شؤون ثقافية

/ هكذا يمر نيسان من عرب شاه/

/ هكذا يمر نيسان من عرب شاه/
 
عثمان حمو
في عرب شاه الآن
في مثل هذه الساعة
تستفيق الديكة بنشاط كبير و تعلن النفير
من اقصى القرية الى اقصى القرية
و الفجر
قماش فيروزي في الشرق المنحني على مزارع القمح
في عرب شاه
في مثل هذه الساعة من الصباح
يكون الاطفال ، قد استيقظوا و غسلوا غبار الاحلام
عن اصابعهم الصغيرة
و تناولوا الفطور المعتاد
المكون من الخبز و من الشاي و اللبن و الجبن، و من الزعتر ربما
و حملوا كتبهم المدرسية و في طريقهم الى المدرسة
عرب شاه
في هذه اللحظة من صباح نيسان
يترك القرويون،
خرافهم البيضاء حول المزارع القريبة، تقضم العشب النيء
و تمارس البراءة، و الركض اللامبالي
و صيصان الاوز الذهبية، تهرول خلف امهاتها
في نسق مستقيم نحو الماء،كجنود مطيعين
و الاطفال الموتى،
في مقبرة ” كجكا بكزي” بلا اسماء على شواهد قبورهم
يستيقظون باكرا،
و يشربون الحليب من صدر الارض كي لا يكبروا .
عرب شاه
في هذه اللحظة من صباح نيسان
تكنس النساء النعاس
من فسحات المنازل، و مهاجع الاغنام الدافئة
و بيارق خضراء ترفرف في النسيم على تلة المقبرة
و موتى ، لا يغيرون اماكنهم باي ثمن
موتى، مدون على شواهد قبورهم
تاريخ ميلادهم. و التاريخ سفرهم المرهق
في المقبرة ابي، الذي يدخن طوال الليل و يحرس اضواء الكهرباء امام المنازل
و يضحك على الاحياء الذين يعرقون امام المراوح
و يشترون الملابس، و يهتمون بالمازوت و مؤنة الشتاء
في المقبرة،
امي التي يسيل حليب ثديها على ارض المقبرة
و هي تناديني
واختي، التي تصرخ من العطش في مقبرة ” عرب شاه”
و لا احد يسقيها كأس ماء
في تلة عرب شاه، موتى لا عيد ميلاد لهم
موتى، يجوعون ليلة الجمعة، يأتون الى المنازل لياكلوا
بقايا الخبز الجاف
و يشربوا الماء من بئر ” حصة”
عرب شاه
في شهر نيسان
مهرجان الالوان
تخرج الازهار من تحت الحجر
و تضرب صرخة فرشاة اللون الاخيرة
على جسد الهواء الهش
في عرب شاه
في هذا الوقت من نيسان
تفقس البيضة في عش الطائر في البراري
و يخرج منقار اصفر صغير للحياة
و ارياش مبللة
جميلات ، تكحل عيونهن، و تمشط الشعر الطويل بمشط الغياب
و تكبر نهودهن الصغيرة على اسمنت النوافذ المتكسر
و يمر النسيم كبائع عطر متجول
و الشمس تقعد كصبية شقراء تمشط جديلتها، كسفينة بلا بحارة، تمر بشراع القصب في سماء الشرق
عرب شاه
في هذا الوقت من صباح نيسان
يجلس ابي على قبره
يلف سيجارة تبغ ، و يشعلها
و يقول في نفسه بعزيمة الواثق:
سيعود طفلي
سيعود طفلي بلا شعر أبيض
و بلا عكازة، بلا عينين حزينتين
سيعود طفلي
و ظهره مسنود على هواء نيسان
في هذا الوقت من صباح نيسان
تبيعني اختي عطشها
ببئر محفور داخل روحي
و امي،
و امي يسيل كل حليب ثديها على عشب ” عرب شاه”
من دون شبعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق