الرأي

من رستم زال إلى سما كوجر نحن مصرون على الحياة الحرة

بقلم :أحمد شيخو

ربما سمع بعض الاخوة من الشعب العربي وشعوب المنطقة والكثير من المتابعيين لشؤون المنطقة بالعملية التي نفذتها إحدى الفيتات الكرديات يوم 31 آذار2020م والتي استهدفت تجمعاً للجيش التركي بالقرب من خط الغاز الواقع في البوابة الحدودية “كوربولاك” بناحية بازيد التابعة لمنطقة آكري في شمال كردستان(جنوب شرق تركيا) والتي اسفرت عن قتل 30 عنصراً من الجيش التركي وجرحى العشرات وتدمير 5 مصفحات عسكرية وتعطيل خط الغاز القادم من إيران والذي يذود تركيا ب 40% من إحتياجها.
لعل وراء هذا الخبر قصص وأفقٌ مجهولة لكثير من أبناء المنطقة ومجتمعاتها ولقواها الديمقراطية، بسبب العديد من الجدران وحالة العزل الذي فرضه من له مصلحة في تقسم المنطقة وتفتيتها وإضعاف شعوبها وإرضاخهم لمشاريعه الهيمنية والتحكمية والإستغلالية.
لعل من سمع بهذه العملية يود أن يعرف لماذا تقوم فتاة في مقتبل عمرها بهكذا عمل ضد الجيش التركي ؟
من يرغب بمعرفة ذالك عليه أن يعرف أن الشعب الكردي تعرض لأول تقسيم لأراضيه عام 1639م نتيجة إتفاقية قصر شيرين بين الصفويين والعثمانيين ، بلإضافة إلى ماحصل في القرن التاسع عشر وخصوصاً بعد إتفاقيات سايكس بيكو 1916م ولوزان 1923م والقاهرة1921 م التي فرضتها بريطانيا وفرنسا وبموافقة روسيا أنذاك والتي تم بموجبهم تقسيم المناطق الكردية الى أربعة أجزاء بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وضم أكثر من نصف المناطق الكردية إلى تركيا وبذالك تم إعطاء دور إبادة الكرد وإزلتهم من الوجود إلى تركيا وذالك ليس فقط في تركيا بل في الاجزاء الأخرى أيضاً وأصبح إحدى مرتكزات الدولة التركية التي تشكلت بعد عام 1923 هو التنسيق والترتيب محلياً واقليمياً وعالمياً لإنكار وإزالة الكرد من الوجود .
وتم منذ عام ١٩٢٤م اصدار قانون” اصلاح الشرق” الذي يخص المناطق الكردية بالتحديد ، والذي تم بموجبه منع اللغة الكردية في كل المدارس والمحاكم وكل المؤسسات وحتى في الشوارع والأزقة وتم فرض غرامة على كل كلمة كردية ومن يتكلم بها ومنع تسمية الأولاد الصغار بالأسماء الكردية وتغير أسماء القرى والمدن الكردية.وأيضاً شمل قانون “إصلاح الشرق” التوطين الإجباري أي نقل المجموعات السكنية الكردية وتوزيعها على مختلف المحافظات التركية ال 82 وجلب مجموعات سكانية تركية الى المناطق الكردية كما حصل في ولاية وان وديرسم(تونجلي) وآمد(ديابكر) والعديد من المناطق والسماح فقط للترك بناء الابنية السكنية وشراء الأراضي هذا ما يمكن تسميه بالتطهير العرقي بحق الشعب الكردي في أوضح صوره.
ولكون إتفاقية سيفر عام 1920 التي كانت قبل إتفاقية لوزان كانت تتكلم عن حقوق الكرد ودولة كردستان مثل باقي الشعوب في جنوب شرق تركيا في مناطق الممتدة من شرق الفرات حتى الحدود الإيرانية. قامت تركيا المستحدثة بعد إتفاقية لوزان وبعد تمكين سلطتها وتقويتها وتعزيز علاقتها مع القوى العالمية المهيمنة حينها بإخلاء المدن الكردية غرب نهر الفرات مثل العزيز ، ملطية، سيواس، أديمان ،مرش وتهجير اكثر من 6 ملايين كردي في اعوام الثلاثينات والاربعينات.
والملفت ان برلمان تركيا الأول كان إسمه برلمان الشعب دون وصمه بالتركي وحضره 77 نائب بألبستهم الكردية عن الشعب الكردي من مجموع 233 نائب أي بمعدل 33% عام 1020م و1921عام وصدر قانون الحكم الذاتي للمناطق الكردية في 10 شباط عام 1921م. لكن بعد سيطرة أو زيادة تاثير الاتحاد والترقي أو اليهود حسب قول السفير البريطاني حينذاك في اسطنبول على الحكم في تركيا حينذاك وعقد القوى الغربية إتفاقي لوزان مع مصطفى كمال وصدور قانون إصلاح الشرق تم تغير تسمية البرلمان الى البرلمان التركي و إعدام النواب الكرد حتى على لبسهم الزي الكردي في البرلمان الأول.
من كان يعيش على أرضه المباركة منذ القدم منذ سيدنا إدريس ونوح و إبراهيم وبل من أنجز الثورة النيولوتية منذ 10 ألاف سنة قبل الميلاد وأثار منطقة “كوبكلي تبه” القريبة من مدينة الأنبياء أورفا شاهدة على ذالك. وجد نفسه بين ليلة وضحاه على يد من سمح له بالمشاركة في السكن بجواره ومساعدته يوم أتى اغلبهم أي الترك في القرن العاشر من أواسط أسيا معرضاً للإبادة والإنكار والقتل . وهناك قول شهير للضابط الذي كان يقود الطائرات لقصف القرى والمدن الكردية في مدينة ديرسم ومنطقة زيلان التي قتل فيهما أكثر من 100 الف أنه يقول وردنا تعليمات “إمحاء قصف كل شي حيئ، كل شيئ يتحرك حتى الحيوانات والأشجار التي تهتز”.

وصدر دستور عام 1924 الذي يقول كل من يعيش في تركيا هو تركي ، عجباً كيف يمكن لكلام على الورق يمحي ماخلقه الله من أختلاف في أياته وخلقه للشعوب والقبائل وكأنهم هم الله معاذا الله يقولون ويريدون بالقوة والجبروة أن يقولوا كن فيكون لكن هيهات والتاريخ شاهد على زوال صارغون ونيرون وهتلر ورومانوس وغيرهم.
أعدمت تركيا الالاف من القادة والثوار الكرد نتيجة رفضهم لهذه الإجراءات منهم إعدام شيخ سعيد بيران مع 47 من قادة الثورة وكذالك سيد رزا مع إبنه علماً ان عمره كان فوق السيعين وعمر إبنه أقل من 18 والاثنين لايجوز عليهم الإعدام حسب العمر لكن يتم تزوير أعمارهم فيصغرون الأب ويكبرون الأب لإعدامهم ، وكذالك كانت النساء ترمي نفسها وتستشهد لعدم الوقوع في يد جنود الترك ويسموهم الكرد تلك النساء بالبسيات ، فمن عام 1925 وحتى 1938 وحدها قامت اكثر من 20 ثورة كردية كانت كفيلة ببناء 20 دولة وكيان كردي لكن القوى المهيمنة العالمية كانت ترى مصالحها مع السلطات التركية والإيرانية وكانت تدعمهم في القضاء على نضال الشعب الكردي كلما عظم شأنه.
ولعل واقعتين في شرق كردستان (غرب إيران ) يوضحان أيضاً ممارسات السلطات هناك أنها لاتختلف كثيراً عن تركيا فحوالي الأعوام1605م و1609م حيث يقوم شاه عباس الصفوي بجلب التركمان الشيعة ومحاولة إسكانهم في مناطق عشيرة البرادوست الكردية وعندها تحصل المقاومة الملحمية في التاريخ الكردي ملحمة “قلعة دمدم” التي يستشهد كل أبناءالقلعة الكردية بما فيهم قائدهم خاني لبك زيرين والنساء والأطفال ولا يستسلمون لشاه عباس ولايرضخون له .وايضاً ماصدر عن الخميني من إستغلال للدين من فتوى تعتبر الكرد كفار ويجب قتلهم وذالك للسيطرة على المناطق الكردية التي كانت تحت سيطرة القوى الكردية في غرب إيران بعد سقوط الشاه عام1979م .
وكان يتم بعد القضاء على الثورات الكردية قتل الرجال والنساء بعد الأعتداء عليهم وأخذ الأولاء ووضعهم في مراكز خاصة للتربية والتعليم والتدريب يسمى باللغة التركية (إيبو) حتى يفقدوا كل صلة بميراث الثورات والظلم الذي تعرض له أجدادهم وأبائهم وحتى لا يكون لديهم أي معرفة حقيقية بما جرى لأبائهم وأجدادهم وبذالك عندما يكبرون يمدحون الدولة ويلعنون أبائهم وهذه الظاهرة كانت تسمى قديماً “مانكرت” (وكان تحث عندما يتم أسر مقاتلي الاعداء ،كانوا يحلقون راسه ويلبسونه فرو من جلد الحيوان وكان يربطونه جيداً وكان عندا ينمو شعر فروة الرأس ينجبر ان يدخل الرأس وعندها يفقد المقاتل كل ذاكرته ويكون مستعداً لتلقي كل شي من الصفر )ورئيس المخابرات التركية الحالية هاكان فيدان والكثير من المسؤولين منهم.
في أعوام السبعينات ايضاً ظهر بين الشعب الكردي في شمال كردستان(جنوب شرق تركيا) حركات لرفع الاستعباد والظلم وتحقيق الحرية للشعب الكردي بعد ان قال الترك أننا قضينا على الكرد ودفنا كردستانهم في جبل آكري وصبينا البيتون عليها ، وتلك إشارة الى قتل الترك لقائد ثورة آكري أحسان نور الدين باشا و دفنهم لراية الثورة في قبر وصب البتون عليها. لكن الحق لايموت والمجتمعات من الممكن أن تضعف أنسجتها وخلاياها لكنها لاتموت وفي أقرب فرصة تحي نفسها وتنطلق من جديد وكانت الإنطلاقة الأخيرة والمستمرة حتى الأن من قرية فيس بمدينة آمد(ديابكر) وتأكدت وتعظمت يوم 15 آب عام 1984 وهي مستمرة حتى الأن وقدمت أكثر من 50 ألف شهيد من شعبنا وأبنائه وأصداقه ضد المحتل التركي واعوانه ومشغليهم من القوى العالمية المهيمنة.
ولعل ما فعلتها القديسة سما كوجر (عويش) كما يسميها بعض من أبناء شعبنا هو إنتقام لمعاناة الملايين من المهجرين بالإجبار و لروح المئات الالاف من شهداء شعبنا و لما فعله السلطات التركية من التطهير العرقي ولسياسة الابادة والإمحاء المطبقة من مايقارب من مئة سنة على شعبنا وعلى كل الشعوب في تركيا المستحدثة.
مع العلم أن الشعب الكردي وحركاته التحررية المطالبة بالحرية والديمقراطية لشعبنا في تركيا إنحاز دائم الى إيجاد حل سلمي وعادل وديمقراطي للقضية الكردية في تركيا وأوقف القتال اكثر من 10 مرات من جانب واحد لإيجاد حل عادل وديمقراطي لكن دائماً كانت السلطات التركية تهدف الى القضاء على الحركات الكردية وكذالك عدم إعطاء أي حق من الحقوق الطبيعية كباقي الشعوب الى الشعب الكردي. وبل زادت السلطات التركية من عدوانها وقامت باستخدام كل مكانتها وأدواتها وقدمت نفسها للقوى العالمية بشرط أن تقوم بالمؤامرة الدولية في القاء القبض على قائد الشعب الكردي عبدالله اوجلان وسجنه وحيداً في جزيرة إيمرالي التي مرة عليها أكثر من 21 سنة وبل تم فرض العزلة عليه ومنع المحاميين وعائلته بزيارته وهو إنتهاك لحق أي سجين برؤية محاميه والسماح لأهله بزيارته.
وزادت السلطات التركية من ظلمها وهي تغلق المجال السياسي للنشاط والعمل امام الكرد في تركيا عندما اغلقت العشرات من الاحزاب الكردية المرخصة وكذالك الجرائد والتلفزيونات ليس فقط في تركيا بل انها كانت تستخدم وجودها في الناتو لتلقي الدعم منها في حربها ضد الكرد وفي غلق التلفزيونات الكردية في أوربا ولدى سليمان ديميريل كلمة يجسد حقاً موقف الدولة التركية من الكرد يقول ” لو بنى الكرد خيمة في إفريقيا لهدمتها على رؤوسهم) لأنهم أي الدولة التركية وسلطاتها يتعبرون وجودهم ووجود دولتهم في القضاء على الكرد وإبادتهم.
وأحدث شاهد على تلك الذهنية ماحصل في أعوام التسعينات في حرق أكثر من 4000 قرية كردية وأيضاً عام 2016 حيث قام الجيش التركي وبأمر مباشر من أردوغان والحزبيين العدالة والتنمية والحركة القومية التركية بهدم حوالي 20 مدينة وناحية كردية وحرق أكثر من 150 شاب كردي في مدينة الجزيرة وحتى ان جثة إحدى الأمهات الكرديات ( الأم تايبت ) ظلت 15 يوماً على الأرض ولا يسمح الجيش التركي بان يقوم أحد بدفنه.
في سوريا والعراق أيضاً يستمر الجيش التركي في محاربة الكرد ولايخفى على أحد إحتلالها عفرين والباب وراس العين( سري كانيه) وتل ابيض( كري سبي) وقيامه بأحدث مثال للتطهير العرقي في عفرين في العصر الحديث امام مراى العالم وصمته وبل بدعمه فالطائرات والدبابات وكذالك الضوء الاخضر هو من القوى العالمية المختلفة التي تتشدق بحقوق الإنسان والديمقراطية. وكذالك يحتل الجيش التركي مناطق واسعة في شمال العراق ( اقليم كردستان العراق) مثل المناطق في خاكورك وبعض المناطق في بهدينان ولديها أكثر من 29 موقع وقاعدة بالتواطؤ مع بعض القوى المحلية الإقليمية والدولية تحت حجج واهية وذالك لضرب حركات التحرر الكردية ويقصف القرى الكردية وهناك أكثر من 50 مدني استشهد نتيجة قصف الطائرات .
أمام كل هذه الممارسات والإجراءات من حق شعبنا برجاله ونسائه أن يدافع عن نفسه ووجوده وكما يقول الله تعالى في كتابه العزيز(أذن للذين يقاتلون بإنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)
كما أنتصر رستم زال أحد عظماء التاريخ الكردي على الاعداء وكما إنتصر النبي زرادشت على الشر واهورامازدا على أهريمان وكما انتصر كاوا الحداد لشعبه ولشعوب المنطقة على الطاغية ضحاك وكما انتصر إبن منطقتنا أورفا سيدنا إبراهيم على النمرود وكما انتصر سيدنا عيسى على الروم وكما إنتصر سيدنا موسى على الفرعون وكما انتصر سيدنا محمد على الجهالة وكما انتصر سلطاننا الناصر صلاح الدين على الصليبيين وكما رسى سفينة سيدنا نوح على جبالنا في جودي المبارك المتواجد في شمال كردستان وأنقذ البشرية . أيضا روح الشهيدة سما كوجر سينتصر على طغاة العصر من أردوغان وغيره وسيجلب الربيع لشعبنا الكردي ولشعوب المنطقة لكن علينا نحن شعوب المنطقة زيادة تلاحمنا وتحالفنا وقبولنا لبعضنا البعض والسير على خطى الخالدين وهذا يتطلب منا المثابرة والمتابعة و فقط القليل من الشرف.
وهنا نتذكر قول الخالد كمال بير أحد أعمدة نضال الحرية لشعبنا الكردي ولشعوب المنطقة عندما قال في عمليته في السجون التركية قبل الاستشهاد ” لاننا نحب الحياة لذالك نشتهد من أجلها”

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق