شؤون ثقافية

(أشعر بحكة في جرح قديم في يدي)

(أشعر بحكة في جرح قديم في يدي)
 
محمد المغربي
 
هذا طبيعي (فالقبح مؤلم) ربما تريد الجروح أن تعود لما كانت عليه قبل هذا التشوه، لذا أحيانا نشعر بحكة فيها، الجسد أيضا يفكر ولديه أحلام ويتذكر ماكان عليه من كمال، والأيام التي كان يحلم فيها بمستقبله، لذلك أشعر أحيانا أن التجاعيد تؤلمني والشعر الأبيض في رأسي يؤلمني، من هنا ابتكر الإنسان ـ دون أن يدري ـ الأصباغ (الميك آب) لا للتجميل بقدر ماهي للتخفيف مؤقتا من تلك الآلام، فهذه تعد مسكنات جيدة لما أصبحت عليه جروحنا الجمالية، وحتى عمليات التجميل هي علاجات بعضها ناجع وبعضها لا، بقدر قربها أو بعدها من ذاكرة جسدنا عن نفسه أو عن أمنياته، أشعر أن جسدي أحيانا يريد التمدد ولا يستطيع فأحس بآلام مبرحة في سيقاني وظهري، والبعض مؤكد يشعر العكس يشعر بضغط على أعضائه لتنكمش أو لتعدل من هيئتها، القبح مؤلم بشكل فسيولوجي لا بالمعني السيكولوجي، الأعضاء دائما يعتمل فيها نوع من الكيمياء، تنجح أحيانا في أطوارنا الأول وتفشل غالبا في أطوارنا المتأخرة، الهوة التي تركتها الضروس التي خلعتها تتسحس أماكنها المهجورة ، الشعر الذي فقدته تشعر أماكنه بفراغ كمن تركته حبيبته، جسدي في بحث دائم عن المثال الذي كان من المفترض أن أكون عليه، اللون الذي كان من المفترض أن أكون عليه، الطول الذي كان من المفترض أن أكون عليه، ملمس الجلد الذي كان من المفترض أن اكون عليه، نوع الشعر الذي كان من المفترض أن يكون، الهيئة التي تمناها جسدي عندما دخل إلى هذا العالم، الهيئة التي تحقق جزء منها بشكل مثالي وأجزاء ظلت تناضل وستظل تناضل ماحييت إلى أن أستسلم ساعتها تبدأ الشيخوخة في العمل وتبدأ حالة اليأس الجسدي في التفشي، وتبدأ الملاحقة بالإصلاحات التي لا تجدي نفعا من باب الحفاظ على ماهو قائم وإن كان لا ينتمي لنا مطلقا، هل فكرت يوما في ذلك العصيان الفجائي لعضو ما في جسدك، تريد أن تقف فترفض ساق من سيقانك الانصياع، فجأة مثلا تشعر بتيبس في إصبع من أصابعك، هذه الأعضاء أسميها: الأعضاء الشجاعة، أو إن شئت سمها الأعضاء المتمردة، فأن تتوقف في وسط الطريق ولا تريد أن تكمل هذا قرار لا يقو عليه إلا كائن شجاع، هل شعرت يوما أن شعرك في حالة من السعادة واللمعان والانصياع الكامل للمشط، هذه حالة من حالات الجسد، يمكن تسميتها، حالة السكر العضوي، أو النسيان والتناغم مع ماهو قائم حتى لو كنا لانريده، الأعضاء تشعر بمواطنة إجبارية، بعشائرية فرضتها الوراثة لا أكثر، فأحيانا نشعر بأن أنف أحدهم أكثر ملاءمة لنا من أنفنا، وأن عيوننا أكثر ملاءمة لشخص ما من عيونه، هذا كله يمثل الحكة الوجودية التي لا تنقطع، أو ألم عدم الانتماء المبرح، والحب أيضا نوع من المبادلة، فالحبيب يمنحنا ظاهريا بعضا ممانريد من جماله، ونمنحه بعض مايريد من جمالنا، هذا يحدث ما يشبه حالات التأين ( الوصول لأقرب غاز خامل ) في اللقاءات العاطفية، وحالات التأين هذه تتمثل عند البعض في الابتسامات البلهاء، وعند البعض الآخر في حالة من عدم القدرة على التحكم في الجسد، هذه حالات تطفلية، نسرق فيها جمال من نحب أو يسرق جمالنا، على أي حال أنا لا أكون منتبها كثيرا لضياع أشيائي العزيزة، إذا كان من هم أمامي أكثر جمالا وهذا يحدث كثيرا، فلا تكترث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق