جولة الصحافة

بكين أقرب المتسابقين لإعادة إعمار سوريا

الصين قادمة على مهل لابعاد إيران والأوروبيين من كعكة ما بعد الحرب.

فرض تفشي فايروس كورونا في الأشهر الأخيرة على القوى الدولية المتصارعة في أكثر من ملف صمتا مؤجلا، لكن مع ذلك فإنه يمكن الوقوف عند نقاط كثيرة وفي عدة قضايا وعلى رأسها الملف السوري، لا فقط في علاقة بالتطورات الميدانية والعسكرية بل أيضا من حيث استراتيجيات الدول المتداخلة في المسرح السوري، خاصة في ما يتعلق بملف إعادة بناء البلد الذي حققت فيه الصين سبقا مهما للاستحواذ عليه مقارنة حتى بأقرب المقربين من نظام بشار الأسد إيران وروسيا.

مر عقد من الحرب الأهلية الدموية في سوريا التي تقاطعت فيها القوى الدولية والإقليمية لتحقيق مغانم عسكرية أو اقتصادية في المستقبل، ما جعل الملف الحارق الآن يتمحور حول من سيكون الأقرب لإعادة إعمار البلد.

ورغم أن الظرفية الراهنة لا تسمح كثيرا بالحديث أو الخوض في هذا الملف جرّاء تفشي فايروس كورونا، فإنه من الممكن الوقوف عند تميّز الصين بشأن هذه القضية، وذلك من خلال النظر في العلاقات بين دمشق وبكين قبل الحرب وخلالها.

وتتسابق القوى العظمى للحصول على مشاريع في إعادة إعمار سوريا، وخاصة الدول التي دعّمت النظام السوري مثل إيران وروسيا، وذلك قبل الدخول الفعلي في هذه المرحلة.

وبينما تعتقد كلّ من إيران وروسيا أنهما الأقرب لنيل هذه الفرصة الاقتصادية الهامة، لا تخفي بكين في مرات كثيرة رغبتها في الاستثمار بمشاريع إعادة الإعمار، وزيادة دورها في هذا المجال، عن طريق زيادة حجم المساعدات والمنح المقدمة للنظام السوري.

ومنذ أن أعلن السفير الصيني السابق لدى دمشق تشي تشيانجين في عام 2018 عن نية بلاده في لعب دور كبير في مجال تطوير وإعادة بناء سوريا بعد الحرب، كثّفت الصين من تحركاتها في هذا الاتجاه، وهو ما يزعج الأوروبيين كما يؤرق طهران وموسكو.

قضية إعادة الإعمار تقتضي الوقوف عند تميز الصين من خلال النظر في العلاقات بين دمشق وبكين قبل الحرب وخلالها

ويتساءل المراقبون عن انفتاح دمشق على الصين في هذا الوضع ما يجعلها ربما تنقلب على أقرب حلفائها خاصة بعدما أعطى النظام السوري منذ عام 2017 وعودًا لبكين، بمنح الشركات الصينية دورا كبيرا في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا عقب انتهاء
الحرب.

ويذهب الكثير من المحللين إلى التأكيد على أن الصين عرفت كيف ترمي صنارتها في الملعب السوري، حيث أغدقت، كونها تعرف أن الحرب تشارف على نهايته النظام السوري، بمنح مالية كانت أهمها المنحة المالية بقيمة 14 مليون دولار أميركي بموجب اتفاقية تعاون اقتصادي وفني وقعتها “هيئة التخطيط والتعاون الدولي” التابعة لمجلس الوزراء، في 4 مارس 2018.

ويؤكد خبراء اقتصاد أن الصين تريد إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة بانتهاج سياسة ناعمة تفتح عبرها آفاقا جديدة عن طريق استثمارات لها في سوريا، التي تعدّ بوابة العبور لها لاستثمار في الشرق الأوسط وخاصة في شمال أفريقيا وتركيا.

وأكد تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية “بيغن سادات” أن الصين تطمح بعد نهاية كابوس كورونا إلى تجاوز الولايات المتحدة وأوروبا عبر تموضعها في كل مكان بما في ذلك سوريا.

تعود العلاقات بين الصين وسوريا إلى عام 1956، عندما بدأت الدولتان الاتصال الدبلوماسي لأول مرة. وظلت العلاقات الثنائية متسقة إلى حد كبير.

وفي عام 2010، بلغ حجم التجارة بين الدولتين 2.2 مليار دولار وذهب معظمها في اتجاه واحد، من الصين إلى سوريا. وبحسب قاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، فقد باعت بكين أسلحة لسوريا يبلغ مجموعها 76 مليون دولار منذ عام 2000. وعلى سبيل المقارنة، اشترت روسيا 2.1 مليار دولار من الأسلحة الصغيرة خلال نفس الفترة.

وفي 5 أغسطس 2018، نشر السفير الصيني في سوريا مقالًا في صحيفة الوطن السورية، الناطقة باسم النظام السوري. وشدد المقال على العلاقات الصينية العربية، وأعلن أن بكين تعمق شراكاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وادعى أن الصين ترغب في لعب دور أكبر في دفع السلام والاستقرار في المنطقة.

وكتب السفير أنه منذ بداية الأزمة السورية، دعّمت الصين الشعب السوري سياسيا وإنسانيا. وأشاد بقوات الأسد لتقوية استقرار النظام، وقال إن الصين تريد تعزيز التعاون بين الدولتين، وهي مستعدة للمشاركة في إعادة تأهيل سوريا.

وفي 5 يونيو 2019، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ روسيا. وخلال زيارته، قال عن الحرب الأهلية السورية “سوريا موطن من أقدم الحضارات ذات التاريخ الطويل، وهي أيضا دولة مهمة في الشرق الأوسط”.

ومع تقدّم عملية إيجاد حلّ سياسي للصراع وبدأت الحكومة والشعب السوري لإعادة بناء وطنهم، وقفت الصين على استعداد للمشاركة في إعادة إعمار سوريا في حدود قدراتها وبذل قصارى جهدها لمساعدة الشعب السوري على استئناف حياته الطبيعية والإنتاج قريبا”.

ويُنظر إلى الصين على نطاق واسع على أنها المرشح الرئيسي لإعادة بناء البنية التحتية التي تضررت بشدة في سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب. وبخلاف تصريحات القيادة الصينية، فإن سبب هذا التصور بسيط حيث لا توجد دولة أخرى تدعم نظام الأسد وقادرة على الشروع في تنفيذ مشروع بهذا الحجم.

ويحظى نظام الأسد بدعم من إيران، لكن الجمهورية الإسلامية تفتقر إلى القدرات الاقتصادية مقارنةً بالصين. تتراوح تقديرات تكلفة إعادة بناء سوريا من 200 مليار دولار إلى تريليون دولار.

يثير مستوى الإنفاق المحتمل السؤال عن إرادة الصين في أن تكون “مدير مشروع” إعادة إعمار سوريا؟ هذا السؤال لا يمكن الوصول للإجابة عليه سوى بتحليل السلوك الصيني والدوافع المحتملة خلال الحرب الأهلية، وهي كارثة كبيرة قتلت أكثر من 600 ألف شخص، ودمرت الاقتصاد السوري، ودمرت نصف البنية التحتية للبلاد، وشردت 4 ملايين سوري داخليا، وهجّرت 6 ملايين آخرين إلى الخارج.

لقد حصل طرفا الحرب في سوريا على مساعدات خارجية بأشكال مختلفة، مع دعم الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى للحركة المعادية للنظام، وقدّمت روسيا وإيران والصين الدعم لنظام الأسد.

وبينما أرسلت روسيا وإيران قوات وباعتا أسلحة للنظام، قدّمت الصين دعما دبلوماسيا حصريا لدمشق. وهناك بعض الاستثناءات التي كان فيها الموظفون الصينيون إما على أرض المعركة وإما في اتصال مباشر مع الوكلاء.

وكانت وكالة أنباء شينخوا الصينية قد نقلت عن ضابط صيني كبير في 2016 قوله إن “الصين تريد تعزيز علاقاتها العسكرية مع سوريا”. كما قدم الصينيون مساعدات اقتصادية لسوريا على نطاق صغير. ففي 10 يوليو 2018، تعهد شي بتقديم حزمة من القروض بقيمة 20 مليار دولار وحوالي 106 مليون دولار من المساعدات المالية لدول الشرق الأوسط كجزء من ما أسماه نموذج “النفط والغاز” لإحياء النمو الاقتصادي في المنطقة.

وكان معظم الدعم الصيني لسوريا دبلوماسيا. وفي الأمم المتحدة، وقفت بكين باستمرار مع موسكو لدعم الأسد، من خلال اعتراضها على ستة من أصل سبعة قرارات لمجلس الأمن تدين السلطات السورية لاستخدام القوة ضد مواطنيها.

وبحسب الخبراء فإن هذا الدعم الطويل الأمد من الصين أعطى نظام الأسد فرصة جيدة لمحاربة المعارضة بوحشية كبيرة دون الحاجة إلى مواجهة الضغوط المنهكة من المجتمع الدولي.

وتوجد عدة أسباب يمكن من خلالها تفسير ميل الصين إلى سوريا، أولا، تريد بكين أن تثبت نفسها كقوة عظمى، وأن الدفاع عن مصالح حلفائها هو خطوة في هذا الاتجاه. وذلك ما ثبته السفير الصيني في سوريا مؤخرا بقوله “نحن على استعداد لتلقي أي عقوبات قد تفرضها واشنطن على الشركات الصينية المشاركة في معرض دمشق الدولي”، في إشارة إلى استعداد بكين لاستخدام سوريا كجزء من المعركة التجارية المحتدمة بين الصين والولايات المتحدة.

كما يوجد عنصر آخر يشرح الدعم الصيني للأسد وهو قلق بكين بشأن الأويغور من منطقة شينغيانغ في أقصى غرب الصين الذين سافروا سرا إلى سوريا والعراق للقتال مع الجماعات الإسلامية. حيث قتل تنظيم داعش رهينة صيني واحد على الأقل وأصدر تصريحات تهدد بمهاجمة الصين، الأمر الذي حفز القيادة الصينية على دعم نظام الأسد ضد الإسلاميين.

يذكر أن الصينيين يشتهرون بالسياسية الناعمة. وفي وجهة نظرهم، يمكن أن يكون دعم الأسد بمثابة هدف إيجابي كبير على المدى الطويل، وبكين مستعدة للانتظار لجني الفوائد.

ومن الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك في هذه العلاقة، التي تطورت على مدار أكثر من 50 عاما. لكن دعم الصين لنظام الأسد على مدى سنوات الحرب الأهلية كان أمرا حتميا لا شك فيه.

وتعدّ الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما أن مبادرة الحزام والطريق هي جزء لا يتجزأ من سياسة التجارة الصينية. ومن المنطقي وفق الخبراء أن تشارك الصين في إعادة إعمار سوريا بمجرد انتهاء الحرب وأزمة فايروس كورونا.

صحيفة العرب

المادة تعبر عن آراء وافكار صاحبها , وليس بالضرورة ان تعبر عن سياسة “خبر24”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق