شؤون ثقافية

اختلاس

اختلاس
 
يسمع وقع خطوات ثقيلة في الممر، يصرر أذنيه، يحس بها تقترب من غرفته. يتوثب الدم في عروقه، يتسارع نبضه، تتسلقه من أخمص قدميه إلى رأسه قشعريرة… يسحب الغطاء إلى رأسه، ينكمش في سريره… “لقد اهتدوا إلى مكاني، من يا ترى وشى بي؟ قد تكون هي، نعم هي طليقتي، آخر رد لها كان ينطوي على وعيد.. ليتني لم أجن يومها وأستفزها بذلك الكلام…” يسمع طرقا خفيفا على الباب، يقطع النفس، ويدفن رأسه تحت وسادته، يرتفع الطرق، يرتفع ضغطه وهواجسه… يسمع صرير الباب، يتسلل إليه نور خافت، ترفعه يد قوية وتطوح به أرضا. منبطحا، يرى أحذيتهم الرفيعة. كانوا أربعة، يعادل وزن الواحد منهم أربعة أضعاف وزنه، بإمكانهم سحقه كحشرة حقيرة تحت أقدامهم… يضغط أحدهم بحذائه على رقبته، يتأوه، يعالجه آخر بضربة على مؤخرته، يصرخ ويقبل حذاء الضاغط على رقبته. يرفعه آخر على كرسي، يرى وجوههم فترتعد فرائصه.. يسر لنفسه: “لن أنجو منهم هذه المرة..” يوثقون يديه وقدميه إلى الكرسي…
يشعل سيجارة، يسحب نفسا عميقا، وينفث دخانها في وجهه قائلا: “أكنت تظن أننا لن نصل إلى جحرك يا عفن؟ أين المال؟” يرد مستعطفا: “أرجوكم، أمهلوني بعض الوقت، بعت قطعة أرض، حالما يصلني المبلغ أسدد…” يسدد إلى فمه لكمة قوية، تتناثر أسنانه المنخورة وينزف دمه…” كم أمهلناك، وأنت تضللنا متنقلا من جحر إلى آخر، وتغير حانة بأخرى كلما تراكمت ديونك… فتشوا الغرفة.”
قلبوا غرفته البئيسة رأسا على عقب، لم يعثروا على شيء ذي قيمة؛ ملابس متعفنة في الخزانة، جرائد حال لونها، أوراق يانصيب، قنينات جعة فارغة، وأعقاب سجائر في كل ركن. سحب كبيرهم مسدسه، وضعه بين عينيه، بصق على وجهه، وبصوت مجلجل زلزل كيانه قرر مصيره: “روحك مقابل دين القمار يا كلب.” علا صريخه، وأخذ يستعطفه… ضغط على الزناد و…
ينهض، يتحسس فمه، يحس بحموضة في حلقه وبرغبة في الاستفراغ… يلملم شظاياه، يرفع ستارة النافذة، يطل على الشارع، يرى سيارة شرطة مركونة عند مدخل النزل، يحس بدوار شديد، يهرع إلى الحمام ويستفرغ ما في أمعائه… ينظر إلى شقفة مرآة معلقة على الجدار، يلحظ جرحا ينزف بين عينيه وبقع دم على قميصه.. يعود إلى سريره، يحاول، عبثا، أن يتذكر ما حدث في الحانة ليلة أمس، يبحث في جيوبه، ينفضها… يغير ملابسه، ينزل ويسأل عامل الاستقبال:
– هل سأل عني أحد؟
– لا.. لكن..
– لكن ماذا؟
– أمس، جيء بك محمولا وفاقد الوعي.. المدير يريدك أن تسدد وتفرغ الغرفة..
لم ينبس ببنت شفة. عاد إلى الغرفة وأخذ يفكر… منذ غادر العمل وهو يطرق أبوابا، استدان مبالغ مالية لم يعدها بعد، الدائنون يلاحقونه، وها هو مدير النزل الوضيع يطالبه بالدفع والإفراغ.
تذكرها، أحلام، نادلة الحانة التي تردد عليها زمنا قبل أن يمنع من ولوجها، كان يواعدها، وكان ندي اليد معها، أعطاها مرة مبلغا ماليا كمساعدة حين أجريت لأمها عملية، وكانت اعتبرته دينا… أحلام تلك، بعدما سرحت من العمل، باعت أسرار مغامراته لزوجته مقابل مائة درهم، واختفت.
بحث عن رقمها في مفكرته، هاتفها، رد عليه رجل فأقفل الخط…
دخل الحانة، انزوى في ركن، أشار إلى النادل، وكان يراه لأول مرة، فتجاهله. كان الرواد غرباء عنه، وكان يطمع أن يرى بعض معارفه القدامى عله يجد لديهم ما يجودون به عليه، أو يجد أحلام فترد له المبلغ. أشار من جديد للنادل، فجاءه على مضض، سأله عن فلان وفلان … و كان النادل ينفي أنه يعرف أحدا من هؤلاء. فختم بسؤاله عن احلام، فوجئ وارتبك قبل أن يجيبه: “مدام أحلام صاحبة الحانة، تأتي في الثامنة.. طلباتك سيدي..” أخفى دهشته، وأجابه على الفور: “في انتظار وصول مدام أحلام، سمك مدخن، سلاطة، جعة، و.. علبة سجائر.” انشرحت أساريره، انفتحت شهيته، تسمرت عيناه على الباب وهو يفكر كيف لتلك الفتاة الفقيرة أن تمتلك هذا المحل في وقت وجيز، لكنه تذكر فدوى، تلك التي كانت ترتاد الحانة، تشرب كأسا مع هذا، وآخر مع ذاك، وتنام في حضن آخر… تذكر كيف التوت كحية على شقيق صاحب الحانة، آنذاك، وتزوجته. قد تكون أحلام لعبت بعقل أحدهم و…
كان يدخن ويشرب بشراهة دون أن يغفل مراقبة الباب، ويحلم بانعتاقه من كوابيس الليل والنهار…
تتلفع بمعطف فرو أنيق، تدخل، تتوسط مرافقيها الشخصيين، تجول نظراتها في المحل، تلتقي بنظراته، يبتسم لها، تعبس في وجهه، وتدخل مكتبها… “كم تغيرت! أنا أيضا تغيرت.. هرمت وهزلت.. تساقطت معظم أسناني.. غزا الشيب رأسي وشاربي.. لا يعيب الرجل إلا فقر جيبه هههههه.. ربما لم تعرفني…” يغيب النادل فترة، ثم يأتيه بفاتورة ثقيلة، يهمس له: “أخبر المدام أنني أنتظرها.” يأتيه رده صادما: “ادفع الحساب وغادر، المدام لا ترغب في رؤيتك..”
كان السكر قد بلغ منه مبلغه، فرفض أن يدفع ويغادر، وقف يترنح يمينا وشمالا، ويصيح بأعلى صوته: “أحلام، يا بنت ال… الله يلعن أباك، أنت يا حثالة، ترفضين مقابلتي، سأفضحك.. نسيت سيرتك الوسخة؟” يتداوله بينهما اثنان شديدان، يشبعانه ركلا ولكما و… يفرغانه كالقمامة في الشارع…
كانت أحلام تتابع المشهد داخل مكتبها، من خلال تسجيل الكاميرا، وتستغرب كيف يدعي هذا النكرة معرفتها، ويجرؤ على سبها…
 
خديجة أجانا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق