مقالات

تركيا الاستعمارية

بقلم: أحمد شيخو

بعد تزايد حالة تركيا الأردوغانية المحرضة والمسببة للإضرابات وحالة انعدام الاستقرار وكذلك تضخم حالة أردوغان الشعبوية التي تسبق لكل مستبد ودكتاتور للتغطية على تراجع شعبيته وإضعاف نفوذه ولتقوية مواقفه التفاوضية مع دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وأمريكا، أردنا أن نعرج على بعض النقاط التي توضح حقيقة و رغبة تركيا الأردوغانية في التمدد بالمنطقة وكيفية تشكل تلك الرغبة في السياسة التركية.

لنتذكر أنه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وقرب تلاشيها كانت هناك فرصة لتشييد إدارة مشتركة أو جمهورية ديمقراطية للمناطق المتبقية من تلك الإمبراطورية ضمن إطار الميثاق الملي الذي تم الاتفاق عليه بين العشائر الكردية والضابط العثماني مصطفى كمال والذي يشمل تركيا وشمال سوريا وشمال العراق وذلك كان في إطار اتفاق أماسيا 1919 وفي مؤتمري أرزروم وسيواس في جنوب شرق تركيا الحالية.

وعلى أثرها خاض الكرد والترك معاً في فترة (1919_1922) ما يعرف في تركيا “حرب الاستقلال”.

وإنعكس المزايا الديمقراطية للنظام الذي سيتشكل في أول دستور عام 1921 لبرلمان الشعب الذي عقد في عام 1920 والمكون من (233 نائب و منهم 72 نائب كردي أي بمعدل 33%) والذي أجمع الغالبية منه على قانون الحكم الذاتي الكردي الذي صدر في 10 شباط 1922.

مع الإشارة أن الانكليز وفرنسا وروسيا وعصبة الأمم قبلوا بالحكم الذاتي في مناطق شرق الفرات في تركيا ضمن اتفاقية سيفر 1920 الذي قبله السلطنة العثمانية المهزومة.

لكنه من جانب آخر تواصل مصطفى كمال مع القوى المهيمنة لتلك الأوقات ووافق معهم على تجاوز المتفق عليه مع الكرد في الميثاق المللي الذي يؤكد الرغبة المشتركة للعيش معاً في دولة واحدة للشعبين وليس كما يريده أردوغان حجة للقتل والاحتلال والتطهير العرقي.

وقام الإنكليز حينها بفرض ثنائية ” إما الجمهورية أو الموصل وكركوك” بسبب تواجد النفط في تلك المناطق ولتحقيق التوازن بين الشيعة والسنة في العراق بمعنى تم فصل كردستان العراق الحالية من الميثاق الملي عبر اتفاقية أنقرة وأتفاقية القاهرة 1921.

وكذلك تم فصل مناطق شمال سوريا من الميثاق المللي باتفاقية أنقرة 1921 بين فرنسا و انقرة و بموجبها تخلت فرنسا عن حدود سيفر.

وبعد حوالي ثلاثة سنوات عند الدخول في عام 1923 وجد الكرد أنفسهم أمام مؤامرة لقوى دولية مع السلطات التركية، حيث تم تقسيم مناطقهم التي كانت تحت الاحتلال العثماني وتم وضع القسم الأكبر منه ضمن تركيا المستحدثة التي تشكلت بصيغة غير المتفقة عليها قبل الحرب.وتم إصدار دستور لعام 1924 الذي يقول كل من يتواجد على أرض تركيا تركي القومية بعد أن توافق القوى المهيمنة حينها مع الاتحاد والترقي.

وعند تقوية وسيطرة الاتحاد والترقي الذين ظهروا من ضمن الحركات التي ظهرت منذ 1890 كفروع للماسونية تحت اسم العثمانية الجديدة و الحركات التجديدية والمستقبلية وهم الذين يجسدون التأثير اليهودي بنفوذهم المادي والمعنوي على السلطات والحكم في تركيا وحتى أن السفير البريطاني قال عندها بانه سيطرة لليهود على الحكم في تركيا.

ونستطيع إعتبار الجمهورية الاولى لتركيا خلال(1923_1980) وكان فيها “القوموية التركية البيضاء العلمانية” وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري هو حزب المرحلة حزب السلطة والدولة .هنا وجد الكرد أنفسهم أمام خيانة الطرف التركي لتقسيم مناطقهم وضمها للعراق وسوريا المشكلة من الانكليز والفرنسيين و مرغمين على رفض ومقاومة سياسات الابادة والتطهير العرقي بحقهم وتم عيش فترة (1925_1939) كمقاومة ضد الطهر والاذابة وضد اخراج الكرد من كونهم شعب وأمة على أرضه التاريخية.

أما الجمهورية الثانية(1980_حتى الآن) نظراً للتناقضات الداخلية و تغير حالة الشرق الأوسط فإن الدور الذي أخذه حزب الشعب الجمهوري سيقوم به حزب العدالة والتنمية وبصيغة “الإسلام التركي القومية التركية الخضراء” علماً أن بداية ظاهرة حزب العدالة والتنمية وأردوغان ناتجة من تحالف المحافظين الليبراليين الجدد في أمريكا مع الرأسمال القادم من قونية وقيصري.

وما تم عيشه في الجمهورية الاولى تم في الثانية ايضاً منذ 1984 وحتى الآن حيث تم متابعة سياسات الإنكار والإبادة وقتل أكثر من 50000 شخص وحرق اكثر من 4000 قرية وكذالك تدمير حوالي 20 مدينة وبلدة كردية في جنوب شرقي تركيا (شمال كردستان وكذلك تستمر المقاومة من قبل الطرف الكردي بغرض الحفاظ على الوجود والهوية لكافة المجتمعات المحلية في تركيا والعراق وسوريا وتحقيق أخوة الشعوب وتكاملها.

لقد عرضت قسماً من سلوك وسياسة تركيا لندرك أن المنطقة أمام توترات كبيرة وكثيرة بسبب تمدد العثمانية الجديدة التي تم بناؤها كجزء من المؤامرة الدولية على القيم الحضارية والتاريخية والثقافية للمنطقة ولشعوبها.

وليدرك أبناء منطقتنا(الشرق الأوسط) أن تركيا الاستعمارية قائمة على سياسة التطهير العرقي والابادة في داخلها فكيف سيكون سياستها الخارجية مع العلم أن تركيا من أول الدول التي اوجدت القوى غير النظامية التي أسديَت لها كل الجرائم التي تريدها السلطات التركية ممارستها باسم مستعار لكن الدول والقوى المهيمنة العالمية ولمصالحها كانت تتستر على جرائم تركيا وبل تدعمها وتصف الطرف المقاوم عن هويتها وبقاء شعبها بالإرهاب.

وأساليب الخداع والخيانة والتدخل بشؤون الغير مازالت ضمن أجندة العثمانيين الجدد وما تفعله تركيا الأردوغانية في ليبيا والصومال وسوريا والعراق وغيرهم يؤكد ذلك.

بالإضافة إلى استغلال أردوغان القضية الفلسطينية للمتاجرة و لغرض كسب النفوذ في العالم الإسلامي بالرغم من أن تركيا أول دولة مسلمة اعترفت بإسرائيل وكذلك تزايد التبادل التجاري و استمرار العلاقات العسكرية بينهما و الكيان الإسرائيلي.

ولعل تَكذيب أردوغان من قبل باكستان بعد قمة كوالالمبور وكذلك تكذيب الرئاسة الجزائرية والتونسية بعد زيارات أردوغان يجسد سلوكه المعتوه والمنحرف عن كل القيم الدبلوماسية واللباقة.

يجدر الإشارة أن الانكليز كانوا القوى المهيمنة أثناء الجمهورية الاولى وأصبحت أمريكا في الثانية وهم يرسمون سياسات تركيا في النهاية كجزء للاستراتيجية الهيمنية في المنطقة.

مع العلم أن حركات التصفية المسلطة على الكُرد في البداية أدت إلى هيمنة الفاشية التركية البيضاء وكذلك يتم استهداف الهوية الحرة الكُردية في فترة التركياتية الخضراء وعدم حل القضية الكردية يبعد تركيا عن مضامين انسانية أو استقرارية.

وما تفعله تركيا في الخارج نتيجة لحربها وأزمتها الداخلية مع شعوبها وهي تؤكد بممارستها ضعفها وعجزها عن التأقلم مع الطبيعة التشاركية والتوافقية لتاريخ وثقافة المنطقة وكذلك الخصوصية للمجتمعات المحلية.

لدى تركيا طريقين أما الحرب والدمار والاستمرار في مشروع العثمانية الجديدة أو إنكار الكرد و الحل الديمقراطي والعودة إلى تقاليد الحرب الوطنية والتعايش لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.

لكن على مايبدو أنها اختارت الطريق الأول ولذالك على شعوبنا العربية والكردية ودول المنطقة تحقيق تضامنها وتحالفها وإبداء مواقف عملية سياسية واقتصادية وعسكرية أكثر شجاعة وجرأة حيث لم يلتزم أردوغان وحزبه وتركيا في عهده بأية تفاهمات أو أية التزامات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق