الرأي

لعنة التاريخ في حروب أردوغان

الترويج التاريخي لحروب أردوغان ومغامراته الخارجية يعكس تخبطا وإفلاسا سياسيا. كما أنه يفضح رهان السلطان على فئة ضيقة من مؤيديه في الداخل التركي وأتباعه في المنطقة العربية.

يشبّه الرئيس رجب طيب أردوغان اليونانيين بـ”النازيين” في العنف الذي مارسوه ضد المهاجرين الذين جاؤوهم من تركيا يطلبون اللجوء. يأتيه الرد من يهود أثينا بأن ما يقوله مجرد محاولة لتضليل الرأي العام الغربي وحرفه عن حقيقة أن السلطان يتاجر بالبشر لتحقيق مكاسب سياسية.

الرد كان كافيا لحرق هذه الورقة الابتزازية لأردوغان، ولكنه لا يبدو كافيا لوقف ذلك الاستدعاء التاريخي الذي بات يلجأ إليه الرئيس التركي كثيرا في الآونة الأخيرة، من أجل تبرير هفوات سياسته الخارجية وتدخلاته في دول الجوار والمنطقة.

قبل استذكار النازية الألمانية ومقاربتها مع العنف الذي يمارسه اليونانيون في صد المهاجرين. تنقّل أردوغان كثيرا بين طيات التاريخ العثماني ليجد فيه ما يبرر غزوه لليبيا ومن قبلها سوريا. راح السلطان ينبش في العصور الذهبية لأجداده الذين احتلوا المنطقة العربية لمئات السنين في الألفية السابقة، عله يجد ما يقنع به أتراك اليوم بأن مغامراته العسكرية في الخارج ما هي إلا محاولة لإحياء أمجاد الأجداد الذين كانت البلاد في عهدهم إمبراطورية يخشاها الجميع، وتمتد جغرافيا على الكثير من دول الجوار في قارات العالم القديم.

مع سقوط أول جندي في حروب أردوغان على الأراضي الليبية والسورية، تداعت كل الأوهام التي بناها حول استعادة أمجاد الأولين. علا صراخ الأتراك في وجه السلطان يطالبونه بوقف هذا الزيف في تبرير مغامراته العسكرية خارج الحدود، ووقف هذا النزيف للدم التركي الذي كان أصحابه يرنون إلى العالمية عبر تحول بلادهم إلى عضو في الاتحاد الأوروبي. فهناك كانت ستفتح في وجوههم أبواب العمل والسفر. وهناك أيضا كان سينهض اقتصاد بلادهم بأفضل المؤشرات، وتزدهر سياستها الخارجية بأفضل العلاقات مع دول الشرق والغرب.

لم يفشل أردوغان فقط في حشد الرأي العام التركي لحروبه الخارجية. وإنما وضع نفسه في خطاب تجديد التاريخ العثماني على مقصلة المعارضة التي تبحث عن أي تفصيل، مهما كان صغيرا لإدانة وملاحقة السلطان. لسان حال الكثير من المؤرخين والباحثين والساسة الأتراك المناهضين لحكم الفرد الواحد في بلادهم اليوم، يطالبون أردوغان بعدم الانتقائية في قراءة التاريخ على الأقل. فعهود العثمانيين تنطوي على الكثير من الإخفاقات والمجازر والهزائم والخيانات التي يندى لها الجبين، ويرونها الأتراك أنفسهم عارا قبل شعوب العالم.

لم تنته القصة هنا، فاستدعاء السلطان للتاريخ العثماني أغضب شعوب الدول التي غزتها الأطماع الأردوغانية. فالذاكرة العربية تعرف العثمانيين محتلين أكثر ممّا تعرفهم خلفاء للدولة الإسلامية. كما أن خصوم أردوغان في الدول الأوروبية والغرب عموما استغلوا خطابه العثماني ليحشدوا ضده. ومن النتائج الواضحة لهذا الحشد جاء اعتراف برلمانات دول كثيرة حول العالم بمجزرة الأرمن التي ارتكبها العثمانيون خلال الحرب العالمية الأولى. وكان آخر هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية التي يفاخر رئيسها دونالد ترامب بصداقته لأردوغان.

الترويج التاريخي لحروب أردوغان ومغامراته الخارجية يعكس تخبطا وإفلاسا سياسيا. كما أنه يفضح رهان السلطان على فئة ضيقة من مؤيديه في الداخل التركي وأتباعه في المنطقة العربية. في تركيا يلتف حول أردوغان بشكل رئيسي أقاربه وعائلته وأزلامه من أرباب الأعمال الذين يراهنون على الفتوحات الأردوغانية لجني الغنائم وإنشاء مستعمرات الاقتصاد وإمبراطوريات المال ومحافظ الاستثمار. أما في الدول العربية فلا يتغنى بالغزو الأردوغاني كامتداد للاحتلال العثماني، إلا جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان.

في حروب أردوغان توغل الجيش التركي داخل الأراضي السورية عدة مرات بعمليات اختيرت أسماؤها وتواريخها ما يدلّ بوضوح على الاحتلال العثماني. وفي ليبيا وقف السلطان أمام ما تبقى من مؤيديه في حزب العدالة والتنمية، يستذكر قادة عثمانيين قتلوا في محاولة احتلال ذلك البلد الأفريقي. يثير أردوغان عواصف الحماسة في قلوب أنصاره عبر استدعاء أبطال الماضي العثماني، وعندما تهدأ جعجعة العواصف وتصل نعوش الجنود الأتراك إلى بلادهم، تظهر الأسباب الحقيقية للحروب التي يخوضها السلطان خارج الحدود التركية.

قبل أيام قليلة كشف أردوغان أنه عرض على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إدارة حقول النفط السورية في دير الزور. وبعدها بقليل يخرج مسؤول تركي ليعلن ارتفاع حجم الاستثمارات التركية في ليبيا إلى مئة وعشرين مليار دولار. هذا بالإضافة إلى التقارير التي تتحدث عن الذهب الليبي المهرب إلى تركيا، وأرصدة المصرف المركزي الليبي التي تسافر إلى أنقرة في رحلة ذهاب دون إياب. لتكون الخلاصة أن الاحتلال التركي لا يختلف عن الاحتلال العثماني قبل خمسمئة عام. وهو لا ينطوي على أي مبرر أخلاقي أو قانوني أو إنساني أو ديني.

في القمة الأخيرة التي جمعت الرئيسين الروسي والتركي في موسكو لبحث أزمة إدلب السورية. تعمد الروس إحاطة أردوغان بكل اللوحات والتماثيل التي تذكره بالجانب المخجل للزمن العثماني الذي يحاول أن يحييه. شواهد الكرملين أوصلت كثيرا من الرسائل إلى السلطان، وفي كتب التاريخ كمّ كبير من الأقوال التي حفظت عن أعلام ومشاهير تتحدث عن الخراب الذي لحق بكل مكان مرّ فيه الاحتلال العثماني. العبرة لمن يريد أن يعتبر، فالزمن لا يعيد نفسه.

صحيفة العرب

بهاء العوام /صحافي سوري

المادة تعبر عن اراء وافكار صاحبها , وليس بالضرورة ان تعبر عن سياسة “خبر24”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق