شؤون ثقافية

الفولكلور و الفكر القومي الكردي

أن الفولكلور مرتبط أيما ارتباط بالمجتمعات البشرية ، و يثمّن الفينلنديون ” الكاليفالا ” تثميناً عالياً و يعتبرونها الوسيلة التي عرّفت الآخرين بهم . و أن علماء الفولكلور الألمان و غيرهم بحثوا في الفولكلور عن روح الشعب . وتبين أيضاً أن الدراسات الفولكلورية إنما بدأت في أوروبا تحت تأثير الحركة الرومانسية القومية . وهو الأمر الذي يؤكده عالم الفولكلور ويليام أ . ويلسون إذ يقول :
كانت الأعمال الفولكلورية منذ البداية مرتبطة بالحركات الرومانسية القومية ، و بالتزامن مع هذه الحركات بدأ الباحثون الوطنيون بإنجاز الدراسات الفولكلورية ، التي لم تكن غايتها الكشف عن كيفية معيشة الأقدمين فحسب ، بل كانوا يطمحون إلى الكشف عن النماذج التاريخية ليبنوا عليها الحاضر ، في سعيهم إلى بناء المستقبل ” .

و يقول ريتشارد دورسون :

كثيراً ما تتفاعل العلاقة المشتركة بين الفولكلور والروح القومية ” . و من هنا يمكن القول إن الفولكلور و القومية مفهومان مترابطان إذاً ، يمكن للمرء أن يذهب إلى أن الفولكلور يشكل عنصراً مهماً من عناصر الفكر القومي ، و هو عنصر غابت معرفة قيمته عن الكرد بسبب تجزئة وطنهم منذ أمد بعيد و ضمه إلى جغرافيات دول مختلفة فكراً و لغة ، فلم يستدركوا هذه القيمة إلا متأخراً . و من المحزن أن المتنوّرين الكرد لم يتفاعلوا مع صرخات أحمد خاني ” ، الذي أشار في ملحمته ” مَمُ وزين ” قبل أكثر من ثلاثمائة عام إلى أهمية دور اللغة و التاريخ في الفكر القومي قبل أن يعمل المفكرون الغربيون في هذا الاتجاه لم تجد نداءات خاني صدى لدى المتنوّرين الكرد إلا متأخراً ، وكان ذلك بفضل القنصل الروسي ألكسندر ( آفگوست ) زابا ، في أرضروم بين عامي ( 1848 – 1866 ) ، الذي لفت انتباههم إلى ضرورة البحث و التنقيب عن مواد الفولكلور و جمعه ، وشكل منهم فريقاً لهذه الغاية ، لعل ملا محمود بايزيدي كان أبرزهم ، فدوّنوا ” مخطوطات كثيرة كان بينها مخطوطات في قواعد اللغة الكردية ، و مواد فولكلورية وتاريخية وإثنوغرافية و أدبية ” . ولكن تلك الجهود اقتصرت على الجمع و التدوين دون أن ترافقها الدراسات المعمّقة . لقد اشتد ظلم الدولة العثمانية ، قومياً واجتماعياً في أواخر عهدها ، ما أدى إلى نشوء حركات تحرر الشعوب و الأمم التي كانت خاضعة لها ، إن في البلقان أو في البلاد العربية و بين الأرمن والكُرد . و كان من نتيجة ذلك أن قاد بعض المتنورين الكرد نشاطاً سياسياً و ثقافياً ، أسفر عن صدور صحف كردية باللغتين الكردية والعثمانية ، مثل صحيفة ” كردستان ” التي أصدرها مقداد مدحت بدرخان في القاهرة بين عامي ( 1898 – 1902 ) وصحيفة ” التعاون و الارتقاء ” التي أصدرتها جمعية التعاون و الارتقاء الكردية ” عام ( 1908 ) ، و مجلة ” شمس الكرد ” عام ( 1909 ) و ” الاتحاد ” عام ( 1913 ) و ” يوم الكرد ” عام ( 1913 ) . وجميعها ، باستثناء صحيفة كردستان صدرت في القسطنطينية / استانبول إلا أن بعض المتنوّرين الكرد آنذاك ” بدلاً من أن يتحدثوا عن الهوية الكردية ، كانوا يعتبرون أنفسهم عثمانيين . ينقل الفولكلوري آزاد أصلان من العدد السادس لصحيفة ” كردستان ” أن عبد الرحمن بدرخان رئيس تحرير الصحيفة ، بعد أخيه مدحت كتب : ” بالنسبة لكل مسلم ، يجب أن تبقى الدولة العثمانية ، إن جسم الدولة كما رأينا مريض بسبب سوء الإدارة ، يجب علينا أن نداوي هذا الجسم ،نزيل أسباب المرض ، ، فحياة الدولة حياتنا ، و موتها موتنا . كما هو واضح لم يضع عبدالرحمن بدرخان حدوداً بين الكردايتي و العثمنة ، بل يرى حماية الدولة العثمانية و بقاءها واجباً ، و على الكردي أن لا يتخلف عن أدائه . و يرى آزاد أصلان أن موقف صحيفة ” التعاون و الارتقاء ” لم يكن يختلف عن موقف ” كردستان ” . فقد كتب اسماعيل حقي ، وهو أحد مؤسسي جمعية ” التعاون و الارتقاء ” في العدد الأول قائلاً : ” الكرد قبل كل شيئ مسلمون ، ثم عثمانيون ، ثم اُرد ” . وهو موقف يضع الكردايتي في الموقع الثالث بعد الدين و العثمنة . يتكرر هذا الموقف لدى بعض كُتّاب مجلة ” شمس الكرد ” ، فقد كتب نجم الدين كركوكلي في العدد الأول قائلاً :

تعمل جمعية ” هيفي ” و صحيفة ” شمس الكرد ” على تنوير الشعب الكردي ، لكي يكون عنصراً فعَالاً في الدولة العثمانية ” . يتبين مما سبق أن هؤلاء المتنورين الكرد ، حينذاك ، لم يكونوا على علم ، لا بأعمال ألكسندر زابا ، و ملا محمود بايزيدي ولا بالحركات القومية التي هزت أوروبا في القرن التاسع عشر ، ولا بجهود المتنوّرين العرب و الغربيين في الميدان الثقافي و الفولكلوري . ولكننا نرى تغيراً كبيراً بداً يطرأ على الحركة الثقافية الكردية مرافقاً لتلك المواقف ، و تخطو خطوات ملموسة ، فلم تعد ترى نفسها مرتبطة بالدولة العثمانية ، تتجه نحو الاستقلالية الكردية ، التي تشكل البنية الفكرية والسياسية للحراك الكردستاني .

حيدر عمر : أدب الفولكلور الكردي {دراسة } الطبعة الأولى 2018 – أسطنبول – صفحات { 49-50-51-52}.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق