شؤون ثقافية

أوهام

أوهام
 
بنميمون أحمد
 
 
 
 
كما أن أحلامي وانا طفل لم يكن لها مسرح تجري عليه إلا أمكنتي الأولى ، فكأن بنائيها شيَّدوها بما يسيل من دم في عروقي وأعضاء لحمي، فأسسوا لها بذلك مساراتها مع خطاي اللاحقة على طرق أيامي التي ما زلت أمشي عليها،
فإن أحلامي حين أضيق وأنا شيخ ، لا تعود بي راحلة إلى طرقات وشوارع وضواحٍ وسماوات ، أوجلسات مقاهٍ ومنتزهات، أورؤية وجوه ، أوعناق أحبة، أوفرح بابتسامات ، لم تكن من حجارة أو ضوء أو خشب أو شجر ، ظلال وألوان وإشراقات عابرة،
بل إلى مواضع كانت وما زالت ، تحيا في أعماقي:
فضاءات لا تتوقف عن الخفقان في هذا الخافق الواهي بين أضلعي.
وأشياء غير منفصلة عما كنتُ وعما صرتُ إليه
وبقدر ما تعبتُ وذبُلتُ وكاد ضوء أيامي ينحدر خلف قمم تركتها على غير رضا مني.
لا يزداد ما ضيعتُ إلا إضاءة ، وازدحاماً بالأضواء ، وصخباً عاصفاً بضحك محبَّبٍ إلى النفس، وحضوراً في العين ، وقرباً إلى الاحتفاء بالجسد الذي لم يفرطْ قطُّ في ذاكرته :
يا لهذا الشيخ الذي يحب أن يدرج محتضنا أحجار طفولته
وأضواء صباحات أيامها :
مشرقة كأشجار ربيع،
أم منطفئة كسماء شتاء كم بدا لنا مخيفاً كأنه بلا نهاية،
يا كم أَحَبَّ هذا الشيخ جذوع أشجار كانت تؤويه إلى فيئها، وتطعمه بأثمارها،
وبقدر ما يريبنُي بصري وأنا أكاد أفقد رؤية ما حولي
يعينني الحلم باسترجاع دفء أشياء كان لي في ظلها حنان بيت آمن،
وانتشاء بدفق فرح لرؤية شروق في حضن من لا تعرف غير الحب،
رغم ما يملأني الآن من حكمة وهدوء إدراكِ
أن ما مر كان ينبغي أن ينتهي، ككل تجربة يجب أن نعيشها،
فإن كل ما بدأ كان يجب أن ينتهي
إلى مثل ما انتهيت إليه الآن، حيث لا طرقات ولا شوارع أو سماوات
وحيث لا مقاه ولا منتزهات،
حيث لا يمكنني أن أرى وجوها أو أعانق أحباباً،
أو أفرح باحتضان ابتسامات
بل حائط كئيب وأستارسوداء
وكرسي فقير ، وهدوء عالم أخرس ممتد ،
وانطفاء أضواء وموات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق