شؤون ثقافية

نص قراءتي النقدية في ديوان “همسات القمر” للشاعرة اللبنانية فاطمة منصور،

نص قراءتي النقدية في ديوان “همسات القمر” للشاعرة اللبنانية فاطمة منصور،
تحت عنوان: سؤال الكتابة الشعرية بين فيض العاطفة، و وتيرة تدفق الحرف بإيقاعات مختلفة
و متضاربة.
ذ. بوزيان. وجدة. المغرب.
ـ بطاقة تعريف موجزة:
“همسات القمر” ديوان جديد للشاعرة و الاعلامية اللبنانية الأستاذة فاطمة منصور. الكتاب من الحجم المتوسط (100 صفحة دون احتساب الأوراق الخارجية) يحتوي على 55 نص شعري، بهندسة إيقونية/ خطية على خطى بنيات الشعر الحر. لنفس الشاعرة كتابات عديدة، و متنوعة، نذكر من بينها مجموعات شعرية بهذه العناوين: “من وحي القيود”، و “امراة من فصيلة الشمس “، و “حينما يحلق الفينيق بغيثارة سومرية”، و “أنثى على غيمة”، و “ارتعاشات عاشقة”، و “همسات القمر”…
ـ محور1: مقاربة المعجم.
سأحاول في هذا المحور التمهيدي لقراءتي النقدية للديوان دراسة المتن الشعري “العاطفي/ الوجداني”انطلاقا من مقاربة لسانية أدبية تروم رصد الحقول المعجمية التي يزخر بها هذا المتن، ليس بحثا فقط عن المعاني التي يوحي بها سطحها و عمقها، بل أيضا كوظائف دالة داخل التركيب النحوي و الدلالي على اجتهادات و ابتكارات الشاعرة من حيث الايقاعات الخارجية و الداخلية، و الانزياحات البلاغية، و سيمياء الصورة و جماليتها…
فإضافة لمعجم “الفهرس” : 55 عنوان، و حتى لا نكتفي بتأويلات سطحية لما ورد فيه، و بعد قراءات متعددة لكل نصوص الديوان، و فرت الشاعرة فاطمة منصور عناء البحث و التصنيف، بنص شعري احتوى لوحده على أهم المفردات/ العبارات/ السيمات التيماتية التي يمكن بفضلها وضع خطاطة مبيانية لأهم الحقول المعجمية الدلالية المهيمنة على المجموعة الشعرية برمتها؛ نقرأ:
” ابنتي ريبال الحبيبة
هذا الشعر …الليل
الذي يحيط مداك
كخلفية
لوضاء محياك
يجعل حرفي يحبو
في يوم ميلادك ليلقاك
فعذرا
يا فلقة قلبي
وملاكي
ان تواضعت ابجديتي
وانحنت امام ساطع سناك.”
يختزل هذا النص الشعري كل معجم الديوان من حيث وتيرة تكرار و تدفق نفس المفردات أو مرادفاتها أو عبارات تدل أو تحيل عليها، الشيء الذي يشجعنا على اختيار (والاكتفاء بها لضيق الحيز) خمسة حقول معجمية دلالية بمثابة تيمات مهيمنة على الديوان:
أ ـ حقل معجمي دلالي حول سؤال “كتابة الشعر”:
ـ “هذا الشعر..”، و “يجعل حرفي يحبو..”، و “تواضعت أبجذيتي..”: الشعر و الحرف و الأبجذية، مفردات متكررة على طول الديوان، إما حرفيا أو باستبدالها بمفردات تنتمي لعلم البلاغة مثل الكناية و المجاز، أو فقط بمفرد الكلمات، او القوافي، او القصيدة (النصوص رقم: 15، 17 ، 27، 32، 33، 40…).
ب ـ حقل معجمي دلالي حول تيمة “الحب”:
ـ “يا فلقة قلبي و ملاكي”: مفردة القلب تتكرر كثيرا في الديوان، و غالبا بمعناها المجازي كمرادف لمفردة “حب”، و “عشق”، و “شوق”، و “حنين”، و “لهفة”… (في كل النصوص دون استثناء، أحيل على سبيل المثال لا الحصر على النصوص 7، 8، 10، 11، 18، 19، 20 … 33، 40، 48 …).
ج ـ حقل معجمي دلالي حول تيمة “الحلم” و “الخيال”:
ـ “الذي يحيط مداك كخلفية”: تعبير مجازي عن الحلم، و مفردة “الحلم” على طول الديوان و في جل النصوص إن لم اقل كلها… هي مرادفة ل “الخيال” و “النبوءة” و “الأماني” أو “الأمنيات”(و هيمن هذا الحقل المعجمي الدلالي اكثر في نصوص مثل رقم: 7، 9، 24، 26، 27، 28، 39، 42 و غيرها…).
ه ـ حقل معجمي يكرس “مانوية النور و العتمة”:
ـ ” هذا الشعر …الليل (…) ” لوضاء محياك” … لهذا المقطع صدى يتردد على طول الديوان بمفردات بمعاني متقاربة: “سنا”، “ضوء”، “وضاء”، “ضياء”، “قمر”، “شمس”، “نور”، “ضوء”… / “ليل”، “ليلة”،”مساء”، “ظلمة”، “عتمة”… (في نصوص مثل رقم: 10، 18، 21، 25، 26، 30، 37…).
د ـ حقل معجمي دلالي حول تيمة “الموت / الميلاد”:
ـ “يجعل حرفي يحبو.. في يوم ميلادك ليلقاك”… هو الموت مقترن بنهاية حب… بفصل الخريف… بالتجاعيد… بغياب القمر… بالليل… بينما يقترن الميلاد بميلاد المسيح، و العذراء، و التكوين، و بزوغ الشمس، و طلوع القمر، و الربيع، و الفينيق… (في نصوص مثل رقم: 1، 2، 3، 12، 14، 16، 45…).
من أول افتحاص انطباعي لهذه الحقول المعجمية الدلالية الخمسة، تبدو التيمات المهيمنة على ديوان “همسات القمر” للشاعرة فاطمة منصور من “الكليشيهات” “المستهلكة”في الشعر العربي قديمه و حديثه (الحب و الفقد؛ النور و الظلام؛ الشعر و الملهم الغائب؛ الحلم و الخيال؛ الموت و الميلاد)… لذا وجب طرح سؤال محوري:
ما هي البصمة الخاصة للشاعرة فاطمة منصور في تناول هذه التيمات؟
أو بعبارة أخرى: ما هو حجم “الاختلاف” عندها الذي يحسب لها تفردا و خصوصية وجديد ابتكار؟
قبل الاجابة على هذا السؤال من خلال تضاعيف هذا المقال، ارتأينا أن إخضاع نصوص الديوان لمساءلة تروم البحث عن عناصر نصية (تصريحات؛ توظيف اللغة؛ البنى؛ الانزياحات البلاغية و الأسلوبية…) لكشف الحجاب على الخط التحريري الذي يميز الشاعرة فاطمة منصور: هي بشبه تصريح بعيد عن المباشرة تلمّح للقارئ المفترض أنها لا تكتب من عدم، و لا تنسج أشعارها لمجرد الكتابة، بل من وراء أفق القصيدة رسائل تتجاوز ب “صداها” مجرد إحساس على ورق “: هي مفردات تنتمي لحقل دلالي بين منزلتين: الرومانسية في أبهى حللها الحديثة بحبر دمّاع، و حيرة، و إحباطات، و غربة، و فقد، و حب متمنّع جارف… و البعد الصوفي الذي تحيي طقوسه شطحات الحرف، و رنين الموسيقى الداخلية، و روائح العطور، و انسلاخ عن العالم المادي لأجل ملكوت هو جنة الشعراء و الورق كناية عن فعل الكتابة..
تصريح غير مباشر بمثابة “بيان كتابة” تظهر تجلياته أكثر في نص “بلا صدى” (رقم 51)، حيث نقرأ:
” لا أكتب شيئا بلا صدى
كثيرا ما أراقب صوت أقلامي
سأغلق النوافذ
وأنثر ما ترتب على حرفي
وأمضي بلا ملامحي
تلك ملامح غيم
ربما مرت هنا
حملت عطر القصيدة
وراحت تبحث عن خراجها
في مكان ما
يا وتر
خذ أصابع الحلم
و أترك أجيج هيامي”.
و لأن فاطمة منصور باحثة في مجال اللغة و الأدب عامة، و الشعر خاصة، و لها في التخصص دراسات عديدة و معمقة، فهي تغني النص السابق، بنص شعري آخر ينم عن مدى اضطلاعها بعلم البلاغة تراكيبا و بيانا و بديعا؛ تقول:
” الجسر استعارة مكنية
الجسر كناية
الجسر من أشياء البديع
فأنا الاسطورة
أمشي على الغيم
وأمنح الارض
شهوة الربيع”. (نص تحت عنوان “نبوءة” رقم 15).
و ربما يصح القول هنا (كما عبر عن ذلك الأستاذ الباحث حاتم الصكر في معرض حديثه عن نازك الملائكة) في ثنائية الشاعرة/ الناقدة فاطمة منصور”بأن الشعر ممارسة إبداعية فنية ذاتية تنطلق من الذات و تعود إليها، مراعية انتظام القول الشعري و كيفية اتخاذه البنية المناسبة، و هو ما يعرف بالشعرية (حسب ابن رشيق القيرواني) فيما يكون النقد ممارسة جمالية تنطلق من الذات و ما تصبه على المقروء من وعي و شعور لتكوين معرفة بالنص و كشف لأبنيته…”… و الناقدة كما رأينا من خلال النصين السابقين حاضرة كتوأم موجهة للشاعرة بالإيحاء: الذات المتكلمة الأنا في مختلف النصوص أكيد امرأة من ملكوت الشعر، من صنع الخيال، و بتالي كائن من ورق؛ لكن و في ذات الآن، و كأن الشاعرة تريد خلط الأوراق و تغليف الرومانسية بالواقعية لما تسمي الذات المتكلمة باسمها الحقيقي “فاطمة” (إحالة على فاطمة منصور و كأن المر يتعلق بسيرة ذاتية)، نقرأ:
” أنا فاطمة ساحلك القصي
وأنت موج تائه
حط رحل الاماسي
قرب مدفأة العتاب
ودعنا نكحل المسافات
بقبل شاردة.” (من نص “قطاف الحب” رقم 2).
محور 2 : خصوصية توظيف آليات التلفظ، او تداعيات “الأنا”و “الأنتَ”:
أ ـ التشخيص/ التجسيد البلاغي:
ـ “الأنا” فاطمة تساوي “ساحلك القصي”
“الأنتَ” يساوي “موج تائه” (نص” قطاف الحب”).
ـ “الأنا” هي “ضلع… في الأرض… أينع امرأة بلورية التكوين…”
“الأنتَ” من مشهد “عناق” مُسِخ “فراغا”:
” في ليلة شتائية
التقيا معا
تعانقا خلسة
لاشيء سوى فراغ
(…)
عن ضلع ضاع
في تيه العناق
نبت الضلع
في الأرض
فأينع امراة
بلورية التكوين” (من نص “الشمس و القمر” رقم 30).
ـ “الأنا” هي “البحر”
“الأنت”: “البحر” بداخلها”
“هو خلفي
مع انه
بداخلي
للبحر مشيئة
الجهات
وأنا والبحر
حكاية
ألفها ملاذ
وياؤها استحواذ.” (نص “البحر” رقم 34).
ـ “الأنا”حبيبة موهومة،
“الأنتَ: ليل و حلم و نبوءة و أماني:
يا أيها الليل كم تشبه حبيبي
(…)
يا أيها الحلم
هل النبوءة تحققت؟
هل الأماني ترجمت؟…” (من نص “لا… أحلم” رقم 42).
ب ـ الطباق و المقابلة كمحسنات بديعية لإضفاء الجمالية:
من المتعارف عليه إن الطباق و المقابلة من المحسنات أو الزخارف البديعية التي يستعين بها الأديب لإظهار مشاعره وللتأثير في تفكير وشخصية ونفس القارئ… و قد لجأت الشاعرة فاطمة منصور إلى هذه المحسنات (وهي العارفة بوظيفتها ودلالاتها و عمق تاثيرها) بهدف تنويع الإيقاعات سواء في النص الشعري الواحد، او على مستوى المجموعة الشعرية برمتها، حتى تتقي شر إحساس القارئ بالرتابة و الملل، و التموقع داخلة جدلية الحزن و الفرح، و الفقد و اللقاء، و الاحباط و الانفراج…
و قد اختزلت بجمالية فائقة هذه الجدلية بين المتناقضات في بضع كلمات، تقول فيها:
” الأفراح ليست عاقرة
.. و لكن
حضن الأحزان يتاجر بالبكاء.” ( من نص “فجوة الخيبة” رقم 29).
و من ثمّ يكتشف القارئ عبر ربوع الديوان ثلاثة إيقاعات وجدانية:
أ ـ النظرة المتفائلة باعتبار المرأة سرّ الخلق و واهبة الوجود؛ نقرأ:
“نبت الضلع
في الأرض
فأينع امرأة
بلورية التكوين
عيناها ماسيتان
و إن مسّت يدها
زهرة ذابلة
تورق منشدة..” (من نص “الشمس و القمر” رقم 30).
ب ـ جدلية ثنائبة الحياة و الموت عشقا؛ نقرأ:
“أمضي ولا أدري
بأي ثنائية أموت
تنداح النار في قلبي
بساتيني أشرعة تمحوها المسافات
أفوج بحطام الجراح
حافية القلب
أترك للغبار معشر الحجارة
وأبلل الماء بلهاث
شيحان العشق…” (من نص “شيحان العشق” رقم 48).
ج ـ هاجس الخوف من المدى و المستقبل؛ نقرأ:
” كيف تنام
وفي جسدها ضجيج
الشهوة
وحريق الوجد
كيف لحدائق الورد
ان تتمتع ببوحها
وهي ذابلة
تخشى أن يداهمها الخريف
فتحملها
الريح
يجف العطر
وتفرغ الكؤوس من خمرة
(…)
فيسكت الشعر
ويندب رحيلها سحر
الأنوثة.” (من نص “حرمان عروسة الشعر” رقم 33).
د ـ “أبجذية ناي مبحوح” هي الخلاصة:
نعم، “أبجذية ناي مبحوح”(كما العنوان الثاني للديوان) هي خلاصة هذه الايقاعات المختلفة و المتعددة و المتضاربة موسيقى و دلالات و سيمياء (علامات و رموز)، و في الغائية بحثت عن مواصفات الحبيب: كان ليلا سرابا، و عن مواصفة الحبيبة: هي فاطمة شخصية ديوان شعر يُحكى كما رواية، وحدها بتفردها كتبته: الأستاذة الشاعرة الموهوبة صديقتي فاطمة منصور؛ و عن هذا “الناي المبحوح” الذي يشبه في ترانيمه صرختها، كتبتْ (و بعد قولها مسك ختام مقالنا) هذه الأنشودة:
“أسند السماء على عكازه وأفر
إلى اخر المنفى
أكتب على كف النهاية
هيبة النهر
حينما تنتحر القصائد ،سأهبه
تحملتني الريح
أفتش عن أشيائي التي غادرتني
أيها الغريب ،تعال
سأهديك قسمة جديدة
كذبة الناي الحزين
قبضة تهالكت بالصبر
وأنت المعمر بالنار…” (من نص “آخر الأشياء” رقم 47).
و أتمنى لكم أعزائي القراء قراءة عذبة و رائقة للديوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق