة النثر التيمة
يقوم هذا النمط على كلمة مولّدة ،كل النص ينطلق منها ويعود اليها فهي بمثابة الكلمة المغناطيس ،أو هي أشبه بمثلث برمودة تستقطب كل عناصر النص وتمتصّها وتصهرها في بوتقتها الاشعاعيّة الاشراقيّة مثل كلمة “اسفنجة” في نص “الشعر ثقب في جسدي” وكلمة “صفصافة” في نص “أنا عارضة الازياء بيد واحدة” لسامية ساسي .تقول:
طويلة القامة كصفصافة،
يمكنني أن أزحف على بطني،أن أكسر أظافري في شقوق الجدران
حين أخضرّ وحيدة على عتبة الموانئ
أنا،الصلعاء التي تغنّي على الأرصفة القاحلة،
يمكنني أن أقبّل الله حين أصلّي ،
أن أنزف من عينيّ حين أعطش وأنجب عميانا وشحّاذين
يغفرون لي
أنا،
عارضة أزيائي ،هنا،مبتورة الأطراف كصفصافة،
يمكنني،أن أقطع يدي
لأجل شاعر بيد واحدة ،أراد في نهاية العرض
أن يصفّق.”
 
 
*قصيدة الاستقصاء
يعتمد هذا النمط على سحب المجاز على معظم القصيدة عبر ضرب من تداعي المعاني والصور .فيشكّل المجاز القصيدة ويكون جوهرها المنظّم وعمودها الفقريّ .وقد تنطلق من صورة مفردة تتولّد عنها صور فرعيّة تتشابك وتنتشر عبر القصيدة تدريجيا مثل قصيدة “حنانك ” لوئام غداس اذ فيها يتم استقصاء معاني الحنان ،حنان الحبيب ربما،ودلالاته .فالشاعرة تجري وراء اللغة ،واللغة تجري وراء التفسير ،تفسير مالا يفسر ،حتى ليغدو التفسير في حد ذاته مستعصيا على التفسير .ولكنها عبر هذا النمط المخصوص من البناء استطاعت أن تجعل لهذه القصيدة عمودا فقريا قائما على ثنائية الأثر والماهية،أثر الحنان وماهيته،فهذا الحنان يملأ الفراغات بالمعاني ويؤلف بين المتناقضات ،وهو يزرع الجمال في وجودها عبر غلق أفواه الجروح وتمشيط شعر الوحشة ،ويصالح بين الريشة والعاصفة ،وينفض ذنوب الشيطان ،ويحيك للثلج معطف فرو…ولكن هذه الجمل الفعلية المتعاقبة المتراصّة لاتروي ظمأ الشاعرة فكأن حركات الأفعال اللامتناهية تشتت المعاني والدلالات
 
 
في كل الاتجاهات ،فتفرّ منها المحاصرة وتتبدد مهمة الاستقصاء فتلوذ بالجملة الاسمية لما لها من ثبات يحصر الامر من ناحية ويعطيه بعده الاطلاقيّ المؤطّر من ناحية أخرى.فيغدو حنان الحبيب خضرة العشب و”عويل الحب يهذي في الكراهية” و”ضربة فرشاة ملونة فوق الرمادي”.
وبذلك يغدو حنانه حياة تلغي الموت ،ونورا يلغي الظلمة ،ونسغا يعطي الاشياء جواهرها.
*قصيدة الشيء أو الأشياء
وهو نمط مافتئ يتسع ويتطور ومن خلاله تروم قصيدة النثر استنطاق الاشياء و”أسطرتها” من خلال اكسابها أبعادا شعرية عبر التشكيلات اللغوية ،فهذه الأشياء يصبح لها اشراقا خاصا بفضل زرعها في النسيج اللغوي للقصيدة وبفضل استنباتها في تراكيب مبتكرة،و يجعل منها نوى اشراقية تنبعث منها أنوار شعرية خاصّة.وكأن الشعراء من خلال هذه الاشياء ،التي يمكن ان تكون جمادات أو منتجات استهلاكية أو أدوات مطبخ أو أدوية…،يريدون خلق علاقات جديدة ،هي علاقات انسانية لامحالة ،ولكنها علاقات وجودية أيضا،فهم يسعون الى تفسير وجودهم أو البحث عن علل لوجودهم من خلال أبسط الموجودات .
تلك الأشياء المادية المستهلكة المهمشة تغدو في حد ذاتها قيما ثابتة تسأل وتساءل ،وكأن شاعر قصيدة النثر التونسي قد ملّ تلك المفاهيم الفخمة الرنّانة المنتفخة التي طالما ردّدت ،ونظر الى الأسفل والى مابين يديه يسائله عن الكينونة وعن أسرار الكائن في المكان والزمان فيتعثر بين أشياء الواقع وأحجاره حائرا متأملا ومناجيا.وبذلك تستدعي قصيدة النثر
 
 
العميق عبر السطحي والمهمش العابر ،فتصبح أشياء العالم سلّما يوصل الشاعر الى التفكير مليا في وجوده وفي منزلته بين تلك الاشياء وفي وجودها فيه وحوله وفي العلاقات الخفية التي تربطه بها ،وبذلك يساهم العابر المستهلك في بناء قصيدة النثر حتى تقول الذات وما يعتمل في أعماقها.تقول وئام غداس في”قصائد رديئة”:
“أترقّق مثل حبة البطاطا
يعدّونها لكيس “الشيبس”
حزنا على عظم هذا كل شيء
خشخشة الافواه التي تأكلني
ماتزال تصلني
الحرارة التي على ألسنتهم
ليست من البهارات
تلك صلواتي.”
*قصيدة النثر الومضة
هذا النمط هو عبارة عن نور مباغت أو برق يضيء لوهلة من هنا وهناك،وهي أيضا أخبار موجزة ،ونص مفاجئ محكوم بالايجاز والكثافة الشديدة وبتحويل وجهة الخطاب بشكل خاطف يحدث الدهشة.ففيها تنتقى الكلمات انتقاء مشوبا برغبة في احداث الصدمة عبر أنساق تحويلية تغيّرمجرى الكلام نحو وجهة أو وجهات أخرى تبعث الحيرة في نفس القارئ
 
 
فتكون بمثابة لقطات فوتوغرافية تفرز صورا ترسخ في وجدان القارئ ويصعب محوها ،ولا يخفى في هذا النمط من قصيدة النثر مدى استفادة هذا الشكل الشعري من فنّي التصوير الفوتوغرافي والرسم .ومن الامثلة على ذلك مانجده عند وئام غداس مثل:
” البستان داخل كفي
أفتحها
لا أثر لأيّ شيء.”
ومثل:
” متعة أن تكون خاسرا
أتعمّد الرهان على ذات الحصان
ذي القوائم الثلاث.
ومثل: كسر
حضنتك بحرص منذ الأزل
كي لا تمسّك ريح عاتية ولا غيوم متحجرة
أفطن الآن أنك خلقت مكسورا
ياجناحي.”
حلازين..حلازين
 
من ينقذ الزمن في أعمارهن المهدورة ؟
من يكتب للبطء سيرة أخرى
ونهاية سريعة؟
الحافلة
ينزلني السائق دائما
في منتصف الطريق
تضحك مني الأرصفة
ويسيل من جهاتي الضياع.”
*قصيدة النثر المناجاة
هو نمط يقوم على مناجاة النفس،فكأن الشاعر من خلاله يروم مشاركة القارئ فكرة داخلية باطنية .وبحكم أن هذا النمط يرتكزعلى خطاب الذات للذات فان له قدرة عجيبة على التبصّر وعلى الحفر بعيدا وعلى اختراق حجب الأعماق،أعماق الذات المجهولة،كما أنه قادر على انارة فكرة تتلجلج في رأس مكدود.تقول وئام غداس:
“ستقشرين هذا الحلم
وستطلع في قلب كفك زهرة حمراء
لا تسمّي ذلك مؤشر حبّ
ولا تهاتفيني للاعتماد على حدسي
 
 
ستحبين..ستحبين
انسي فقط خرافات الحواس
وتعلّمي الخفة في الحياة
أن تقذفي بعض الكلمات
الآن..الآن
ابدئي ب(كثيرا)
واتبعيني هكذا مثلما أشير اليك
سترين كم السطح منعش
كم العمق خانق.”
وتتراءى لنا من خلال هذا النص فكرة تموج في أعماق الشاعرة وقوامها روعة الخفة بما هي طيران وتحليق وحرية ونأي عن الزامات الواقع الرديء ،وقتامة الثقل أو العمق بما هو جاذبية مقيتة وقيود واكراهات.
*قصيدة التكرار
وهذا النمط يقوم على تكرار كلمة او عبارة أو صوت ،وليس في ذلك تأكيد لتلك العبارة او الكلمة او الصوت فقط وانما ثمة ايضا تأسيس لبنية دائرية تضاهي مانجده في الموسيقى من تقاطعات صوتية وتماثلات ايقاعية .ولكن هذا النمط يذهب الى أبعد من ذلك فيستخدم تنويعات تركيبية مرتبطة بتلك الكلمة او العبارة او الصوت .لذلك يتخذ ذلك العنصر
 
 
المكرّر منصّة وثب تؤدي شيئا فشيئا الى تشكيل شعري أعمق وربما الى منظور جديد الى فرضية ما،اضافة الى أن هذه التقنية تمكّن شاعر قصيدة النثر من الكشف عن ثراء اللغة من خلال التحرك داخلها وبها بأكثر حرية ،اذ يمثّل هذا العنصر المكرر لولبا يشكل أبعاد النص ،وأداة بيد الشاعر يسعى بواسطتها الى محاصرة مالا يحاصر وتعيين مالا يعيّن.
وبذلك تتجاوز اللغة وظيفتها التواصلية التعبيرية لتغدو وسيلة كشف واشراق بل تغدو أداة”تبئير شعريّ” يحفر بها الشاعر عميقا وعاليا ويدور بها ويداورها ويراودها وتراوده علها تبوح بمالم تبح به من قبل ،وتعترف بعد انكار وتكتّم.
 
*قصيدة النثر المقالة
يقوم هذا النمط على لغة تحاكي لغة المقالات ولكنها تنأى عنها بالابتعاد عن الصبغة التقريرية المنطقية واكسابها أبعادا شعرية من خلال علاقات التجاور والتقاطع بين العبارات والتراكيب.
وتبرز في هذا النمط نزعة اعادة النظر الى الاشياء واعادة تسمية العالم.ومن بين النصوص التي تجسد هذا النمط نص “أوزان ” لمنصف الخلادي .وفيه يستنبت الشاعر الشعر من مصطلحات كمية مكيالية تنتظم وفق ثنائية الخفة والثقل التي يمكن اختزالها في مجموعة من الأوزان .ويستخدم الشاعر في هذا النص العابر اليومي من المعيش
 
 
المألوف ،مما لاننتبه اليه لشدة ماتعودنا عليه وبذلك تغدو قصيدة النثر المعاصرة مسعى الى تجديد نظرتنا الى أشياء العالم و تطليق العادة والتعود والاستسلام الى المفاهيم الجاهزة والمستقرة والوثوق بالنظرة المتكلسة الى الاشياء كما وقرت في الذهنية الجماعية وفي ذلك ميل الى استعادة الدهشة الاولى والى اعادة ترتيب العالم وتركيبه وفق رؤية شعرية لاتقنع الا باختراق المجهول.يقول منصف الخلادي:
“في كل موقع كانوا يقفون عنده لوزن شمعدان أو لوزن جرس مدرسة تحت أنظار أبقارها ،كانت العصافير تحوم من حولهم وكانوا لايعيرون حومانها الغريب أي انتباه فقد كانت التعاليم الموجهة اليهم قبل الخروج لهذه المهمة الدنيئة تقتضي بأن يتم وزن كل شيء له صلة بأرواحنا ماعدى العصافير كي لايتجرّأ أحد بفعل الخمرة أو الهيروين أو النبش في دفاتر الأوزان القديمة ويخبرنا بأن العصفور أخفّ وزنا من كتاب مقدس”
كما يتجلى هذا النمط أيضا في نص”ذراع أدولف هتلر”لنفس الشاعر،أين يصور الواقع العربي القائم على التسليم بالموجود والخضوع له والاستكانة للآخر الذي يسطر لنا المسارب التي علينا أن نسلكها .انها ثورة الشاعر على الفعل الملغي وهيمنة الجهل وموت الحياة.يقول الشاعر مخاطبا”أدولف هتلر”:
“فان كنت حيا
ولديك الآن نسخ كثيرة من بصماتك
ردّ على الهاتف
أو أطلق طلقتك أمام الكاميرا
 
 
وأنقذنا
فقد مللنا من الوقوف كأصنام
في انتظار سيارات الاجرة.”
فهل هو اليأس من الواقع العربي الذي يستدعي الموت؟وهل هو اليأس من الزمن العربي الذي مازال يقف حيث هو؟؟؟
 
4)الايقاع في قصيدة النثر التونسيّة المعاصرة
ان الايقاع في قصيدة النثر خفيّ وخافت وغير قابل للملاحظة لأنه لايحتكم الى أشكال مسبقة مثلما هو الشأن بالنسبة الى شعر الوزن ،بل هو يتلبس بتجربة الذات الشاعرة ممّا يجعله متنوّعا تنوّع تجاربها وشديد الانفتاح على امكانيات ايقاعية شتى .وبذلك يكون الايقاع في قصيدة النثر مختلفا من شاعر الى آخر ،ومن نص الى آخر حتّى في اطار التجربة الواحدة ومن هنا نستنتج أن ايقاع قصيدة النثر يقطع مع الموروث الايقاعي التقليدي ويقوم بالأساس على الحرية التي تشرع الأبواب امام الخلق بمفهومه الواسع .فلامجال،اذن، في قصيدة النثر للأحكام التعميمية فلكل تجربة خصوصياتها ولكل نص ايقاعاته الخاصّة التي تتولد وتنمو من خلاله وعبره.
ونلاحظ من خلال المتن النصي الذي بين أيدينا أن جل النصوص سعت الى استثمار الامكانات الايقاعية للنثر وركزت على مايسمى ب”الايقاع الداخلي”الذي يتلاءم مع ايقاع الذات من حيث أنه يشكل اللغة ويطوّعها تلبية لنداءات الروح وأغوارها العميقة.
 
 
وتقوم جل هذه النماذج الايقاعية على التكرار،سواء أكان تكرارحرف أو كلمة أو تركيب أو جملة .والامثلة على ذلك عديدة لاتكاد تحصى .ونكتفي في هذا الاطار بمثال واحد لوئام غداس من قصيدة “مجرّد أسئلة” :
” حاولنا كثيرا جعلك تنأى عن الحروف
وعن المفاتيح والسلالم
حاولنا جعلك مراوغا كباب قبو
نصف مغمض كعين عاشق
نصف ميت كذكرى حب
نصف مكتمل كجسد يضاجع نفسه
نصف ريشة
نصف نوبة
نصف كأس
نصف قيثارة
نصف انسان
لكنك بالغت في مرض الوضوح”
ولكن مايلفت الانتباه –حقا- أنّ الايقاع في قصيدة النثر المعاصرة أصبح أكثر خفوتا وامتدادا على جسم القصيدة ونسيجها وقد ساعد على ذلك تسريد قصيدة النثر،اذ أصبحت مقومات السرد الموظفة تسري في دماء
 
 
القصيدة في هدوء شديد وتؤسس لنوع من الايقاع الصامت الذي لايعنيه اهتزاز طبلة الاذن بقدر ماتعنيه اهتزازات أخرى.هي اهتزازات الروح واهتزازات الذهن وحركية الافكار التي توقّع بكعبها العالي على أرضية النص في نفس الوقت الذي تنسج فيه شبكته الماكرة الأخاذة .
ومن بين البدائل الايقاعية التي تجسد ذاك الايقاع الصامت “الايقاع الذهني أو الادراكي”وهو يقوم على مجموعة من المتناقضات أو المفارقات التي من شأنها أن تفجر أبعاد النص وتفكك الانظمة الثابتة وتعيد صياغتها كما أنها تساهم في اشاعة موجات لاتحصى من الايحاءات.
ونجد هذا النوع من الايقاع في نص “حجج” لمنصف الخلادي ،اذ تدفع المفارقات فيه الذهن الى التراوح بين الحجة وما يحتجّ بها عليه ،والقطيعة التامة بين هذين العنصرين تولّد ضربا من التوتر الذهني الادراكي ،ينبثق عنه ايقاع لايلامس طبلة الاذن ولكن يخلق تموّجات نفسية وفكرية لدى المتلقي تدفعه الى هجر اطمئنانه الواثق وتجعله حائرا يتلجلج ويتقلقل بين الافكار والرؤى في ذهاب واياب لا ينقطعان .يقول الشاعر:
” بحجة أننا نفكر عاليا- نترك للأعرج كراتنا
كي لاترتفع أكثر منا
بحجة أننا فقراء ولانقدر على شراء مظلّات شتائية ومعاطف صوفية
نجدها اذا ماضاقت بنا جاهزة للدعاء معنا
نلعن السيّاب وانشودته.”
35
 
وهذه المفارقات يمكن مقاربتها من وجهة نظر اخرى فهي عبارة عن مجموعة من الومضات ،كل ومضة تمثل عالما بأسره ،فكأن الشاعر يسعى من خلالها الى جمع العوالم وترصيفها بجانب بعضها البعض لتكوين هيكل ذهني مخصوص لقصيدته يؤسس ل”فردانيته” من ناحية ول”فرادة”نصه من ناحية أخرى.كلّ ذلك في لغة بسيطة جدا ،ترقّ الى حدّ الهمس ،ولكنها في نفس الوقت تضجّ باعوجاج الكون وعمائه الى حدّ الصراخ الصامت الذي يشي بمرارة تسري في أعماق الشاعر وتلهب جموحه الى عوالم أخرى يرتع فيها نحل يعدّ عسلا يغسل المرارة ويمحوها.
كما نجد نوعا آخر من الايقاع الذهني وهو “ايقاع الاحجية” وهذا الايقاع هو أيضا يساهم في اقامة هيكل ذهني للقصيدة وذلك بالاعتماد على الضمائر التي لامرجعية لها ،وهي وسيلة تتوسل بها قصيدة النثر المعاصرة الى ارساء ضرب من الغموض المؤسس لايقاع القاع ،قاع الشاعر وقاع المتلقي .فهذا النوع من الايقاع يخاطب العميق والغائر في الذات الانسانية ،فيجعل القارئ يتردد بين ضفتين:ضفة النور وضفة العتمة بمفهوميهما الفكري الادراكي.فكلما ظنّ القارئ انه قطع النهر الذي يجري بينهما منتقلا من العتمة الى النور وجد نفسه مازال واقفا على الضفة الاولى.انه ايقاع نفسي غائم ينبثق عن ذات لا تعرف الا ذاتها ،وهو ايقاع يدعو القارئ الى الغوص أكثر فأكثر في ذاته،يدعوه الى مفارقة منصة المفعول به ،والى ترك أريكته المريحة،وعدم الاستسلام للنوم والركود لأن عصرنا لم يعد يحتملهما.
 
 
انّه ،اذن، ايقاع يبعث الحيرة ويدعو الى الحركة والفاعلية ،فاعليّة ذهنية ونفسية .
 
5)الصورة الشعرية في قصيدة النثر التونسيّة المعاصرة
تقوم الصورة في قصيدة النثر المعاصرة على الربط بين عناصر متنافرة لاتقام علاقة بينها في شعر الوزن وخاصة منه الشعر الكلاسيكي،وبذلك ترتاد قصيدة النثر آفاقا شعرية جديدة .فهي دائمة البحث عن آليات كفيلة
 
باختراق المجهول وارساء عوالم شعرية بكر تجمع أطراف العالم وتختزله ،وتمسك بأكثر المشاعر والارهاصات النفسية كمونا وتخفّيا.
فالامر،اذن،لم يعد متصلا بمجرد المحاكاة ولم يعد خاضعا لقانون المماثلة ،وانما غدا معتمدا على توسيع الشقة والشقاق بين طرفي التشبيه وبين المستعار والمستعار له،وفي ذلك سعي الى ايجاد جسور خفية بين طرفين لا يلتقيان عادة.ويدلّ ذلك –فيما يدل- على رهافة الذات الشاعرة وعلى قدرتها على التقاط عناصر العالم وأشيائه وعقد علاقات فريدة بينها.
تقول وئام غداس في قصيدة “أغنية لأبي”:
“أريد أن أغسل الأغاني يا أبي
وأنظّف آذان العابرين وسط الغبار.”
وتقول أيضا في نص”صمت”:
“ولقد هلعت ، وقفز قلبي من مخدعه
مثل سمكة حمراء من الأكواريوم
ترتطم بالأزرق في السجّادة ظنّا منها
أنّه البحر..”
كما يقوم كل من التشبيه و الاستعارة في قصيدة النثر على الجمع بين المجرد والمحسوس،بين المادي والمعنوي ،والمراوحة بينهما الى درجة التوحد أحيانا.وكثيرا ما تسترسل التشابيه وتتعالق في عملية استقصائية ،سعيا الى محاصرة فكرة ما أو رؤية ما أو مشهد ما…فنشعر أن الشاعر يجنّد اللغة لتقول أكثر مما كانت تقول ،فيحفر بها،وكأنها ازميل نحت،
 
يحفر التجاويف والحوافّ ،ويبرز النتوءات والقيعان للحصول على شكل ما ،منحوتة ما أو آية فنية مخصوصة تحيل عليه ويحيل عليها.
الصورة ازميل الشاعر الذي لايمل الحفر والنقش.
وهذا مايؤكد أن الصورة الشعرية في قصيدة النثر المعاصرة ،في أغلب الأحيان،ماهي الا أداة بيد الشاعر يوظفها لاستنطاق الأشياء شعريا،وهي أيضا محاولة تروم اعادة النظر الى الأشياء .
 
وبذلك يصبح التصوير ضربا من ضروب بث الحياة فيما لاحياة فيه ،ليس اسقاطا لمشاعرنا ،وانما هو التقاط للشعر من الجمادات والكائنات والآلات…وعودة الى طفولة الشعر التي تمزج بين المتناقضات وتقيم بينها علاقات ألفة عجيبة وتبعث فيها كمّا من الدفء كبيرا يوحي بوحدة الكون وبتفاعل مكوّناته “فللطفولة ألف لغة” على حد عبارة عبد الفتاح بن حمودة( عبد الفتاح بن حمودة:”نزولا عند رغبة المطر”- نص وصايا- منشورات كارم الشريف- الطبعة الاولى -2012-ص 4).
ومن هنا نستنتج تحولا على مستوى تمثّل الصورة ووظيفتها لدى شعراء قصيدة النثر ،اذ لم تعد وظيفتها بيانية بل أصبحت بانية .
 
ولا يمكن الحديث عن الصورة الشعرية في قصيدة النثر المعاصرة دون ربطها بالرمز والقناع مما يجعل لها أبعادا ايحائية عديدة وكثيفة.فهي لا تسعى الى تصوير الواقع ومحاكاته وانما تروم اعادة تسمية العالم وترتيبه من جديد وتروم التلميح دون التعيين.وقد يعتمد شاعر قصيدة النثر على مجموعة من الأقنعة الدينية أو الأسطورية أو التاريخية ،ولكنه لايستحضرها كما تكرّست في بطون الكتب والمصنفات وانما يقتطعها من سياقها ويوظفها توظيفا مخصوصا يوحي بأبعاد ذاته وبرؤاه النفسية والوجودية .فسامية ساسي مثلا في نص”عرشي من قوارير” تلمّح الى قصة النبي سليمان ،وفي قولها:”ولن تصيبك ريح خرساء بحجر أسود” استحضار لبعض أبعاد السيرة النبوية.ولكنها توظّف هذين القناعين للايحاء بصورة المرأة العربية –وخاصة مايتصل بالمرأة المثقفة- ووضعيتها الاشكاليّة ،ويتجلى ذلك من خلال ذلك الأسى الذي يغزو القصيدة ويلفها بغلالة شفافة توحي بمأساة المرأة العربية وبكثرة
 
 
“ثقوبها” النفسية والوجودية ،ولكنها رغم ذلك تستجمع “محاراتها”و”قواريرها” وتحاول الوقوف صامدة أمام الريح وبجانب الشمس”تلك الأرملة التي تدمع”.
ومهما يكن من أمر فان الصورة في قصيدة النثر ” قد اتخذت مناحي أخرى جديدة فقد أصبحت مرتبطة بنفسية الشاعر وأعماقه وغدت أكثر شمولا من حيث قدرتها على التعبير والايحاء بالعالم الخارجي والداخلي ،بعالم الشاعر وبعالم يحيط به ،بكون باطني خبيء وبكون مرئي محسوس ،بنفس مجهولة المعالم بعيدة الغور وبنفوس تتراقص في الضباب …”( سامي المسلماني:الشعر والقصة في قصيدة النثر-منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص- تونس 2015- ص 30.)
6) خاتمة
مما لا شك فيه أن قصيدة النثر التي تكتب اليوم ليست قصيدة الستينات وليست القصيدة التي كتبها بودلير أو مالارميه أو أدونيس أو أنسي الحاج اذ اتجهت قصيدة النثر المعاصرة الى تجديد الشكل والبناء وتجديد الدلالة والتحمت أكثر فأكثر بنثرية العالم وفوضاه ،وذهب التفكيك الى أقصاه وأصبحت التشظية السمة الغالبة.
ولعل من أبرز خصائص قصيدة النثر المعاصرة سعيها الى توسيع الخيال الشعري والى خلق آفاق جديدة.وقد اعتمدت لبلوغ ذلك عدة آليات من بينها المزج بين السرد والـتأمل الحر والاغراق أحيانا كثيرة في السرد الغرائبي الفانتازي حتى غدا التداخل بين قصيدة النثر والسرد شديدا الى درجة التماهي.ومن بين الآليات أيضا التجريب في تركيب الجملة رغبة في انشاء لغة عذراء تغزى للمرة الأولى .
 
 
وبذلك تكون قصيدة النثر المعاصرة –بحق- توقا جامحا الى الترحال نحو المجهول.انها مغامرة الشعر يخوضها عبر الكلمات تتجاور وتتعالق وتتقاطع لتؤسس أبجديتها الثانية .وهي أيضا اقامة في اللغة باللغة وبحر من الأفكار والايحاءات تتلاطم أمواجها ولا تهدأ ولا تستقر على حال.ولا تصبو الاّ الى نحت هياكل هلامية والى اعطاء شكل لما لاشكل له:المشاعر،العواطف،خلجات الروح ،مرايا الأعماق…ولذلك تفتح قصيدة النثر حدود اللغة على المطلق من خلال الغاء العلاقات المنطقية بين الأشياء لتكون ذاتها ،لغة تتميز بمنطقها الخاص ،تهدم العالم وتعيد تشكيله في سياقات جديدة.
ولعل هذا المسعى أصبح أكثر وجاهة في أيامنا هذه ،اذ لابدّ لقصيدة النثر أن تفضح هذا العالم بمشاهده الكارثية الدامية وبخزعبلاته التي تجاوزت حدود الخيال وبسرياليته التي تعدّت السيريالية في حد ذاتها.فلا شك أن الواقع الذي نحيا داخله هو واقع سيريالي بامتياز وعلى هذا الاساس لم يعد شاعر اليوم محتاجا الى الاتّكاء على سيريالية الشعر اذ يكفيه أن يرصد هذا الواقع ويكتبه كي يكون الشعر شاهدا حقيقيا على خراب العالم.
ان قصيدة النثر المعاصرة اصبحت –بحق- تقول الحياة :تنقل أعتم زواياها ،وتتهكم وتحارب وتدعو الى التمرّد .انها قول الحياة والحياة بالقول.ومثلما هي الحياة متنوعة الأشكال متعددة الوجوه،بدت قصيدة النثر المعاصرة ،هي أيضا،ثرية متنوعة في بنيتها وأشكالها و أفكارها.
ولكن هذا الثراء للأسف لم يوازه ثراء نقدي قرائيّ ،فنحن اليوم نعيش مايسمى ب”العراء النقديّ” في مجال الشعر.و هذا العراء يتجلى على
 
 
مستوى المفاهيم والمناهج و على مستوى المواكبة والاهتمام.
فالشعر المعاصر عموما وقصيدة النثر المعاصرة خاصة تتطلب قراءة معاصرة لذلك وجب تجديد النقد الشعري بمواكبتها ومقاربتها بآليات أخرى وبمناهج تأويلية جديدة تقطع مع السائد المهترئ وتخترقها ولا تكتفي بمقاربة حوافّها وضفافها.
قد يبدو ذلك صعبا عصيّا ،ولكن لايمكن تذليل هذه الصعوبات-حسب رأيي- الا بهجر القراءات المسطحة الواثقة ،الكسولة والمتكلسة،والايمان بتحول النص الدائم ،وبالمحو المستمرّ.فثنائية الكتابة والمحو تستوجب ثنائية القراءة والنسيان ،أي نسيان ماقرأت ،والنسيان هنا ليس بمعنى الاهمال بل بمعنى عدم نحت أصنام مقدسة وعدم السجود للتماثيل لأن في السجود امتثالية تقتل النقد وتجمد القراءة.فالقراءة المعاصرة هي عملية متجددة متحولة مثل الكتابة تماما.والنقاد والقرّاء يقفون مثل الشعراء تماما فوق رمال متحركة لا تستقر على حال وعلى أرض زلقة لا ثبات فيها.
………………………………
*اعتمدت في هذه الدراسة على شواهد مخطوطة لم تنشر في كتب بعد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق